يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

السلوكيات الأوروبية المسببة للإرهاب (1-2)

الإثنين 13/أغسطس/2018 - 11:15 ص
المرجع
أحمد سامي عبدالفتاح
طباعة

مقدمة

ارتبطت الأوضاع الأمنية في أوروبا بتطورات الأحداث في الشرق الأوسط، حيث أدى الفشل الوظيفي لبعض الدول الشرق الأوسطية إلى نشأة وتمدد التنظيمات المتطرفة مثل: داعش والنصرة ( الأخيرة غيرت اسمها لاحقا إلي فتح الشام، ثم تحرير الشام) قبل أن تعمد هذه التنظيمات إلى استقطاب المقاتلين من أوروبا (تشير بعض التقاير الأمنية إلى أن أعداد الأوروبيين الذين غادروا نحو سوريا والعراق من أجل الانضمام لداعش فقط بلغ قرابة 6000 مقاتل) .

السلوكيات الأوروبية

ولم تكتف التنظيمات المتطرفة باستقطاب المقاتلين من أوروبا، بل تجاوزت هذا الحد ونجحت في اختراق الخطوط الأمنية الأوروبية ونفذت عددًا من العمليات الإرهابية التي أودت بحياة المئات من الأبرياء (مثل تفجيرات باريس 2015 التي أودت بحياة ما يزيد على 130 شخصًا).

 

وما زاد من ريبة الأمر، هو قدرة التنظيمات المتطرفة على استهداف التماسك المجتمعي بين الأوروبيين، حيث من الملاحظ أن هذه التنظيمات نجحت نسبيا في تطويع صعود الأحزاب اليمينة المتطرفة (تتبنى خطابًا معاديًا للمسلمين) بما يخدم أهدافها العدوانية في أوروبا، فساعدها هذا الأمر على زيادة قدرتها التجنيدية للعناصر المتطرفة في أوروبا. ونستدل على هذا التطويع من خلال حجم العمليات الإرهابية التى ضربت في أوروبا في الفترة الأخيرة، خاصة أن منفذي العمليات كانوا من داخل أوروبا نفسها، ومثال ذلك تفجيرات بلجيكا 2016.

 

وبالتوازي مع نشاط التنظيمات المتطرفة، نجد أن عددًا من السلوكيات الأوروبية التمييزية (وفق أسس دينية وعرقية) ساهمت في تعميق الشعور بالعزلة والإستهداف لدي المسلمين، وبذلك خرجت هذه القوانين عن اطارها الردعي للظاهرة، وجاءت بأثر عكسي ساهم في تفاقمها وتدعيمها بشكل غير مباشر، ما أدى إلى حدوث خلل في فعالية فكرة التنوع الأوروبية. ولذلك تسعي هذه الدراسة للتطرق لطبيعة هذه السلوكيات، فضلا عن آليات مواجهتها.

السلوكيات الأوروبية

أولا: السلوكيات الأوروبية التي أدت إلى الإرهاب

يمكننا أن نقسم السلوكيات الأوروبية التي أدت إلى تفاقم ظاهرة الإرهاب إلى سلوكيات مؤسساتية رسمية جعلت المسلمين مستهدفين من المجتمع نفسه (بشكل غير مباشر تحت دعوى تدعيم العلمانية الأوروبية)، وأخرى شعبية غير رسمية.

 

ونقصد من ذلك أن أوروبا سنت عددًا من القوانين والإجراءات التعسفية (اعتقادًا منها بفعاليتها في مواجهة الظاهرة) لكن هذه الإجراءات لم تحقق ثمارها المرغوبة، بل جاءت بنتائج عكسية ساهمت في تعميق عزلة المسلمين، ما أدى إلى تراجع الشعور القومي لدي بعضهم، قبل أن يتجهوا لمهاجمة أوروبا. وبصفة عامة، يمكننا حصر هذه السلوكيات على النحو التالي:

(1) التميز الديني

يعد التميز الديني أحد الأسباب الفاعلة التي ساهمت في تنامي ظاهرة الإرهاب في أوروبا. فمن الملعوم أن أوروبا تتبني الليبرالية بكل تفرعاتها السياسية والاقتصادية كنظام حكم رئيسي، ما يعني أن حرية الفرد وحقه في ممارسة شعائره الدينية مصانة، على أن تفرض قيودًا على حرية الفرد في حالة إحداثها لأثر سلبي يتخطى في مداه صاحبه ليقع على غيره من الأفراد.

 

وبعبارة أخرى، تعتبر ممارسة الحرية في طبيعتها الأصولية، منذ نشأة الدولة بمفهومها الحديث، مقيدة (ليست مطلقة) لأنها في واقع الحال تخضع لقوانين بهدف تقنينها ومنع أية آثار سلبية قد تنجم عنها. هنا تكمن المشكلة لأن أوروبا لا تقوم بفرض قيود قانونية على حرية نقد الثوابت الدينية (رغم أضرارها البينية التي تقع على المسلمين)، بل على النقيض من ذلك، تعتبر أوروبا نقد الثوابت الدينية جزءًا من حرية التعبير التي تكفلها الديمقراطيات الأوروبية، ما يفتح الباب أمام المتعصبين الدينيين لمهاجمة غيرهم من المواطنين الأوروبيين الذين يعتنقون معتقدات دينية مخالفة لهم.

 

ويعد هذا الأمر منبعًا للضغينة التي تؤدي لاحقًا إلى حدوث وتنامي ظاهرة الإرهاب. وقد تحقق هذا الأمر مع حادثة شارلي ايبدو في 7 من يناير عام 2015، فرغم أن الاعتداء تم من قبل مسلحين متطرفين (منتمين إلى تنظيم القاعدة) على مدنيين عُزّل إلا أنه جاء كرد فعل على تعدي الصحيفة على النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). لذلك، لابد للحكومات الأوروبية أن تسارع في إصدار قوانين عقابية للحد من فكرة التطاول على الثوابت الدينية.

 

وفي مرحلة ما بعد حادثة شارلي ايبدو، اتخذت السلوكيات الرسمية الفرنسية مسارًا مناقضًا لما كان متوقعًا منها، حيث لم تسارع فرنسا إلى إصدار قانون لتقييد نقد الثوابت الدينية، بل نظمت الحكومة الفرنسية مسيرة أطلق عليها اسم «مسيرة باريس» في 11 يناير 2015 بهدف التنديد بالحادث الإرهابي. ونحن هنا لا ننتقد مثل هذا السلوك، ولكننا ننتقد الآثار التي ترتبت عليه، ولعل أههما هو التأكيد الضمني على أن نقد الثوبت الدينية تقع ضمن ممارسة الحرية الأوروبية ولا يمكن تقييدها.

 

وربما لم تطرح الحكومة الفرنسية فكرة تقييد نقد الثوابت الدينية اعتقادًا منها بأن إقدامها على فعل كهذا كان ليدفع الإرهابيين إلى تكثيف استخدامهم للقوة (من خلال العمليات الإرهابية) كوسيلة لإجبار الدولة الفرنسية على أفعال لا تتسق مع سياساتها الداخلية والخارجية، كما أن أمر كهذا كان ليظهر الحكومة الفرنسية التي اعتبرت نفسها في حالة حرب مع الإرهابيين بمظهر المنهزم. ونعني من ذلك، أن الصدمة الفرنسية قد منعتها من اتخاذا القرار الملائم بسبب تخوفها من رد الفعل الشعبي الذي كان (آنذاك) داعمًا للجريدة من منطلق دعم حرية التعبير وحرية الكتابة.

 

الأمر الآخر الذي لا بد من الإشارة إليه هو أن حرية نقد الثوابت الدينية تعتبر حرية تميّزية لفئة ضد أخرى، لأن الدين الإسلامي لا يجيز لأتباعه نقد الأنبياء والرسل بأي شكل، ما يعني أن القانون (نظريًا) قد أقر حق كل المواطنين في نقد الثوابت الدينية، لكن الممارسة الفعلية قد صبت في صالح طرف واحد وهو اليمين المتطرف (بالإضافة إلى المتعصبين الدينيين) ما فتح الباب لمهاجمة المسلمين، ومن ثم إشعارهم بأنهم مستهدفون دينيًا.

 

هنا يجب أن نشير إلي تجربة بعض الولايات الهندية في درء التوتر الديني بين المسلمين والهندوس، حيث تفرض 21 ولاية هندية من إجمالي 29 ولاية قيودًا على ذبح الأبقار، وذلك بسبب تقديسها من قبل الهندوس، رغم أن المسلمين يعتبرون أكلها أمرًا جائزًا. 


كما قامت ولاية «جوجارات» غربي الهند بفرض قانون يعرض ذابحي البقرة إلى السجن مدي الحياة. ونستنج من هذه الواقعة ضرورة إحداث توازن بين المكونات الدينية داخل المجتمع، بمعنى أن أمرًا ما قد يكون في غاية الأهمية بالنسبة لطائفة دينية (مثل منع ذبح البقر بالنسبة للهندوس) لكنه في ذات الوقت لا يحمل الأهمية نفسها بالنسبة للطوائف الأخرى (لأن المسلمين بإمكانهم أن يأكلوا أنواعًا أخرى من اللحوم غير البقر). لكن الأمر لو تُرك لكل طائفة دينية أن تفعل ما يحلو لها، ستنهار فكرة الدولة المدنية لصالح الدولة الدينية.

 

وعلى صعيد متصل، ساهم فرض بعض الدول الأوروبية قيودًا على ارتداء الحجاب في زيادة عزلة المسلمين عن مجتمعاتهم، حيث أصدرت محكمة العدل الأوروبية (أعلى محكمة أوروبية) قرارًا يحظر ارتداء أية ملابس دينية في أوقات العمل، ما يمنح أرباب العمل حق اتخاذ اجراءات قانونية ضد كل من يعارض هذا الأمر، بل إن المحكمة قد ذهبت إلى أبعد من ذلك، حيث اعتبرت هذا الأمر الزامًا وظيفيًّا لابد من تنفيذه.

 

ولو دقننا قليلًا في حقيقة الأمر، لوجدنا أن صيغة القانون قد جاءت بصيغة الشمول، لكن أثر القانون لم يتحقق إلا على النساء المسلمات كونهن الفئة الأكثر التزامًا دينيًّا، حيث تعتبر بعض النساء المسلمات الحجاب جزءًا لا يتجزأ من طبيعتهن المسلمة. 

بعبارة أخرى، تم إصدار القانون من أجل منع النساء المسلمات من ارتداء الحجاب، لكن القانون جاء بصيغة الشمول ليوحي بغير ذلك.

 

وفي سبيل تقنين قرار الحظر وشرعنته، أصدرت المحكمة الأوروبية في يوليو 2017 حكمًا تأييدًا لقرار الحكومة البلجيكية الذي حظر النقاب في يونيو 2011 (فرضت بلجيكا على المخالفين من النساء غرامة قدرها 1378 يورو أو فترة عقوبة قدرها 7 سنوات). وقد صدر هذا القرار بعد أن تقدمت بلجيكيتان مسلمتان ومغربية مسلمة بشكوى للمحكمة، كما أكدت المحكمة أن قانون حظر النقاب قد هدف إلى تحقيق سلامة المجتمع على غرار القانون الفرنسي الذي حظر النقاب رسميًّا في 2010.

 

ولم تقتصر سياسة التقييد على المؤسسات الرسمية، بل امتدت إلى الحياة العامة نفسها حيث قام عدد من البلديات الفرنسية، مثل كان ولوبيه، بحظر ارتداء البوركيني على الشواطئ (بعد أن قام داعش بتنفيذ عملية ارهابية في مدينة نيس في 14 يوليو). وقد دعم رئيس الحكومة الفرنسية، مانويل فالس، هذه القرارات، مبررًا ذلك بأن الشواطئ مكان عام، ولابد أن تكون خالية من كل المظاهر الدينية، وبذلك نجد أن حرية المسلمين في ارتداء ملابسهم الخاصة حتى في أماكن الترفيه تم تقييدها، بما يتعارض مع فكرة الحرية السائدة داخل أوروبا نفسها.

السلوكيات الأوروبية

(2) التميز الوظائفي المضاد

يعاني المسلمون تمييزًا وظائفيًا بشكل كبير في أوروبا، ما يوحي بعزلتهم شعبيا ومؤسسيا. ويتضح هذا التمييز بدرجة كبيرة من خلال التقرير الأخير الذي أصدره المركز الأوروبي لمراقبة العنصرية وكراهية الأجانب في 2017، حيث جاء فيه أن المسلمين يواجهون تمييزًا كبيرًا لأسباب دينية وعرقية، حيث أورد التقرير أن 39 % من المسلمين يواجهون نوعًا من التمييز المضاد.

 

وفي نفس السياق، أورد نفس التقرير أن 40 % من المسلمين تعرضوا للتميز المضاد عندما تقدموا للحصول على وظائف أو عندما حاولوا الإستفادة من الخدمات العامة، فضلا عن أن 47% من الرجال الذين تم توقيفهم كان بسبب ملابسهم ومظهرهم فقط. ولم يغفل التقرير عن التميز المضاد الذي يتعرض له المسلمون أثناء عملهم، حيث أورد التقرير أن 22% من المسلمين يتعرضون للتمييز المضاد أثناء العمل.

 

كما أشارت دراسة أكاديمية فرنسية نشرت في 2015 أن المتقدم للوظيفة اذا كان مسلمًا عليه أن يقوم بتقديم 70 سيرة ذاتية كي يتم دعوته لأي مقابلة عمل، وذلك مقابل 4 سيرات ذاتية لباقي المواطنين، و7 سيرات ذاتية إذا كان المواطن يهوديًّا، وذلك في حالة تساوي المؤهلات العلمية والأكاديمية لكل منهم.

 

وفي بريطانيا، أشارت دراسة أكاديمية (أجراها أكاديميون من جامعة بريستول في 2014 اعتمادًا على الأرقام الصادرة من مكتب الإحصائيات القومية للقوى العاملة) أن المسلمين يعتبرون المجموعة الأكثر مواجهة للتميز المعاكس بالمقارنة بباقي الأقليات في انجلترا، حيث جاء فيها أن 76% من الرجال المسلمين يواجهون فرصًا أقل في الحصول على وظيفة بعد تقدمهم إليها بالمقارنة مع البريطانيين البيض، بينما تواجه 65% من النساء المسلمات تميزًا مضادًا في حالة تقدمهن من أجل الحصول على وظائف، وذلك في حالة تساوت المؤهلات بينهم جميعًا.

 

ويعد التميز المضاد في الجوانب الوظائفية عاملًا في دفع بعض الأفراد نحو التطرف، كما يعد مؤشرًا على فشل سياسة الاحتواء الحكومية المبنية بالأساس على الدمج المجتمعي لمواطنين وفق أسس العدالة والمساواة. علاوة على ذلك، يحمل التميز الوظائفي المضاد تداعيات سلبية على التماسك البنيوي للمكونات الشعبية، فضلا عن انعكاساته السلبية على التناغم الثقافي داخل المجتمع نفسه.

 

هوامش

 

Ashley Kirk، Iraq and Syria: how many foreign fighters are fighting for isis، The Telegraph، https:www.telegraph.co.uknews20160329iraq-and-syria-how-many-foreign-fighters-are-fighting-for-isil

 

موقع اليوم 24، ذبح بقرة يقود إلى السجن مدي الحياة في إحدى ولايات الهند،  http:www.alyaoum24.com855405.html

مرجع سابق.

بي بي سي عربي، محكمة العدل الأوروبية تؤيد منع ارتداء الرموز والألبسة الدينية بما فيها الحجاب في أماكن العمل، http:www.bbc.comarabicworld-39265024

العربي الجديد، ما هي دول العالم التي تمنع النقاب والحجاب، https:www.alaraby.co.ukentertainment201679%D9%85%D8%A7-%D9%87%D9%8A-%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D8%AA%D9%85%D9%86%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AC%D8%A7%D8%A8

الشرق الأوسط، المحكمة الأوروبية تؤيد حظر النقاب في بلجيكا، https:aawsat.comhomearticle972586%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%A4%D9%8A%D8%AF-%D8%AD%D8%B8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D8%A8%D9%84%D8%AC%D9%8A%D9%83%D8%A7

 

دويتشه فيله، البوركيني يثير انقساما بين ساسة أوروبا ويلهب أسواقها، http:www.dw.comar%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%88%D8%B1%D9%83%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D9%8A%D8%AB%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%86%D9%82%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%B3%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D9%8A%D9%8F%D9%84%D9%87%D8%A8-%D8%A3%D8%B3%D9%88%D8%A7%D9%82%D9%87%D8%A7a-19481012

European Union agency for Fundamental rights، Second European union minorities and discrimination survey، http:fra.europa.eusitesdefaultfilesfra_uploadsfra-2017-eu-minorities-survey-muslims-selected-findings_en.pdf

 

Roger Dobson، British Muslims face worst Job discrimination of any minority group، according to research، https:www.independent.co.uknewsukhome-newsbritish-muslims-face-worst-job-discrimination-of-any-minority-group-9893211.html

"