يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«طالبان» الباكستانية تسعى لاستنساخ تجربة نظيرتها الأفغانية

الإثنين 01/أغسطس/2022 - 10:11 م
المرجع
مصطفى كامل
طباعة
بعد قرب عام على سيطرة حركة "طالبان" الأفغانية على السلطة في كابل، ووضع الشروط الخاصة بها تجاه الشعب وإجباره على الالتزام بها، دأبت حركة "طالبان باكستان" على استنساخ التجربة الأفغانية بفرض أساليبها وشروطها على المناطق التي تسيطر عليها في باكستان، وخاصة القبائل المناطق التي تقطنها القبائل البشتونية، الأمر الذي دعا السلطات إلى إجراء محاولات للتفاوض مع الجماعة إلا أنها قوبلت بعدم الاكتراث. 

التأثر بالحركة الأفغانية

أدت سيطرت حركة «طالبان» على أفغانستان في أغسطس 2021، إلى تمدد تأثير الحركة إلى المنطقة القبلية الباكستانية، ما زاد من قلق "إسلام أباد" التي تحاول مواجهة تمدد فكر الحركة الأفغانية إلى المناطق التي تقطنها القبائل البشتونية، خصوصًا أن تلك المناطق مهيئة جدًّا للتأثر بأفغانستان من النواحي الفكرية والعرقية والاجتماعية والجغرافية.

وتأتي بوادر تأثر «طالبان باكستان» بالحركة الأفغانية، في إصدار قادة القبائل ورجال الدين منتصف يوليو 2022، خلال اجتماع في مقاطعة باجور القبلية في شمال غربي باكستان، قرارًا بمنع النساء من الدخول إلى المناطق الترفيهية والحدائق، بزعم أن هذا الأمر يؤدي إلى مساوئ أخلاقية. 

وقال عالم الدين والزعيم القبلي المولوي عبد الرشيد، الذي ترأس الاجتماع: "إن المناطق القبلية لن تقبل المساومة على عاداتها وأعرافها، وإن دخول النساء إلى المناطق السياحية تلاعب بقيمنا.. نحن القبائل منذ القدم نضحي بكل غالٍ وثمين من أجل الحفاظ على قيمنا وأخلاقنا، من هنا نمنع النساء القادمات من مناطق باكستان من الدخول إلى مقاطعة باجور القبلية. كما نتعهد نحن القبائل ألا نسمح لنسائنا أيضًا بالدخول إلى المناطق السياحية، وهو أمر محتم لا مناص منه".

وأثار القرار حفيظة الكثيرين في داخل باكستان، بينهم مسؤولون في الحكومة والجيل القبلي المثقف المتطلع إلى تغيير الحالة الاجتماعية في المنطقة القبلية، حيث أمهل الاجتماع الحكومة مدة أسبوع لتطبيق القرار، ومنع النساء اللواتي يأتين من كل ربوع البلاد إلى مصيف باجور من الدخول إلى المناطق السياحية، كما طلب المجتمعون من القبائل منع نسائها من الخروج إلى المناطق السياحية، بحكم أن الاجتماع القبلي حظر ذلك.

ومع أن القرار يضر بمعيشة سكان مقاطعة باجور، والتي كان السياح يتوجهون إليها بكثافة، فإن المجتمعين أكدوا أن القبائل تتحمل كل الأعباء الاقتصادية مقابل القضاء على ما وصفوه بـ«الفساد الأخلاقي».

تصفية ممنهجة للنشطاء السياسيين

ويأتي هذا الأمر في الوقت الذي تشهد المناطق القبلية في باكستان، عمليات تصفية ممنهجة للنشطاء السياسيين، خصوصًا النشطاء في الأحزاب السياسية الدينية، وهم من البشتون وعلماء الدين، ويعدون من أبرز المدافعين عن نفوذ السلطة في المناطق القبلية، حيث قتل في الثلث الأول من يوليو 2022، عشرة قياديين في «جمعية علماء الإسلام»، أكبر الأحزاب الدينية، بينهم قاري سميع الدين وقاري محمد نعمان، كانوا شاركوا في الانتخابات العامة والبلدية، وهم من المدافعين بقوة عن قضية انضمام المناطق القبلية إلى إقليم خيبربختونخوا شمال غربي البلاد، كما أن هناك عملية تصفية ممنهجة لكل الرموز القبلية، التي تدافع عن سياسات الحكومة الباكستانية المركزية، من قبل جهات غير معلومة.

ودعا "المولوي فضل الرحمن"، زعيم «جمعية علماء الإسلام»، في خطاب أمام اجتماع قبلي في مدينة بنو المحاذية لمقاطعة شمال وزيرستان القبلية في 22 يوليو الحالي، المؤسسة العسكرية للقضاء على ظاهرة التصفية الممنهجة للقيادات، والقبائل والعرقية البشتونية بشكل عام، إلى الاحتجاج المتواصل، من أجل رفع الصوت ضد هذه الظاهرة الخطيرة للغاية.

محاولات للإقناع بالتنازل

في الجهة المقابلة، تواصل الحكومة الباكستانية محاولاتها لإقناع «طالبان باكستان» بالتنازل عن بعض مطالبها، من أبرزها استقلال المناطق القبلية وإنهاء انضمامها إلى إقليم «خيبربختونخوا» الواقع شمال غرب باكستان، وخروج قوات الجيش الباكستاني من المناطق القبلية، إذ إن الموافقة على هذه المطالب ستدمر كل جهود المؤسسة العسكرية الباكستانية الرامية إلى إخضاع المناطق القبلية لسيطرة الحكومة المركزية.

وكانت زيارة وفد قبلي، مكون من 57 شخصًا، إلى كابول في مطلع يونيو الماضي، فشلت في جعل الحركة، تتراجع عن شروطها، وأرسلت الحكومة الباكستانية، مسؤولين من الاستخبارات ضمن وفد اقتصادي للتفاوض مع ممثلي «طالبان باكستان» لإقناعهم بالتنازل عن بعض شروطهم، لكن السلطات فشلت في الحصول على تنازل منها.

ولا تزال حركة «طالبان باكستان» تشكل مصدر تهديد خطير للدولة والمجتمع، إذ كانت هي المستفيد الأكبر من وراء انتصار الحركة الأفغانية وسيطرتها على مقاليد الحكم، عن غيرها من الجماعات الإرهابية الأخرى في الداخل الأفغاني ونفذت العديد من الهجمات والعمليات داخل باكستان؛ وذلك على الرغم من توسط الحركة الأفغانية بحكومة باكستان بإعادة عوائل «طالبان باكستان» إلى بلدهم عقب فرارهم إلى الأراضي الأفغانية عام 2014، عندما بدأ الجيش عملية عسكرية ضد الحركة في شمال وزيرستان بغية طرد الإرهابيين والمسلحين. 

وظهرت «طالبان باكستان» للمرة الأولى وفق بنائها التنظيمي الحالي في 14 ديسمبر 2007، لكن ملامح تشكلها بدأت منذ الغزو الأمريكي لأفغانستان في أكتوبر 2001، عبر تحركات لبعض المسلحين في منطقة القبائل بهدف محاربة العصابات والفساد، حيث تشكلت من 13 فصيلًا كانوا يتركزون في مناطق مختلفة شمال غربي باكستان، وينتمي معظم عناصرها إلى عرقية البشتون، وتتبنى توجهًا دينيًّا وتؤمن بالعمل المسلح.

الكلمات المفتاحية

"