يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

مملكة التحديات الدبلوماسية.. الوساطة السعودية بين أفغانستان وطالبان

الثلاثاء 26/يونيو/2018 - 11:02 م
المرجع
حامد المسلمي
طباعة
وجَّه سيد جلال كريم، السفير الأفغاني لدى المملكة العربية السعودية، دعوة لحكومة الرياض، ناشد فيها حكام المملكة بلعب دور الوسيط بين حكومة بلاده وحركة طالبان في تسوية الأزمة القائمة بين الطرفين منذ ما يقارب 17 عامًا، تحديدًا منذ أن أطاحت الولايات المتحدة الأمريكية بحكم حركة طالبان الإرهابية إبان أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وما أعقبه من أحداث أدَّت إلى الاجتياح الأمريكي للأراضي الأفغانية، وإعلانها الحرب ضد الإرهاب وجماعاته وحركاته وتنظيماته حول العالم.
مملكة التحديات الدبلوماسية..
وأعرب السفير الأفغاني لدى المملكة السعودية، عن رغبته في أن تشهد الأراضي السعودية حصول المصالحة بين حكومة كابل وحركة طالبان، وأن تكتب بنودها ووثائقها برعاية الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز خادم الحرمين الشريفين.

السعودية وطالبان.. علاقة قديمة
شاركت السعودية ودول عربية وغربية الشعب الأفغاني فيما سُمي «الجهاد الأفغاني» ضد التدخل السوفييتي (1979-1989) حتى انتهى بالخروج السوفييتي الكامل من الأراضي الأفغانية عام 1989، ثم اندلعت الحرب الأهلية بين الفصائل الأفغانية، انتهت بسيطرة حركة طالبان -التي تشكلت إبان الحرب ضد القوات السوفييتية، وبزغ نجمها عام 1994- على الحكم عام 1996، حتى سقوطها على يد القوات الأمريكية والتحالف الدولي 2001، وكانت السعودية إحدى دول ثلاث اعترفت بحكومة طالبان بجانب دولة الإمارات العربية المتحدة، وجمهورية باكستان الإسلامية.

حاولت السعودية إثناء حركة طالبان عن إيواء الإرهابيين من تنظيم القاعدة، ومع فشلها وفشل الإمارات في إقناعها أعلنت الدولتان (السعودية والإمارات) تقليص التمثيل الدبلوماسي مع حكومة طالبان في 1998، وفي سبتمبر 2001 أعلنت الدولتان قطع العلاقات الدبلوماسية مع حكومة طالبان.

وهذه ليست المرة الأولى التي تطلب فيها الحكومة الأفغانية من الرياض الوساطة بينها وبين حركة طالبان؛ لتسوية الأزمة الأفغانية القائمة لفترة تجاوزت 16 عامًا؛ حيث طلب الرئيس الأفغاني السابق «حامد كرازي» من المملكة العربية السعودية الوساطة لحلحلة الأزمة الأفغانية في عام 2008، كما طالب الرئيس الأفغاني الحالي أشرف غني في عام 2015 من المملكة بالتوسط مرة أخرى لحلحلة الأزمة.

وفي أكتوبر 2016، أكد الدكتور عبدالله عبدالله الرئيس التنفيذي للحكومة الأفغانية أهمية «الجهود الدبلوماسية السعودية» بالنسبة لبلاده، معربًا عن أمله في أن يكون للسعودية دور في عملية المصالحة مع حركة طالبان في حال ابتعاد الأخيرة عن الإرهاب والتطرف. 

إضافة إلى ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية في مارس 2018، أن السعودية وافقت على «لعب دور» في إطلاق مفاوضات جديدة بين الحكومة الأفغانية وطالبان كجزء من استراتيجية تقودها الولايات المتحدة للتوصل إلى حلٍّ سياسي للحرب الأمريكية الأطول -حسب وصف الصحيفة.

بينما تأتي هذه المرة الوساطة في ظروف مغايرة، وهي قبول حركة طالبان وللمرة الأولى -منذ سقوطها عام 2001- للهدنة مع الحكومة الأفغانية في عطلة عيد الفطر السابق، ولمدة 3 أيام من 15 يونيو إلى 17 يونيو الحالي، وكان الرئيس الأفغاني أشرف غني قد أعلن في وقت سابق عن هدنة لمدة 8 أيام مع حركة طالبان (وتستثنى الحركات الإرهابية مثل «داعش»، والتي ستستمر الحكومة في قتالها) تبدأ في يوم 12 يونيو وتستمر حتى 20 يونيو الحالي، إلا أن الهدنة كما عرضتها الحكومة الأفغانية لم تلقَ القبول الكامل من حركة طالبان، التي وافقت فقط على 3 أيام بمناسبة عيد الفطر المبارك.
مملكة التحديات الدبلوماسية..
السعودية.. مملكة التحديات الدبلوماسية
في إطار الوساطة السعودية بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان، تحركت المملكة مدفوعة بعدد من المتغيرات السياسية، إضافة إلى إمكانيات المملكة المادية والروحية، كما تواجهها مجموعة من التحديات.

أولًا- إمكانيات السعودية في الوساطة
- للمملكة العربية السعودية ثقل في المنطقة بشكل عام، وفي العالم الإسلامي بشكل خاص؛ لما لها من مكانة روحية في العالم الإسلامي، كما أن السعودية كانت من الدول الثلاث التي اعترفت بحكومة طالبان، وهو ما يُضيف لرصيد المملكة في التدخل للوساطة بين الحكومة الحالية وحركة طالبان.

- الموقف السعودي من محاربة الإرهاب، خاصةً مع صعود ولي العهد محمد بن سلمان والسياسات السعودية الجديدة التي تبناها في إطار تجديد الخطاب الديني في المملكة للعمل على مكافحة التطرف والإرهاب، وإنهاء الأزمات التي تُعاني منها المنطقة، كما أن الموقف المشترك بين الحكومة السعودية والحكومة الأفغانية وحركة طالبان ضد تنظيم داعش -الذي يهدد منطقة الشرق الأوسط، كما يهدد الحكومة الأفغانية وينازع حركة طالبان الهيمنة في أفغانستان- يُعد أرضية مشتركة مهمة يمكن البناء عليها في المفاوضات.

- فما تملكه السعودية من دعم دولي وعربي في هذا الملف، يمنحها الأفضلية في بناء علاقات جيدة مع الفاعلين الدوليين في الملف الأفغاني بداية من الولايات المتحدة الأمريكية وباكستان وروسيا، وكل دول الجوار الأفغاني باستثناء إيران، والأخيرة يمكنها التعاون في هذا الملف، خاصةً لتخوفها من انتشار تنظيم داعش في أفغانستان، وموقف هذا التنظيم السلبي من إيران والشيعة بشكل عام، كما أنه حسب التصريحات الأمريكية التي دعمت الوساطة السعودية في الملف الأفغاني، إضافة إلى أنه في يوم 20 يونيو 2018 أكدت أليس ويلز نائبة مساعد وزير الخارجية الأمريكية على دور إيران في إقرار الاستقرار والسلام في أفغانستان.

وللسعودية ثقل مادي كبير لا يُغفل، ومن ثم يُمكنها أن تعمل على الترغيب عبر المساعدات المادية المشروطة، التي تُساعد أي حكومة ائتلافية في أفغانستان تنتج عن الاتفاق بين الحكومة الحالية وحركة طالبان.

ثانيًا- معوقات الوساطة السعودية
- منذ نهاية تسعينيات القرن العشرين والمملكة العربية السعودية اتخذت موقف الرافض والمناهض من تنظيم القاعدة منذ أواخر التسعينيات، وحاولت السعودية دفع حركة طالبان لتبني موقف مماثل من التنظيم، إلا أن الفشل الذي مُنِيَت به المساعي السعودية في إقناع طالبان بالتخلي عن دعمها لتنظيم القاعدة، وتوفير الملاذ الآمن لعناصر التنظيم، زاد الأمر تعقيدًا.

وإلى الآن يتسم موقف حركة طالبان من القاعدة بالميوعة؛ إذ لم تحدد الحركة موقفًا رسميًّا منه في حالة المفاوضات، وتبقى هذه العلاقة «المائعة» بين الحركة والتنظيم من أكبر المعوقات التي تُواجه أي مفاوضات محتملة بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان؛ لتحظى بالقبول الدولي والإقليمي.

- كما أن طموح حركة طالبان في الحسم العسكري وإنهاء السيطرة الكاملة على أفغانستان قُبيل البدء في المفاوضات من جانب، واشتراطها أن تكون المفاوضات بشكل مباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ لأن طالبان ترى الحكومة الأفغانية «دمية» في يد أمريكا، وأن أمريكا هي الفاعل الحقيقي في أفغانستان، وهذا يُمكن أن يُضعف من الوساطة السعودية لتسوية الأزمة.

ختامًا.. تُعدُّ المملكة العربية السعودية، مؤهلة للعب دور تاريخي في تسوية الأزمة الأفغانية الممتدة منذ عقود؛ لما لها من علاقات تاريخية مع حركة طالبان، وعلاقات جيدة مع الحكومة الأفغانية، ومع القوى الدولية والإقليمية الفاعلة، ويأتي ذلك وفق الرؤية الجديدة للملك سلمان بن عبدالعزيز، خادم الحرمين الشريفين، وتوجهات التحديث للأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، إضافة إلى إمكانياتها السياسية والمادية ومكانتها الروحية عند العالم الإسلامي.
"