يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«الإسلام الحضاري» بإندونيسيا.. حفاظ على الثوابت وتجديد في الوسائل

الإثنين 24/سبتمبر/2018 - 11:51 م
المرجع
إسلام محمد
طباعة

في عام 1945، أعلن الرئيس الإندونيسي أحمد سوكارنو، غداة استقلال بلاده، مبادئ «البانتشاسيلا»؛ لتكون عقيدة الدولة التي تجتمع عليها فئات الشعب كافة، متخليًا عن مشروع تطبيق الشريعة الإسلامية الذي طالبت به بعض القوى الوطنية، فيما عُرف آنذاك بـ«ميثاق جاكرتا»، وتضمنت الفلسفة الجديدة آنذاك خمسة مبادئ وهي: الإيمان بالإله، ووحدة إندونيسيا، والإنسانية العادلة والمتحضرة، والديمقراطية التي تقودها الحكمة، والعدالة الاجتماعية.

وقد لاقت «البانتشاسيلا» في البداية معارضة من بعض الجماعات الإسلامية كحزب التحرير وغيره، ورأوا فيها إضعافًا للهوية الإسلامية، لكن بمرور الوقت ضعفت المعارضة لها، وترسخت كأساس للوحدة الوطنية، وبعد إزاحة نظام «سوكارنو» (القريب من المعسكر الشرقي) بالقوة عام 1967، لاقت «البانتشاسيلا» قبولًا أكبر، وتم تسويقها بين أبناء الشعب الإندونيسي باعتبارها متفقة مع مبادئ الإسلام، كما لاقت تأييدًا من قادة أكبر الجماعات الإسلامية مثل جمعية نهضة العلماء وغيرها.

 

نعم للإسلام.. لا للسياسة

وظهر اتجاه تجديدي على يد المفكر «نور خالص ماجد»، الذي روَّج للأفكار الليبرالية، واشتهرت عنه مقولة: «نعم للإسلام.. لا للسياسة»، مؤكدًا أنه لا فرق بين جميع الأديان، سواء السماوية أو الوضعية، وأن جميعها تشترك في الدعوة إلى الفضيلة والخير، وأسس معهد «فرامادينا»، بهدف نشر ما أطلق عليه: «قيم الإسلام العالمية التي لا تتعارض مع المحلية».

 

وفي الوقت الذي قوبلت رؤى وأفكار «ماجد»، بالرفض من قبل زعماء إسلاميين على غرار أمين رئيس، زعيم الجمعية المحمدية، فقد لاقت قبولًا من غيرهم، وتم تأسيس الشبكة الليبرالية الإسلامية، التي تبنت مفهوم المزج بين الانتماء الإسلامي والفكر الليبرالي.

«الإسلام الحضاري»

اتحاد المثقفين المسلمين

وفي عام 1990 تبنى الدكتور بحر الدين حبيبي (الذراع اليمنى لثاني رؤساء أندونيسيا «سوهارتو»)، فكرة الإسلام الحضاري، وأسس في العام ذاته «اتحاد المثقفين المسلمين»، وهو تجمع لنخبة من الأكاديميين والعلماء والكفاءات من ذوي الاتجاه الديني، وركز على سبل النهوض بالمجتمع المسلم علميًّا واقتصاديًّا، وقاد مشروع التقدم الصناعي.


وفي عام 1998، تنازل «سوهارتو» عن منصب رئاسة إندونيسيا لـ«بحر الدين حبيبي»، واستمر الأخير على رأس السلطة عامًا واحدًا، ليخلفه «عبدالرحمن واحد»، رئيس جمعية نهضة العلماء، التي تتبنى مفهوم «إسلام نوسانتارا»، وهو نسخة متسامحة من الإسلام، تتبنى فكرة الإسلام الحضاري ولا تدعو لتطبيق أحكام الشريعة كالحدود وغيرها.


ومن جهته، أكد القيادي بجمعية نهضة العلماء الإندونيسية، علمان محمد عبدالحق، أن الليبرالية انتشرت في إندونيسيا إبان عقد الثمانينيات، على يد عدة مفكرين، أبرزهم «نور خالص ماجد»، ولاقت في التسعينيات رواجًا أكبر، وبرغم الرفض الشعبي الذي قوبلت به تلك الأفكار من قطاعات واسعة في المجتمع فإن تبني بعض الدعاة البارزين لها مثل «أولي الأبصار عبدالله»، وغيره؛ ما ساعد على نشرها، وإعطائها بعض القبول والترحيب.

 

وأضاف «عبدالحق»، في تصريحات خاصة لـ«المرجع»، أن الغرب ينظر إلى الشرق الأوسط باعتباره الممثل الوحيد للدين الإسلامي، ويتجاهل الكتلة البشرية الإسلامية الهائلة في جنوب شرق آسيا، ولذا فإن القادة المسلمين بإندونيسيا شرعوا في رسم ملامح النموذج الإسلامي الخاص بهم، والذي يتسم بالتسامح والتساهل، في محاولة لترويج نموذج ثقافي جديد يُمثل الإسلام، ويُمثل في الوقت نفسه واجهة حضارية مستقلة لمسلمي الأرخبيل أمام العالم.

 

وتابع القيادي بجمعية نهضة العلماء الإندونيسية، أن النموذجين المعروفين بـ«إسلام نوسانتارا» -تتبناه جمعية نهضة العلماء-و«الإسلام التقدمي» -تتبناه الجمعية المحمدية- يعكسان تلك الروح الإندونيسية في صياغة نموذج ديني جديد يُحافظ على الثوابت، ولكنه يجدد في الوسائل، فهذه مناهج دعوية الغرض منها إعطاء صورة إيجابية عن الإسلام في الخارج، والمحافظة على المنهج الوسطي، بلا تشدد أو تزمت، وأيضًا بلا فقدان للهوية أو الذوبان في طوفان العولمة الغربية، والتخلي عن ثوابت الإسلام.

 

وأشار «عبدالحق»، إلى أن أحداث 11 سبتمبر وما تلتها، عكست صورة سلبية عن الإسلام في العديد من دول العالم، وتركت تأثيرات عميقة، دعت العديد من الحركات الإسلامية إلى مراجعة دورها، وتجديد خطابها الدعوي.

"