يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

أدبيات «داعش» في استهداف المسيحيين

الإثنين 14/مايو/2018 - 09:52 م
المرجع
عبدالهادي ربيع
طباعة
«وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى»، آية تهدم كل المرتكزات الفكريَّة التي يقوم عليها تنظيم داعش، في استهدافه وقتله المسيحيين في الدول العربية، وفي جميع أنحاء العالم.

اعتاد التنظيم إفساد التفسيرات والتلاعب بها، مستغلًّا جهل أتباعه بالدين، وبثَّ في هذا الصدد إصدارات عدة، أبرزها المقطع المصور «حَتَّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ»، في 19 من أبريل 2015، الذي جاء تبريرًا لذبح 21 مسيحيًّا مصريًّا في ليبيا، وقدَّم الإصدار مبررات عدة واهية لقتل المسيحيين.

هدد التنظيم المسيحيين في دول العالم، خاصة بريطانيا وفرنسا وألمانيا، باستهدافهم أثناء احتفالات عيد الميلاد، من خلال تصاميم مصورة بثَّتها النوافذ الإعلامية التابعة للتنظيم، على وسائل التواصل الاجتماعي، ويظهر في إحداها «ذئب منفرد» وأمامه سانتا كلوز راكع ومقيد اليدين، وتحمل الصورة رسائل تهديدية معناها: «قريبًا في أعيادكم»، مترجمة إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية.

وتابع «داعش» بث إصدارات عدة للتهديد، خاصة للكنيستين المصرية والإثيوبية، وجاء ذلك في العدد الـ71 من جريدة النبأ الصادرة عن التنظيم، إلا أن العدد الـ77 من الجريدة الصادر في الـ20 من أبريل عام 2017 يعد أشهرها وأوسعها تفصيلًا؛ إذ خصصت المجلة 3 صفحات لنشر ادعاءاتها الشرعية، لعملياتها ضد المسيحيين في مصر والعالم، ووصفتهم بالمحاربين، بالمخالفة للإجماع الإسلامي، الذي يعتبرهم شركاء وطن، وأهل ذمة، وقد وصانا الإسلام بمعاملتهم الحسنة.

ادعاءات وردود 
وبفهمهم الخطأ للدين، يزعم التنظيم أن المسيحيين لم يعودوا أهل ذمة بل إنهم أصبحوا جميعًا مشركين محاربين، والأصل في دماء المشركين الإباحة، مستشهدًا بآية، لا يعرف معناها، هي: «فاقتلوا المشركين حيث ثقفتموهم»، ووقع التنظيم في هذه النقطة في أخطاء عدة دينية، أبرزها نقل المسيحيين من درجة أهل الكتاب إلى المشركين، لم يكن لديهم دليل شرعي واحد عليه؛ ما يدلل على أن التنظيم يحاول تبرير ممارساته، وفق أهوائه الشخصية دون تأصيل شرعي.

كما وقع التنظيم في خطأ تعميمه قاعدة جديدة مدَّعاة على الشرع الإسلامي، بأن الأصل في المشركين أن دماءهم مباحة، وهذه القاعدة الجديدة تخالف الشريعة الإسلامية، التي جاءت رحمة للعالمين، والتي تقسم المشركين في حال ثبوت شركهم وليس مجرد الادعاء، إلى ذِمِّي ومعاهد ومحارب، وغير ذلك من التصنيفات.

والخطأ الثالث، استدلاله بآية واحدة نزلت في حادثة معينة، وهي تشريع لهذه الحالة وما يماثلها وليست قاعدة عامة في التعامل مع كل فئات المشركين، كما أغفل التنظيم آيات أخرى تؤصل للإيفاء بالمعاهدات وللسلم ونشره على الأرض:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا».

وتابع التنظيم في ادعاءاته أن المسيحيين لا عصمة لدمائهم إلا بالإيمان أو دفع الجزية، وهذا الخطأ الذي وقع فيه التنظيم محسوم في الشريعة الإسلامية، وقُتل بحثًا خاصة في العصر الحديث، إذْ أصبح المسيحيون إلى جانب المسلمين في حمل أعباء الدولة الواحدة، فهذه المسألة تاريخية، كان يدفع الجزية الشباب القادر على العمل من المسيحيين، في مقابل تفرغهم للعمل، وعدم المشاركة في حروب الدولة والحماية العسكرية لأوطانهم، على سبيل المساهمة المادية في عملية الحماية، وكان يُعفى من الجزية كبار السن والعجزة والنساء والأطفال.

وتوسع التنظيم في مزاعمه «الشرعية»، في تأصيل لقاعدة جديدة لم تسمع بها المجامع الفقهية من قبل، إذْ زعم عبر الإصدار أنَّ مَن يقدر على حمل السلاح من المسيحيين، وإن لم يحمله يعامل معاملة المحارب، ويحل دمه، وهذه القاعدة تتصادم مع صريح الدين الإسلامي، الذي تنص أحد أشهر آياته، على أنه «لا تزر وازرة وزر أخرى».

وتعدى التنظيم مقاتلة المسيحيين إلى قتل الرهبان والقساوسة الذين ورد فيهم نص صريح بالكف عنهم، وعدم التعرض لهم وحمايتهم، مستنبطين قاعدة وهمية جديدة بالمخالفة للنصوص الصريحة التي تحرم التعرض للرهبان، من خلال استخدام قواعد المنطق؛ حيث يقول التنظيم في الإصدار: «كيف تؤخذ الجزية من العامة ويحاربون، ولا نقتل أو نأخذ الجزية من الرهبان وهم أرباب دينهم».

ويرى التنظيم أن الكنائس ليست لها حرمة في ذاتها، مدعين أن بيوت الله هي المساجد فقط، وأن الشرع أباح أراضي «المشركين» على حد قولهم، كما أباح السيطرة عليها، ومن ثم يحق لهم تهديمها أو فعل ما يحلو لهم فيها، وهذه القاعدة المُدَّعاة تخالف صريح القرآن الكريم القائل: «وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ».
"