يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

أسباب فشل روسيا في تحقيق أهدافها العسكرية بأوكرانيا

الخميس 02/يونيو/2022 - 09:13 م
المرجع
محمود البتاكوشي
طباعة
رغم مرور أكثر من شهرين على بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا، فشلت موسكو في تحقيق أهدافها المعلنة والمرجوة من العملية العسكرية، سوى تأجيل انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي الناتو، في الوقت الراهن.

الفشل الروسي على الأراضي الأوكرانية، الذي يشبه البعض باستنساخ تجربة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، في ثمانينيات القرن الماضي، إذ نجحت القوات الأوكرانية في استنزاف القوات الروسية، ويكفي إغراق فخر البحرية الروسية السفينة موسكفا.

أسباب الفشل

يرجع الفشل الروسي إلى عدة أسباب، أولها أن الدول الغربية استعدت لهذه العملية قبل إتمامها بحوالي شهرين، عقب انتشار 150 ألف جندي روسي قرب الحدود الأوكرانية، فقامت بعمليات تدريب واسعة لمجموعات عسكرية أوكرانية على أسلحة مضادة للدبابات والطائرات، وتم نقل معدات عسكرية من حلف الأطلسي عبر بولندا وسلوفاكيا بالتحديد إلى داخل أوكرانيا استعدادا لهذه العملية.

وظهر ذلك جليًّا، إذ تراجعت القوات الروسية بعدما أيقنت أنها لا تحارب أوكرانيا وحدها، وإنما تحارب حلف الناتو، الذي منح كييف الأسلحة الأكثر تطورًا في العالم من دول حلف شمال الأطلنطي والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا.

وتمثلت تلك الأسلحة في قاذفات الصواريخ المضادة للدبابات والدروع من طراز جافلين، والقاذفات المضادة للدبابات التي أنتجتها بريطانيا بالتعاون مع السويد، وهو الصاروخ الأكثر تطورًا في العالم، إذ إنه قادر على تدمير الدبابات الأكثر تدريعًا وقوة، وقدر عدد الصواريخ المضادة للدبابات والدروع التي قدمت الى أوكرانيا نحو 30 ألف صاروخ، إلى جانب صواريخ ستينجر المضادة للطائرات.

ولم تكتف دول حلف الأطلنطي بذلك ولكنها قدمت الطائرات المسيرة الأمريكية من طراز سويتش بليد 30 وسويتش بليد 60، والتي تسمى بالطائرات المسيرة الانتحارية.

كما منح حلف الناتو، أوكرانيا معلومات استخباراتية وعسكرية، رصدت فيها كل التحركات الروسية والقيام بعمليات اختراق لشبكات التواصل العسكري بين الوحدات العسكرية الروسية، وهو ما مكّن القوات الأوكرانية من توجيه بعض الضربات المؤثرة، كما استمر تدفق الأسلحة من حلف شمال الأطلنطي «ناتو» إلى أوكرانيا عبر السكك الحديدية بين أوكرانيا ودول الجوار، وهو ما تحاشت روسيا توجيه ضربات إليه، خاصة أنه يمكن أن تترتب عليه خسائر مدنية كبيرة للأوكرانيين الذين يتجهون للجوء إلى دول الجوار.

استهداف خطوط الإمداد

كان الجيش الأوكراني فعالًا للغاية في استهداف خطوط الإمداد، ما أضر بقدرة الروس في تحقيق المتطلبات اللوجستية، ودفع موسكو إلى وضع قواتها النووية في حال تأهب، وهو ما يؤكد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يدرك أن أداء الجيش الأوكراني خالف توقعاته.

توقعت روسيا نصرًا سريعًا، وربما لذلك أهملت التخطيط لكيفية إمداد قواتها بشكل كاف، إذ إن خطوط الإمداد إحدى نقاط الضعف التي تواجه الجيش الروسي.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ضيع فرصة ذهبية من يديه، بعدم ضم أوكرانيا عام 2014 عندما ضم شبه جزيرة القرم، إذ كان أنصاره يسيطرون بشكل كبير على مفاصل الدولة؛ الجيش والشرطة والرئاسة، حيث كان المواطنون في حالة فزع من ظاهرة النازية في أوكرانيا، حتى إن جميع الأقليات بمن فيهم اليهود، كانوا قلقين من تنامي ظاهرة القوميين المتطرفين، أو النازيين الجدد حسب التسمية الروسية، وكان ذلك كفيلًا بمنح روسيا جميع المبررات للقيام بعملية اجتياح واسعة النطاق لأراضي أوكرانيا، وسينظر إليها السكان في الشرق والجنوب على أنها المخلص، والحامي عبر تقدم الرئيس الأسبق ڤيكتور يانوكوڤيتش بطلب تدخل القوات الروسية لحماية الشرعية.

خلق اغتراب ثقافي في أوكرانيا 

وكانت الشرطة والجيش الأوكرانيتان في ذلك الوقت مؤيدين له في مجملهما، ولو فعل لقوبل التدخل الروسي بالورود حقًا، ولفرض سيطرته دون رصاصة واحدة على جميع مناطق الشرق والجنوب بكاملها كما حدث في دخوله شبه جزيرة القرم، وهو ما يفسر هذا الاستحواذ السهل عليها في تلك الأيام، ولكنها اكتفت بتوقيع اتفاقية مينسك، في 5 سبتمبر 2014، التي بدت وكأنها في صالح موسكو.

وعقب هذه الاتفاقية، زاد التدخل الغربي في أوكرانيا، وبدأت عملية خلق اغتراب ثقافي، وفصل تاريخي داخل كييف تجاه روسيا، وسط غياب تام لموسكو، أو محاولة لمواجهة ثقافية مماثلة لهذه الموجة، واعتماد شبه حصري على القوة الخشنة عبر العقوبات الاقتصادية، ودعم المتمردين، والتصريحات العنيفة تجاه أوكرانيا وتاريخها وكينونتها التي حملت بعض التعالي.

الأوليغارشية الفاسدة 

كما يلاحظ أن حلفاء موسكو في أوكرانيا هم مجموعة من الأوليغارشية الفاسدة والمكروهة من جانب الشعب، لم تحاول عقد تحالفات مع جهات موثوق بها تتمتع بسمعة طيبة ببساطة كما أراد الغرب، كما شاهد الأوكرانيون التجربة الروسية عمليًّا في المناطق التي سيطرت عليها من أوكرانيا، فلم يجدوا تغيرًا يذكر لأوضاع سكان شبه جزيرة القرم، أما سكان إقليم الدونباس، الذي سيطر حلفاء موسكو على نحو 40% من أراضيه، فكانت حياتهم بائسة، ولم تستغل موسكو الفرصة لخلق حياة أفضل تحفز الأوكرانيين الموالين لها بطبيعتهم على التمسك بالعلاقة معها.

أدت الحرب في دونباس، والاعتقالات للمعارضين في القرم، ومشاهد القتل والدمار في المناطق المتنازع عليها، إلى نفور عام لدى الأوكرانيين الذين يعانون بؤسًا اقتصاديًّا بالفعل، لكنهم يتمتعون بشيء من الحرية والاستقرار فكان الخيار الأخير أفضل لهم، ومقدمًا على قضايا الهوية والروابط التاريخية مع موسكو.

لعل أبرز أسباب خسارة روسيا أنصارها في أوكرانيا، هو تخليها عنهم عندما سحقتهم السلطات الأوكرانية وجردتهم من أملاكهم ومناصبهم، وزجت بهم في السجون بتهمة الخيانة العظمى، ولم تقدم موسكو دعمًا لهم خلافًا لبيانات الشجب والإدانة، وأدى ذلك إلى حذر سكان الشرق والجنوب من أي اندفاع نحو تأييد روسيا؛ خشية الانتقام فيما بعد إذا توصلت إلى اتفاق وسحبت قواتها.
"