يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

الأزمة الدبلوماسية بين السعودية وكندا.. الأسباب والتداعيات

الإثنين 13/أغسطس/2018 - 11:48 ص
المرجع
نهال أحمد
طباعة

تشهد العلاقات بين الرياض و«أوتاوا» توترات بالغة، جاءت على خلفية التصريحات الصادرة عن الخارجية الكندية بشأن أوضاع النشطاء الحقوقيين في المملكة، وهو ما لاقَى رد فعل سعودي صارمًا، حيث استدعت الخارجية السعودية في الأحد 5 من أغسطس 2018، سفيرها لدى كندا للتشاور، كما أبلغت السفير الكندي لديها بأنه شخص غير مرغوب فيه، وأمهلته 24 ساعة لمغادرة البلاد.

 

ومن هنا يثار تساؤل بشأن تداعيات تلك الأزمة على علاقة البلدين؟ وهل ستكون انعكاساتها محدودة المدى، أم ستلقي بظلالها بعيدًا على مستقبل العلاقة بين الدولتين؟

الأزمة الدبلوماسية

طبيعة الأزمة

رغم أن السياسة الخارجية السعودية تتسم على مدار العقود الماضية بالهدوء الشديد، لكن الأمر حينما يرتبط بسيادة الدولة، يصبح الهدوء عديم الجدوى، بل من مهددات استقرار الأوضاع العامة. وكان ذلك هو المرتكز الرئيسي الذي انبثق منه رد الفعل السعودي الصارم حيال المطالبات الكندية بالإفراج عن بعض النشطاء الحقوقيين.

 

وجاء رد الفعل السعودي، عقب أن أصدرت الخارجية الكندية بيانًا في الخامس من الشهر الجاري، أعربت فيه عن قلقها إزاء الاعتقالات التي ترى أن النشطاء الحقوقيين بالمملكة يتعرضون لها، مستشهدة على ذلك بحالة «سمر بدوي» شقيقة الناشط المعتقل «رائف بدوي»، التي ألقي القبض عليها خلال فترة قريبة، مطالبة في الوقت ذاته السلطات السعودية بوقف حملات الاعتقالات والإفراج عن المعتقلين الحاليين.

 

وقد كان رد المملكة على هذا البيان حاسمًا إلى أقصى الحدود، حيث احتجت السعودية على هذا البيان، معتبرة إياه بمثابة تدخلات مباشرة في الشأن السعودي. وقد بلورت المملكة موقفها في بيان صادر عن وزارة خارجيتها تضمن استهجانًا للموقف الكندي، الذي اعتبرته مؤسفًا لما ورد فيه من عبارة «الإفراج فورًا»، حيث ترى أنه أمر غير مقبول في العلاقات بين الدول، كما يعتبر بمثابة ادعاءات باطلة لا تستند إلى حقائق أو معلومات دقيقة، مشددة في الوقت ذاته على أن إيقاف المذكورين يخضع للأنظمة القضائية السعودية التي كفلت حقوقهم، إلى جانب أنه يتم من قبل الجهة المختصة، وهي النيابة العامة، ولا يجوز لأحد التدخل في مسار التحقيقات سوى الجهات السيادية داخل المملكة المنوط بها ذلك.


 وشدد البيان أيضًا على رفض المملكة التام لمحاولات فرض أي إملاءات أو قيود عليها من الخارج، أو حتى التدخل في علاقتها بمواطنيها، مهددة في الوقت ذاته بأن أي محاولة أخرى في هذا السياق ستكون بمثابة رخصة للتدخل في الشؤون الداخلية الكندية(1) .

وزير خارجية السعودية،
وزير خارجية السعودية، عادل الجبير

محاولات كندية لطلب الوساطة

وعلى الجانب الآخر؛ كشفت الحكومة الكندية عن قلقها إزاء التصعيد السعودي الأخير، وأيضًا عن قيامها بإجراء اتصالات مع السعودية لتوضيح الأمر. فيما كشفت مصادر مطلعة، أن كندا طلبت وساطة إماراتية وبريطانية لنزع فتيل الأزمة الراهنة، بينما رفضت الرياض واستبعدت أي وساطة لحل الخلاف الدبلوماسي، مؤكدة أنها تدرس المزيد من الإجراءات ضد «أوتاوا»، بينما شدد وزير خارجيتها عادل الجبير، على أن «كندا ارتكبت خطأ كبير وأن هذا الخطأ لابد أن يتم تصحيحه، مضيفًا أن المملكة تنوي اتخاذ مزيد من الإجراءات خلال الفترة المقبلة تجاه كندا»، فيما نأت كل من واشنطن وبروكسل عن الأزمة واكتفيتا بمطالبة الطرفين بحل الخلاف بينهما(2) .

وزير الدولة للشؤون
وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش

التفاف عربي وحياد دولي

وقد كانت ردود الفعل العربية والدولية لافتة بشكل كبير، حيث أعلنت معظم الدول العربية، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة تأييدها للإجراءات التي اتخذتها الرياض، وذلك على لسان وزير الدولة للشؤون الخارجية «أنور قرقاش» في تغريدة له أكد فيها أن قوانين الدول الداخلية غير قابلة للضغط أو المساومة، كما أعلنت مصر والبحرين والجزائر وموريتانيا أيضًا تأييدها الشديد للموقف السعودي ورفضها التام لأي تدخلات خارجية في الشؤون الداخلية للدول.

 

وقد كان الموقف الأمريكي أكثر ريبة، حيث نأت واشنطن بنفسها عن التدخل في الأزمة، وهو ما جاء في تصريحات المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية «هيذر ناورت»، التي أكدت ضرورة أن يحل الجانبان الأزمة بنفسهما دون وسيط خارجي. ويعود موقف واشنطن غير الحاسم إلى جذور العلاقات المتوترة بين كل من رئيس الوزراء الكندي «جاستن ترودو» والرئيس الأمريكي «دونالد ترامب».

 

ولكن الأكثر دهشة كان موقف فرنسا وألمانيا، حيث لم يصدر عن الدولتين أي تصريحات بشأن الأزمة، وربما يرجع ذلك إلى الخلافات بين الدولتين، والسعودية بشأن الملف ذاته في فترة سابقة. كما كان موقف ممثلة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي "فريديريكا موجيريني" غير حاسم هو الآخر، حيث أعلنت في بيان لها أن الأعراف الدبلوماسية تقتضي عدم التعليق على مسار العلاقات الثنائية بين الدول نظرًا لكونه شأنًا داخليًا خاصًا(3) .

الأمير محمد بن سلمان
الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز

الوضع القانوني

وبالحديث عن الإطار القانوني للموقف السعودي نجده يستند إلى حجج تتعلق بالقوانين والأعراف الدولية التي ترتكز على مبدأ سيادة الدول وعدم جواز التدخل في شؤونها الداخلية، ويرى محللون أن رد الرياض الصارم يعكس حساسية المرحلة الراهنة بما تواجهه من تحديات خطيرة، بدءًا من الإصلاحات الداخلية التي يسعى ولي العهد السعودي الأمير «محمد بن سلمان» لتفعيلها، مرورًا بالتهديدات الأمنية سواء الداخلية أو الإقليمية التي تواجهها المملكة. وقد كانت هذه التحديات من ضمن الدوافع الرئيسية التي لا تتح أي فرصة للتفاوض أو حتى التجاوز بشأن أي مواقف يمكن أن تضر بثقل المملكة ومكانتها الإقليمية.

الأزمة الدبلوماسية

تداعيات الأزمة الدبلوماسية ( عسكريًّا واقتصاديًّا)

تتواصل تداعيات الأزمة الدبلوماسية ما بين الرياض و«أوتاوا»، ولكن قبل التطرق إلى سرد أبرز التداعيات السياسية والاقتصادية، ينبغي توضيح حجم التبادل التجاري والاستثمارات المتبادلة بين الطرفين. فطبقًا لمؤسسات إحصائية سعودية يصل التبادل التجاري بين الدولتين إلى قرابة 4 مليارات دولار، ومن ثم يصبح القرار السعودي بتجميد العلاقات التجارية والاستثمارية بمثابة تهديد خطير لواقع الاقتصاد الكندي.


 وبالحديث عن تداعيات الأزمة نجد غلبة التأثير الاقتصادي، بل وتأثر الطرف الكندي بشكل كبير لاسيما في ظل حجم العلاقات الاقتصادية المتنامية بين الطرفين. ويستدل على هذا التراجع من بيان شركة «جنرال دايناميكس لاند سيستمز» الكندية عقب قرار الرياض بتجميد العلاقات التجارية، والتي أوضحت فيه أن قرار المملكة بتجميد العلاقات التجارية أثر بالسلب على صفقة بيع 928 مركبة عسكرية مدرعة كان يتم تصنيعها بالسعودية تقدر قيمتها بنحو 15 مليار دولار، ما سيسفر عن خسائر أخرى تشمل فقدان ما يقارب من 2500 موظف لوظائفهم على خلفية تجميد الصفقة.

 

كما قررت وزارة التعليم السعودية إيقاف البعثات العلمية وبرامج التدريب والزمالة إلى كندا، إلى جانب وضع خطط لإعادة المبتعثين وتهيئة فرص لهم في بلدان أخرى، ومن ناحية أخرى قررت الخطوط الجوية السعودية إيقاف رحلاتها الجوية إلى تورنتو الكندية(4) .

 

واستكمالًا للإجراءات التي اتخذتها المملكة، فقد قررت الملحقية الصحية السعودية بكندا وقف برامج علاج المرضى السعوديين هناك ونقلهم إلى مستشفيات أخرى، بينما أمرت المملكة 15 مواطنًا سعوديًّا بمغادرة البلاد، في حين أفادت مصادر مطلعة بأن «المؤسسة العامة للحبوب السعودية» قامت بإبلاغ مصدري الحبوب بتوقفها عن شراء القمح والشعير الكنديين في مناقصاتها العالمية. في حين كشفت صحيفة «فاينانشيال تايمز» بأن البنك المركزي السعودي وجه تعليماته الصارمة لمديري أصوله في الخارج بالتخلص من الأسهم والسندات الكندية مهما كانت قيمتها، ما يعكس مؤشرًا خطيرًا للمسار الذي تنتهجه الأزمة الحالية بين الجانبين(5) .

 

وختامًا؛ فمن المتوقع أن تستمر تداعيات الأزمة الراهنة، لاسيما على المستويين العسكري والاقتصادي، بينما تعكس المؤشرات الحالية، وكذلك مسار التصريحات الصادرة عن مسئولي الجانبين، بأن الأزمة في طريقها نحو مزيد من التصعيد خلال الأيام المقبلة. 

ومن ثم فعلى الجانبين وضع قراءة مستقبلية لتداعيات الخسائر جراء تلك التوترات، ومحاولة تفعيل قدر من المرونة في التعامل مع الأزمة   الحالية، لتجاوز انعكاساتها شديدة الخطورة على مستقبل وآفاق التعاون بين الطرفين.

 

المراجع:

(1)كندا متمسكة بموقفها في "الدفاع عن حقوق الإنسان" في السعودية، هيئة الإذاعة البريطانية،682018، متاح على الرابط: http:v.htUbSh

(2) أول تعليق من كندا على الأزمة مع السعودية، موقع سبوتنيك بالعربي، 682018، متاح على الرابط: http:v.htU2WH

(3) أزمة ديبلوماسية غير مسبوقة بين السعودية وكندا بسبب حقوق الإنسان، دويتشه فيله،682018، متاح على الرابط: http:v.ht4oQJ0

(4)الخطوط السعودية تلغي رحلات من وإلى كندا، سكاي نيوز،682018، متاح على الرابط: http:v.hteVyk

(5)السعودية تدرس 'مزيدا من الإجراءات' ضد كندا، قناة الحرة، 882018، متاح على الرابط: http:v.htMn7n

"