يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

محددات وآفاق إعادة تأهيل المتطرفين.. التجربة المصرية في الطليعة

الأحد 28/أغسطس/2022 - 06:31 م
المرجع
محمود محمدي
طباعة
خلصت دراسة لمرصد الأزهر الشريف، إلى أنه انطلاقًا من إدراك المخاطر الكامنة للممارسات التي ينتهجها المتطرفون، تتكاثف الجهود لإعداد برامج تهدف لإعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمعات بالطريقة التي تضمن انتشالهم من براثن الفكر المتطرف، والحول دون انخراطهم في الأنشطة الإرهابية.

وأوضحت الدراسة أن تلك الجهود تضمن عدم اصطدامهم بحاجز من الكراهية والعزلة الاجتماعية، وهو الأمر الذي قد يدفعهم إلى العودة للمجتمع المتشدد مرة أخرى، حيث تهدف تلك البرامج إلى تأهيل المتطرفين من الناحية الفكرية، وإعدادهم ليكونوا أكثر إدراكًا للأفكار المغلوطة التي اعتنقوها، مما يمكنهم من الاختيار الصحيح ونبذ الفكر المتطرف والاندماج في المجتمع مواطنين صالحين.

مرجعيات هشّة

إلى ذلك، يتبيّن أن المرجعيات الفكرية للمتطرفين هشّة، وهو الأمر الذي جعل لدى غالبيتهم ضبابية في المنهج وارتباكًا فكريًّا، وهو ما يجعلهم فريسة سهلة للوصاية الفكرية التي يفرضها عليهم قادة التنظيمات ومنظروها، ما يمكن هؤلاء القادة من إحكام السيطرة الفكرية عليهم والاستحواذ على عقولهم، وهو ما يسهل مهمة تذويب معالم شخصياتهم وجعلهم أكثر انقيادًا لما يُملى عليهم.

وفي هذا الإطار ذهبت الدراسة إلى أن برامج التأهيل تستطيع أن تُحدث تغييرًا ملموسًا إذا ما طبقت بأسلوب علمي، يعتمد على الواقعية في الطرح والموضوعية في التطبيق، ما يؤكد إمكانية تغيير الشخص المتطرف وإعداده لتقبل الفكر الوسطي، وذلك من خلال التأكيد على أن صاحب الفكر المُتطرف إنسان قابل للتغيير خاصة من ناحية أفكاره.

تجارب دوليّة.. إعادة تأهيل المتطرفين
  
عند الحديث عن تأهيل المتطرفين وإعادة دمجهم في المجتمع، تأتي التجربة المصرية في طليعة التجارب التي تناولت قضية التأهيل، ففي تسعينيات القرن الماضي أطلق بعض قيادات التنظيمات المتطرفة المسجونين مراجعاتٍ فكرية أعلنوا من خلالها تخليهم عن ممارسة العنف.

ورحبت السلطات حينها بهذه المراجعات، وعقدت سلسلة ندوات ولقاءات مع آلاف السجناء؛ بهدف إثنائهم عن أفكارهم المتشددة وإعادة دمجهم في المجتمع، وساهمت هذه المراجعات الفكرية وما تلاها من حوارات فكرية داخل السجون في وقف هجمات المتشددين إلى حد كبير لنحو عشر سنوات.

وفي عهد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، اتخذت السلطات العديد من الخطوات لتطوير السجون، وصياغة استراتيجية جديدة لها تليق بالجمهورية الجديدة، ففي أكتوبر من العام الماضي 2021م، تم تطوير مجمع «وادي النطرون» وتحديثه كي يصبح نموذجًا لتطبيق معايير حقوق الإنسان في التعامل مع النزلاء فيما يتعلق بتوفير جميع سبل الرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية لهم، وتأهيلهم للاندماج مرة أخرى في المجتمع عقب انتهاء فترة العقوبة.

ومن أهم الخطوات التي اتخذتها مصر أيضًا في هذا السياق هو تغيير اسم «قطاع السجون» إلى "الرعاية المجتمعية" ليعبر بصدق عما يحدث وراء الأسوار من جهود هدفها إعادة تأهيل النزلاء، وضاعفت المؤسسات المصرية جهودها من أجل تجفيف منابع التطرف، ومنع استشراء فيروسه في عروق الشباب، فاهتمت مؤسسة الرئاسة بالشباب، وعقدت لهم المنتديات العالمية التي تحظى برعاية رئيس الجمهورية وحضوره. 

وأنشأ الأزهر الشريف مرصده لمكافحة التطرف الذي يعكف على مدار الساعة لرصد الفكر الهدام وتفنيده، كذلك وزارة الأوقاف ودار الإفتاء بذلتا جهودًا مشكورة في هذا السبيل. 

تجارب أسيوية

كما خاضت العديد من الدول تجارب تأهيلية للنزلاء في السجون، مثل المملكة العربية السعودية، التي أطلقت برنامجًا تأهيليًّا عام 2003م، وحققت من خلاله نتائج مشجعة، حيث تزايد عدد من تخلى عن الفكر المتطرف. ولقد اعتمد البرنامج السعودي على المدخل الأيديولوجي والإرشاد الديني بشكل أساسي، وفي الوقت ذاته، لم يهمل البعد السيكولوجي والاجتماعي، كما تفوق البرنامج في جانب مهم من الإصلاح وهو الرعاية اللاحقة التي تلي الإفراج.

كما دشنت "«أندونيسيا" برنامجًا تأهيليًّا للسجناء اعتمدت فيه على من سبق لهم انتهاج الفكر المتطرف ثم تخلوا عنه. حيث يقوم هؤلاء بمحاولة إقناع النزلاء المتطرفين بالتخلي عن فكرهم، ويظهرون لهم فساده.

وفي «سنغافورة» لجأت الدولة إلى المؤسسات الدينية والدعاة المستقلين في موضوع تأهيل المتطرفين، ونجحوا في ذلك بشكل كبير.
"