يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

التصعيدات الأمريكية الإيرانية.. والنموذج الكوري الشمالي

الخميس 02/أغسطس/2018 - 10:08 ص
أمريكا وإيران وكوريا
أمريكا وإيران وكوريا الشمالية
علي عاطف حسان
طباعة
شهدت التطورات الأخيرة في العلاقات الأمريكية الإيرانية تحولات بارزة منذ أن أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني (خلال زيارته الأخيرة إلى أوروبا)، عن تهديدات بإعاقة حركة ممرات مائية، حيث باتت التصعيدات تظهر واحدة تلو الأخرى (سواء من جانب واشنطن أو طهران)؛ إلا أنه وفي كل حال تشير تصريحات العديد من المسؤولين الأمريكيين إلى أن الولايات المتحدة لا تنوي استخدام القوة العسكرية ضد النظام الإيراني.


الرئيس الأمريكي دونالد
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
ومن ناحية أخرى، يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسير في سياسته الخارجية ضد خصومه من الدول على نهج متماثل إلى حد ما، ويمكن لنا أن نرى ذلك التماثل (الذي بالطبع لن يكون كاملًا لاختلاف طبيعة كل دولة في العديد من النواحي)، في التطورات الأمريكية الأخيرة إزاء إيران انطلاقًا من التجربة الأخيرة مع كوريا الشمالية.

وعليه، سنحاول فيما يلي مناقشة مستقبل العلاقات «الأمريكية - الإيرانية» خلال الأشهر أو السنوات القادمة، من خلال ما يمكن ملاحظته من سياسات اتخذها «ترامب» تجاه كوريا الشمالية، حيث إن هناك دلائل تشير إلى إمكان حدوث تكرار مستقبلي، ولو جزئيًّا، ما بين التعاطي الأمريكي مع إيران كما حدث مع كوريا الشمالية. وهنا، ينبغي للتعرف على هذه التجربة المرور على تطوراتها وتحولاتها:

 الرئيس الأسبق جيمي
الرئيس الأسبق جيمي كارتر
النموذج الكوري الشمالي في ظل إدارات أمريكية متعاقبة: 
شهدت العلاقات «الأمريكية - الكورية الشمالية»، منذ خمسينيات القرن الماضي ومع انتهاء الحرب الكورية توترات مستمرة، حيث إنه ومنذ أن اقتحمت كوريا الشمالية الحدود مع الجنوب عام 1950، سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى إخراج القوات الكورية الشمالية من «سول»، وتم توقيع هدنة في عام 1953، وفرضت الولايات المتحدة لاحقًا عقوبات على «بيونج يانج». 

وخلال السنوات التالية، شهدت العلاقات «الأمريكية - الكورية الشمالية» تطورات خطيرة؛ فعلى سبيل المثال، احتجزت كوريا الشمالية سفينة أمريكية كان على متنها حوالي 83 أمريكيًا، وقالت «بيونج يانج» إن السفينة انتهكت مياهها الإقليمية، وظلت العلاقات ما بين الدولتين على هذا المنوال وحتى نهايات القرن الماضي.

وفي عام 1994، حاولت الولايات المتحدة الأمريكية حلحلة الأزمة مع كوريا الشمالية، وقام الرئيس الأسبق جيمي كارتر بزيارة تاريخية إلى كوريا الشمالية، وقعت في أعقابها البلدان اتفاقًا مشتركًا تعهدت بموجبه «بيونج يانج» بتفكيك برنامجها النووي، وظلت التطورات الإيجابية مخيمة على المشهد السياسي ما بين الدولتين، حيث قام الزعيم الكوري الشمالي آنذاك «كيم جونج إيل» بإصدار قرارات بتجميد تجارب البلاد الصاروخية.
«بوش الإبن»
«بوش الإبن»
ولم تستمر هذه التطورات الإيجابية في العلاقات «الأمريكية - الكورية الشمالية» طويلًا، وذلك بعد مجيء الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش الإبن، إلى سدة الحكم بعد انتخابه رئيسًا للولايات المتحدة عام 2000، حيث تصاعدت التوترات بشكل كبير بين الجانبين. 

وقام «بوش الابن»، بوضع كوريا الشمالية على محور دول الشر، التي شملت كذلك إيران والعراق ولاحقًا سوريا. وهنا، وصلت العلاقات إلى مرحلة ما قبل العقد الأخير من القرن الماضي، حيث وجهت الإدارة الأمريكية الجديدة اتهامات إلى «بيونج يانج» بامتلاك أسلحة نووية.

ووصلت العلاقات إلى طريق مسدود في عام 2004، وذلك حينما قالت «بيونج يانج» إن الدخول في مفاوضات مع واشنطن بات أمرًا مستحيلًا. واستمرت العلاقات متوترة على هذا الشكل خلال فترة حكم الرئيس الأسبق بوش.
أوباما
أوباما
ومع قدوم الرئيس الأمريكي الجديد، باراك أوباما، إلى الحكم عام 2008، لم تنته التوترات، إلا أنها خفت نسبيًا مقارنة بسابقه «بوش»، حيث اتبع «أوباما» (الرئيس الأمريكي الجديد، آنذاك)، ما أطلق عليها سياسة «الصبر الاستراتيجي»، حيال كوريا الشمالية، وحاولت إدارة أوباما أن تفتح طريقًا جديدًا للحوار مع كوريا الشمالية.

وتحت وطأة الظروف الاقتصادية الصعبة والمجاعة التي ضربت كوريا الشمالية في عام 2012 (قالت بعض التقارير لاحقًا إنها أدت إلى وفاة آلاف الأشخاص)، حاولت «بيونج يانج» آنذاك، المساومة على الغذاء مقابل وقف برنامجها للأسلحة النووية.(1) وعلى الرغم من ذلك، لم تتوقف كوريا الشمالية عن إطلاق المزيد من التجارب الصاروخية والاستمرار في برنامجها النووي.

 ترامب وزعيم كوريا
ترامب وزعيم كوريا الشمالية
ماذا تحمل جعبة ترامب إزاء التعامل مع كوريا الشمالية؟
تغيرت السياسة الأمريكية تجاه كوريا الشمالية بعد تولّي الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، الرئاسة عام 2017. حيث حاول الرئيس الأمريكي الجديد الخروج من الطريقة التقليدية الأمريكية في التعامل مع الملف الكوري الشمالي، وانتقد «ترامب» بشدة طريقة تعامل سلفه، «أوباما»، مع الملف الكوري الشمالي، أو ما أطلق عليه «الصبر الاستراتيجي»، كما سبق ذكره.

وبدأ «ترامب»، باستخدام سياسة العقوبات والتهديد القصوى مع كوريا الشمالية في بداية عهده منذ عام 2017؛ ففرض مزيدًا من العقوبات على «بيونج يانج»، وهدد بمهاجمتها عسكريًا، ورد الطرف الكوري الشمالي بالتهديدات نفسها، وفي الوقت نفسه، حاول «ترامب» أن يجذب إليه الأطراف المتعاونة مع كوريا الشمالية، أو الحليفة والقريبة منها مثل روسيا والصين.

فقد حاول «ترامب»، أن يعقد صفقات مع هذه الدول تقتضي بموجبها أن تتعاون هذه الدول مع الولايات المتحدة الأمريكية في تشديد الحصار السياسي أو الاقتصادي على كوريا الشمالية، سواء؛ إلا أن الرئيس الأمريكي لم يكن ينوي تنفيذ تهديداته على أرض الواقع بمهاجمة «بيونج يانج»، فقد كان يرغب من وراء ذلك إلى التوصل بسلام إلى قمة يونيو الماضي في سنغافورة.

حيث إن الرئيس «ترامب»، يعلم أنه ليس من السهل عسكريًا مهاجمة كوريا الشمالية؛ لما في ذلك من أخطار إقليمية وربما على الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؛ خاصة بعد إعلان «بيونج يانج» التوصل إلى صواريخ يمكنها الوصول إلى الأراضي الأمريكية. 

وسواء كان بإمكان صواريخ كوريا الشمالية الوصول إلى الأراضي الأمريكية من عدمه، إلا أن «احتمالية» حدوث ذلك يمثل في حد ذاته خطرًا على الأراضي الأمريكية، وهو أمر لن تقبل به القيادات العسكرية للجيش الأمريكي، لأنها تعلم حجم هذا الخطر الجدي.

إذًا من الواضح أن الرئيس الأمريكي ترامب كان يستخدم سياسة التهديد من أجل الترغيب في التوصل إلى توافق «نفعي» للولايات المتحدة، مع كوريا الشمالية، وهو ما يسعى إليه حاليًا، خاصة بعد قمته الأخيرة مع نظيره «كيم». 

زعيم كوريا الشمالية
زعيم كوريا الشمالية وعلي خامئني المرشد الأعى للثورة الإيرانية
هل ينوي ترامب تكرار السيناريو الكوري الشمالي مع إيران؟
إذا ما نظرنا إلى طريقة تعاطي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الملفين الكوري الشمالي والإيراني، سنجد أن هنالك تشابهًا كبيرًا في نهج تعامل ترامب مع الملفين. وذلك لأن ترامب استخدم في البداية سياسة «التهديد من أجل الترغيب» مع الدولتين، وقد أوضحنا ذلك مع النموذج الكوري الشمالي. 

ترامب وإيران
ترامب وإيران
ترامب يصعّد مع إيران 
أما بالنسبة لدلائل تكرار هذا السيناريو مع إيران، فإن التطورات المتلاحقة للعلاقات الأمريكية الإيرانية منذ مجيء الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض العام الماضي، توضح أن ترامب ينهج السيناريو نفسه مع إيران. حيث قام الرئيس الأمريكي، حتى قبل فوزه بالرئاسة الأمريكية، بالدعوة بدءًا من الأيام الأولى لحكمه إلى تغيير طريقة التعامل مع إيران والدعوة إلى الخروج من الاتفاق النووي الإيراني، وهو ما تم بالفعل.

تم توالت، ولا تزال، التصعيدات ما بين الجانبين من تهديدات أمريكية بفرض عقوبات قاسية على إيران إلى التهديد بمهاجمة إيران عسكريًّا. وقام الرئيس ترامب بعد الخروج من الاتفاقية النووية بالتوقيع على حزمة جديدة من العقوبات على إيران، وذلك إلى جانب التهديدات. 

وتحاول الولايات المتحدة، بالتزامن مع ذلك، محاصرة الدور الإيراني في المنطقة، وذلك في سوريا والعراق وغيرهما. كما تحاول مقايضة الدور الأمريكي في أوكرانيا مع الدور الروسي في سوريا. ومن ناحية أخرى، وعلى الرغم من دعم الصين الضمني لإيران، إلا أن بكين من غير المتوقع أن تصطدم مع الولايات المتحدة أو تؤجج خلافًا كبيرًا معها من أجل إيران.

ترامب وروحاني
ترامب وروحاني
إيماءات ترامب والإدارة الأمريكية للحوار المستقبلي مع إيران 
بعد التصعيدات المتلاحقة في العلاقات الأمريكية الإيرانية منذ مجيء ترامب، قام الأخير وعدد من المسؤولين الأمريكيين بالدعوة، وبشكل مباشر، إلى الحوار مع إيران. وقام الرئيس الأمريكي ترامب صراحة في 30 يوليو 2018 بالدعوة إلى الحوار مع الرئيس الإيراني حسن روحاني «بدون أية شروط مسبقة» و«في أي مكان». 

وأكد ذلك وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، عندما أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في اليوم التالي 31 يوليو تأييد وزير الخارجية الأمريكي حديث ترامب حول استعداده لإجراء محادثات مع الساسة الإيرانيين. كما قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، هيذر نويرت، أن الرئيس ترامب يرغب في الحوار مع قادة دوليين «بمن فيهم مسؤولون إيرانيون».(2) 

نستنتج مما سبق أن هناك تشابهًا كبيرًا ما بين نهج الرئيس الأمريكي ترامب في التعامل مع الملف الكوري الشمالي وفي التعاطي مع الملف الإيراني، ويمكن القول إنه لم يتبق للرئيس الأمريكي إلا الجلوس مع الرئيس الإيراني حسن روحاني في مكان وزمان لم يتم تحديدهما حتى الآن.

كما يجب الإشارة إلى أنه على الرغم من التشابه ما بين النموذجين الكوري الشمالي والإيراني من الجانب الأمريكي، فإن هناك اختلافًا بدون شك ما بين طبيعة النظرة الأمريكية لإيران وطبيعتها لكوريا الشمالية، من بينها الدور الإيراني في منطقة الشرق الأوسط والحسابات العسكرية والأمنية التي تترتب على ذلك من وجهة النظر الأمريكية. ومن ناحية أخرى، طبيعة التحالف والمصالح المشتركة ما بين كوريا الشمالية ودول مثل الصين وروسيا وطبيعتها من ناحية أخرى مع إيران.

المصادر
1-
Adrija Roychowdhury، “America and North Korea: How in 72 years their relations have only gone downhill”، The Indian Express، June 11th، 2018.
https:indianexpress.comarticleresearchkim-jong-un-america-and-north-korea-how-in-72-years-their-relations-have-only-gone-downhill-4845061
2-
"ترامب: أشعر بأن إيران ستتحدث معنا قريبًا"، الحرة، 31 يوليو 2018. 
https:www.alhurra.comapompeo-trump-iran450912.html
"