يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

العملاق الصيني والحظيرة الأمريكية.. بكين تشتري نفط طهران متحدية واشنطن

الخميس 04/يوليو/2019 - 10:39 م
المرجع
مرﭬت زكريا
طباعة

كما توقع مراقبون، فشلت قمة العشرين التي استضافتها مدينة أوساكا اليابانية ومحادثات فيينا في 27-28 يونيو  2019، في تخفيف حدة التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران على خلفية الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي مع دول (5+1)، وما ترتب عليه من تداعيات سلبية بالنسبة للاقتصاد الإيراني؛ لكن تتمسك دول مثل الصين وروسيا بدعم إيران على الرغم من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.

وتستمر الصين في شراء النفط الإيراني، في طريق آخر للالتفاف على العقوبات الأمريكية وتحدي واشنطن، على خلفية الحرب التجارية الدائرة بين الطرفين. كما تعد مبيعات النفط الإيراني لكل من روسيا والصين جزءًا كبيرًا من جهود إيران لمقاومة حملة «الضغوط الكبيرة» للعقوبات المالية التي أطلقتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد انسحابها من خطة العمل المشتركة الشاملة.

 ومن هنا أشار باحثون إلى دوافع استمرار بكين في استيراد النفط الإيراني التي تتمثل في؛ انخفاض سعره وتوافره بالكميات المطلوبة، تحدى الصين لواشنطن في إطار الحرب التجارية فيما بينهم، فضلًا عن سعي بكين لتكون أحد الأطراف الفاعلة داخل الساحة السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط، وهو ما سيحاول المرجع توضيحه في النقاط التحليلية التالية: 

العملاق الصيني والحظيرة

أولًا: انخفاض سعر النفط الإيراني وتوافره

حاولت طهران بعد الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي مع دول (5+1) الحفاظ على المشترين الحاليين للنفط، لاسيما تلك القادرين على تحدي الولايات المتحدة الأمريكية والمستوردين لكميات كبيرة من موارد الطاقة المتاحة لديها بعد فرض الحزمة الثالثة من العقوبات الأمريكية على مبيعات النفط الإيراني، ما أدى لتصفير صادراته وتدهور الوضع الاقتصادي. كما قامت الإدارة الأمريكية الحالية بسحب الإعفاءات الممنوحة لثماني دول تمثلت في: «الصين، الهند، اليابان، تركيا، إيطاليا، اليونان، كوريا الجنوبية وتايوان»، التي كان مسموحًا لها بتجارة النفط مع طهران.

تنتج إيران ما يعادل 2.5 مليون برميل نفط يوميًّا، وعليه اضطرت طهران لتخفيض سعر النفط، فضلًا عن المساهمة في نقله بكل السبل الممكنة إلى الدول المستوردة له، على خلفية انخفاض صادرات إيران من النفط الخام انخفاضًا كبيرًا في مايو 2019 مقارنة بشهر أبريل من العام ذاته، كما أن الهبوط كان بنسبة كبيرة وصلت إلى أكثر من مليوني برميل في اليوم الواحد(1) .

وعليه، اضطر نظام الملالي لاتخاذ بعض الإجراءات اللازمة لحماية صادراتها النفطية مثل تخفيض السعر وتسهيل التعاملات التجارية مع الدول المستوردة له؛ على خلفية الأهمية الكبيرة التي يحتلها النفط كمصدر هام من مصادر الدخل القومي الإيراني.  كما بدأت فئات كثيرة داخل المجتمع الإيراني في تصدير شعورها بالضيق نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار بعض المنتجات الأساسية وعلى رأسها الأدوية نتيجة ارتفاع سعر الدولار في مقابل العملة الإيرانية (الريال) الذي انخفضت قيمته بنسبة كبيرة خلال الأشهر الأولى من عام 2019 (2).

أوباما
أوباما

ثانيًا: الحرب التجارية بين واشنطن وبكين

تخوض الولايات المتحدة الأمريكية حربًا اقتصادية مع دول عدة، أبرزها روسيا، إيران، تركيا، لكن تأتي الصين على رأس تلك القائمة؛ حيث بدأت الحرب التجارية بين واشنطن وبكين على خلفية إعلان الأولى فرض رسوم جمركية على عدد من واردات الصين إليها. كما تعتبر الصين المنافس الاقتصادي الأكبر بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وتعد النموذج الأوضح لأبرز القوى الآسيوية الصاعدة، بما تسبب في قلق كبير بالنسبة لواشنطن.

ويشير بعض المحللين إلى أن السبب الرئيسي في الحرب الاقتصادية بين البلدين يتمثل في تخلي الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" عن نهج سلفه "باراك أوباما" فيما يتعلق بالاقتصاد العالمي القائم على التعددية وتحرير التجارة العالمية، ومن ثم يعتبر "ترامب" الصين خطرًا يهدد اقتصاد بلاده على المدى المتوسط والطويل (3)


وعليه، بدأت الإدارة الأمريكية بفرض رسوم جمركية على واردات الحديد والألومنيوم القادم لواشنطن من الصين؛ حيث تم فرض 25% على واردات الحديد و10% على الألومنيوم، فضلًا عن فرض رسوم جمركية على واردات بضائع صينية تتخطيى قيمتها الـ60 بليون دولار كوسيلة للحد من الاستثمار الصيني داخل الولايات المتحدة الأمريكية. كما تعد الرسوم الجمركية فرصًا للانتقام من الصين على خلفية السرقة الفكرية والعلمية التي تقوم بها بكين فيما يتعلق بالمنتجات الأمريكية في مجال التقنيات والتكنولوجيا (4) .

العملاق الصيني والحظيرة

ثالثًا: رغبة بكين في تعزيز نفوذها بالشرق الأوسط

تحتاج الصين إلى الشرق الأوسط في الفترات المقبلة بصورة كبيرة على عدد من الأصعدة؛ يتمثل أهمها في الحفاظ على التدفق النفطي اللازم للنمو الاقتصادي المتزايد لدى بكين، فضلًا عن رغبتها في وجود دور سياسي في منطقة قيد التشكل من جديد، خاصًة في ظل التنافس الروسي الأمريكي فيما يتعلق بإحكام السيطرة على أكبر عدد من دول هذه المنطقة.

في السياق ذاته، يشير عدد من المحللين إلى أفول القوة الأمريكية، أو بمعنى آخر تراجع مصادر هذه القوة بما يجعلها غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها على المستوى الدولي، الأمر الذي من شأنه أن يخلق فراغ كبير بالطبع ستسعى دول أخرى صاعدة لمحاولة ردئه يأتي على رأسها الهند، الصين وروسيا؛ حيث ظلت القوى الغربية هي المسيطرة على العالم خلال السبعين عامًا اللاحقة على الحرب العالمية الثانية، وظهر ذلك لدى فرنسا، بريطانيا ثم الولايات المتحدة الأمريكية. وتآكلت هذه المكانة مع ظهور الاتحاد السوفييتي في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، لكن سرعان ما تراجع ذلك وعادت القوى الغربية إلى مكانتها.

ومع أحداث الربيع العربي في عام 2011  انقسم الرأي العام الأمريكي حول جدوى التدخل في أزمات الشرق الأوسط، لاسيما في الأزمة السورية، كما صوت مجلس العموم البريطاني ضد تدخل بلاده في أي عمل عسكري داخل سوريا مما جعل الفرصة سانحة لتدخل دول مثل روسيا والصين التي وجدت في الشرق الأوسط مجالًا لإبراز قدرتها السياسية والعسكرية وبالفعل بدأت بعض دول المنطقة وعلى رأسها الدول الخليجية في تقوية علاقاتها بهذه القوى الصاعدة، لاسيما في ما يتعلق بالمجال الاقتصادي والتكنولوجي الذي من شأنه أن يؤدي في ما بعد إلى تعاون سياسي (5 ).

من ناحية أخرى، تمتلك الصين عددًا كبيرًا من المقومات اللازمة لتصبح بمثابة قوة كبرى منافسة للولايات المتحدة الأمريكية؛ فبالنظر إلى القوة البشرية، يبلغ عدد سكان الصين ثلاثة مليارات وثلاثمائة مليون نسمة بما يوازى أربعة أضعاف سكان الولايات المتحدة، كما تتمتع بكين بحدود جيوسياسية هامة؛ تجاور روسيا وبعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقًا من الشمال، أفغانستان وباكستان من ناحية الغرب، واليابان من جهة الشرق، بورما وتايلاند من الجنوب، كما تحظى الصين بالمرتبة الثانية من حيث الإنفاق العسكري بعد الولايات المتحدة الأمريكية (6) .

ختامًا: ترغب الصين في الحفاظ على العلاقة الوثيقة التي تربطها ببعض دول الشرق الأوسط وأبرزها إيران؛ حيث عارضت بكين فرض العقوبات الاقتصادية الأمريكية أحادية الجانب على طهران لاسيما فيما يتعلق بمجال موارد الطاقة بشكل عام والنفط بشكل خاص.

كما تحاول من ناحية أخري إبراز قدراتها المتصاعدة في المجال الاقتصادي في خضم المنافسة الشرسة والحرب التجارية الجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية. بالتزامن مع رغبة دول الشرق الأوسط أيضًا في التقرب من الصين، خاصةً في ظل الاستراتيجية المتبعة بعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، على العكس تمامًا من السياسة التي تتبعها واشنطن في المنطقة، لذا، تحاول الإدارة الأمريكية الحالية الحد من النجاح الصيني على الصعيد التكنولوجي والاقتصادي.

الهوامش:

1.      Tom Whipple, Steve Andrews, Peak Oil Review: 17 June 2019, Resilience, available athttps://www.resilience.org/stories/2019-06-17/peak-oil-review-17-june-2019/.

2.      العقوبات الأمريكية علي إيران إلى أي مدي تؤثر على أسعار النفط، 25/4/2019، BBCعربي، متاح على الرابط التاليhttp://www.bbc.com/arabic/middleeast-48029754.

3.      من ينتصر في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، 12/3/2019، عربي TRT، متاح على الرابط التاليhttps://cuturl.in/r4II

4.      رانيا فزاع، كل شيء عن الحرب التجارية بين الصين وأمريكا، 9/4/2018، اليوم السابع، متاح على الرابط التاليhttps://cuturl.in/KSjsaD

5.      على الدين هلال، الشرق الأوسط... بين التراجع الأمريكي وصعود قوي التغيير العالمي، 2019، أراء حول الخليج، متاح على الرابط التالي http://araa.sa/index.php?view=article&id=3612:2015-12-28-07-51-14&Itemid=101&option=com_content.

6.      التنافس الصيني الروسي على القارة الأفريقية، 1/6/2018، رؤية تركية، متاح على الرابط التاليhttps://rouyaturkiyyah.com/research-articles-and-commentaries/32

"