يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«البانتشاسيلا».. مبادئ التلاحم الوطني في ميثاق جاكرتا

الأحد 24/يونيو/2018 - 08:49 م
المرجع
مصطفى صلاح
طباعة
عقب استقلالها عن اليابان 1945، أقرت إندونيسيا 5 مبادئ تُدعى «مبادئ البانتشاسيلا»؛ حيث تشكلت لجنة تُساعية من زعماء إسلاميين ووطنيين (علمانيين)، مهمتها وضع ميثاق جاكرتا، يتضمن تلك المبادئ، وأنجزت اللجنة «ميثاق جاكرتا» في العام ذاته؛ حيث تم التوقيع عليه في 22 يونيو 1945.

ووضعت مبادئ الميثاق لتُبين شكل الدولة الإندونيسية، وترسخ هويتها، التي تأرجحت طويلًا بين كفتي العلمانيين والإسلاميين.

بعد ذلك؛ شرعت اللجنة التُساعية في التحضير للدستور، بهيئة شكَّلها أول رئيس بعد الاستقلال أحمد سوكارنو (كان عضوًا في الهيئة التحضيرية)، بعد أن احتدم الخلاف بين القوى الإسلامية والوطنية (العلمانية)، كما يُقال عنهم، حول أساس الدولة، هل هو الإسلام؟ أو اللادينية؟ وعلى هذا اتخذتْ إندونيسيا شكل الدولة الوطنية الموحدة وفق هذه المبادئ.

موقف الإسلاميين من المبادئ
إن حالة التناغم التي تشاهدها داخل المجتمع الإندونيسي ما هي إلا انعكاس لتطبيق المبادئ الخمسة، التي رسخت هوية الدولة بعد الاستقلال، فليس من العجب أن ترى أناسًا يرتدون الزي الإسلامي، وفي الوقت ذاته قد تشاهد أشخاصًا يرتدون ملابس عصرية على الطراز الأوروبي، وتتمثل مبادئ البنتشاسيلا أو المبادئ الخمسة المتلاحمة في الآتي:
1 - الإيمان بالله الواحد الأحد (الربانية المتفردة).
2 - القومية (وتنادي بالوحدة الإندونيسية).
3 - الديمقراطية (أو الشعبية الموجهة بالحكمة في الشورى النيابية).
4 - الإنسانية العادلة المهذبة.
5 - العدالة الاجتماعية.
وهذه المبادئ في مجملها تعكس وجهة الدولة، ونظامها الذي هو قائم حتى الآن، وهي مقتبسة من فكر الزعيم الوطني «سون يات سن»، وهذه النتائج ترتب عليها الاعتراف بالنصرانية، التي تُمثل 5%، والأديان الوثنية مثل: البوذية، الهندوكية، وبقية الطوائف التي تُمثل مجتمعة 6%، بينما يُمثل الإسلام نحو 88% من عدد السكان؛ حيث أصبحت كل الأديان في حالة مساواة، كما أدخلت هذه المبادئ على العملية التعليمية والتربوية، لكن التساؤل هنا عن فكرة التداعيات التي أفرزتها تلك المبادئ على التيار الإسلامي هناك؟

لقد ارتأت الجماعات الإسلامية هناك أن هذه المبادئ ما هي إلا تكريس علماني، وارتأت أيضًا أن هذه المفاهيم المتمثلة في هذه المبادئ باتت تُشكل تحديًا أمام الوجود الإسلامي، خاصةً في ظل دولة يغلب على عدد سكانها الانتماء إلى الإسلام، فالربانية المتفردة تُمثل في وجهة نظرهم دعوة شركية، والقومية تجسيد لطمس هوية الدين الإسلامي، واستبدالها بمفاهيم تحت مسمى وطني.

كما فسرت هذه الجماعات الإسلامية حذف تطبيق الدين الإسلامي في البلاد، بمثابة إعلان صريح من الدولة بعدم الموافقة على مبدأ الثيوقراطية في الحكم، وترى الجماعات الإسلامية هناك أن تزايد عدد المعابد والكنائس بما يقارب عدد المساجد، ستكون له انعكاسات على مستقبل الدين الإسلامي، في ملاحظة منهم بتزايد أعداد الحملات التبشيرية؛ إذ تم تنصير الملايين من المسلمين في إندونيسيا.

الإسلاميون ضد الحكومة
ولعل أبرز المواجهات بين التيارات الإسلامية هناك، والحكومة الإندونيسية، كانت في العام 1973، وقامت على خلفية قيام الحكومة الإندونيسية بمنع التحاكم لقوانين الشريعة الإسلامية هناك، خاصةً في الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق، إلا أن المظاهرات الحاشدة أسقطت هذه القوانين.

ومع تزايد حدة التصادمات بينهم؛ أنشأ أحمد سوكارنو، الرئيس الإندونيسي السابق، وزارة الشؤون الدينية؛ لتكون بمثابة المرجع المعترف به من الدولة تجاه المسائل الدينية، ورفع راية هذه المبادئ فوق كل مؤسسات الدولة، حتى الدينية منها؛ لذلك فإن مواجهة هذه الأمور كانت صعبةً من جانب الجماعات الإسلامية، خاصةً أن الجيش هناك يشارك في الحكم؛ ما قد يدخلهم في صراعات مسلحة عنيفة.

ومع مرور الوقت؛ تزايد الخوف من توجه الجماعات الإسلامية، وتوغل الفكر المتطرف داخلها، خاصةً في المناطق المترامية الأطراف؛ إذ باتت إندونيسيا الآن تُشكل إسلامًا خاصًّا بهذه الجماعات، يستهدف تغيير الهوية الإندونيسية، المنبثقة عن هذه المبادئ.

ومن هذه الجماعات الجماعة الإسلامية، التي أسست على يد كل من «أبوبكر باعشير»، وعبدالله سنجكر، وتتمحور فكرتها الأم حول إقامة دولة إسلامية، تضم: ماليزيا، إندونيسيا، سلطنة بروناي، جنوب الفلبين، وجنوب تايلاند.

ومنتدى علماء المسلمين الذي تجمعه ارتباطات فكرية بحزب التحرير الإسلامي المتطرف، وجبهة الدفاع عن الإسلام التي تقوم بأعمال مسلحة تجاه الأقليات الدينية، والتي أسست على يد حبيب شهاب، وكان هدفها المحوري تطبيق الشريعة الإسلامية في إندونيسيا، ومساعدة الحركات الجهادية الأخرى.

وظهور هذه الجماعات لم يمتد فقط على الداخل الإندونيسي، بل إنها تسعى جاهدة إلى نشرها في المحيط الجغرافي الخارجي، فضلًا عن أن الجماعات الإسلامية في إندونيسيا تصر على تقنين الهوية الإسلامية كأساس للدولة، وهو ما تتجه لفعله الآن، خاصةً الجماعات الجهادية الحركية هناك.

وعلى جانب آخر؛ يرى عددٌ من الخبراء، مثل الباحث في المركز الدولي للإسلام والتعددية في إندونيسيا، إحسان علي فوزي، أن «البانتشاسيلا» تُعتبر حزمة مبادئ مفيدة وضرورية، يمكن أن تُعين على استدامة وحدة البلد، لكنهم يرون أيضًا أنه لا يمكن لدين معين أن يُشكل الأساس الدستوري للدولة، فالدين أمر مهم وأساسي، لكن الدولة نفسها لا تستطيع أن تأخذ طابعًا ثيوقراطيًّا؛ إذ إن هذه المبادئ تُشكل هويةً ثقافيةً محايدةً، تجمع كل الفروق الثقافية والدينية في بوتقة متجانسة.

الصراع الدائر في إندونيسيا على تطبيق هذه المبادئ، يتجدد بين الفينة والأخرى بين الحكومة الإندونيسية والتيارات الإسلامية، خاصة المتشددة منها؛ من أجل إعادة صياغة هذه المبادئ، بما يتناسب والهوية الإندونيسية -التي يغلب على عدد سكانها الإسلام- وإقامة دولة إسلامية، تحافظ على كينونتهم، كما يزعمون، ولعل تزايد أعداد الجماعات المسلحة هناك يهدد مدنية الدولة الإندونيسية؛ بسبب اعتبار هذه الجماعات لهذه المبادئ أنها رسخت المفاهيم العلمانية في البلاد.
"