يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

استهداف دُور العبادة.. هل أصبح الإرهاب واقعًا مفروضًا؟

الأربعاء 20/مارس/2019 - 03:13 م
المرجع
محمود محمدي
طباعة

أعدّ مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، دراسة جديدة بعنوان «الإرهاب واستهداف دُور العبادة»، يسلط فيها الضوء على أهداف الإرهاب خاصة السياسية والاقتصادية منها، مؤكدًا في مستهل الدراسة أن خطورة الإرهاب أَضْحَتْ واقعًا مفروضًا، لا حالةً وقتيّةً طارئة، قد تُحَرِّكُه عنصريةٌ بغيضة أو كراهيةٌ مسمومة ضد ديانة أو هُوِيَّة أو عِرقٍ بعينه.

استهداف دُور العبادة..

وأوضحت الدراسة أن هذا الطاعونَ لا يُفَرِّق في استهدافه للأبرياء والعُزل بين أتباع الديانات، سواءٌ أكانوا من المسلمين أم غيرهم؛ بل إن أغلب الضحايا الذين سقطوا إثرَ هجماته - وبخاصّةٍ في منطقة الشرق الأوسط - كانوا من المسلمين.


وذهبت الدراسة إلى أن إجرام الجماعات الإرهابية لم يقتصر على البشر فحسب، بل طال كلَّ شيءٍ، حتى بلغ الأمرُ مَداه، حينما قرّرت استهدافَ دُور العبادة الآمنة؛ فراح عناصرها يُنَفِّذون أعمالَهم الوحشية ومَجازِرَهم التي تقف من الرحمة والإنسانية موقف النقيض، مؤكدة أن استهداف الإرهابيين لدُور العبادة لم يكن وَليدَ اللحظة، بل هو واحدٌ من أهمّ استراتيجياتّهم التي يَرَوْنَ فيها أنّ مَن يُخالِف أفكارهم ينبغي قتلُه والتنكيل به؛ ليكونَ عبرةً لغيره.


ولفت مرصد الأزهر في دراسته، إلى أن الإرهاب استهدف دُور العبادة على اختلاف عقائدها؛ فلقد فَتَكَتْ يدُ الإرهاب الغاشم بالمُصَلّين في شَتّى دُور العبادة الإسلامية والمسيحية وغيرها، مستعرضًا أبرزَ الهجمات الإرهابية التي استهدفت دُورَ العبادة خلال الفترة الأخيرة.

استهداف دُور العبادة..

◄ استهداف المساجد واستراتيجية يوم الجمعة


شهدت المساجدُ سلسلةً من الاعتداءات الإرهابية، كان أولها في الـ22 من أغسطس لعام 2014، عندما تَعَرّض مسجد «مُصعَب بن عُمَير»، التابع للسُّنّة في العراق، لهجومٍ، أسفر عن مقتل 70 على الأقل وإصابة آخَرين، ومنذ ذلك الحين بدأت تتوالى الهجمات الإرهابية على المساجد؛ كان آخرها حينما انتفض العالم على جريمةٍ نَكراءَ بالأمس القريب، في نيوزلندا، إزاءَ الهجوم الإرهابي الذي وقع في مسجدين، وأسفر عن استشهاد نحو 49 شخصًا وإصابة العشرات.


وكشفت الدراسة، أنّ الجماعاتِ الإرهابيّةَ تَتَوَجّه إلى استهداف المساجد «يوم الجمعة» على وجه الخصوص؛ بغيَةَ إسقاط أكبرِ عددٍ ممكن من الضحايا، موضحة أن الإرهابيين لم يُبالِوا بقُدسيّة المسجد، ويقَتلون المُصَلّين الأبرياء العُزل بدمٍ بارد؛ ممّا يؤكّد انعدامَ إنسانيّتهم وغياب ضميرهم، فهذه المجموعات المتطرفة تقتل وتسفك الدماء باسم الدين، وتطبيقًا لشريعةٍ قد ابتدعوها وفسّروها بما يخدم أهواءهم الشخصية؛ ظنًّا منهم أن هذه الجرائم الخسيسة هي الطريق الوحيد للوصول إلى الجنة.


وذكرت الدراسة ما شهدته مصر، تحديدًا في الخامس والعشرين من نوفمبر لعام 2017، حيث استهدفت جماعات الظلام، مسجدًا بشمال سيناء، أثناء تأدية المُصَلّين شَعائرَ صلاة الجمعة؛ أسفرَ عن سقوط العشرات من الضحايا والمُصابين، مؤكدة أن استهداف الجماعات والتنظيمات الإرهابية المُتكرر لدُور العبادة والأبرياء في العالم يبرهن على الفكر الظلامي لهذه الجماعات الضالة، التي لا تعرف عن الأديان شيئًا؛ وأن دستورها هو الدم والعنف.


وعلاوةً على ما سبق؛ أضافت الدراسة ما تقوم به قوّات الاحتلال الصهيوني من تدنيسٍ للمسجد الأقصى منذ عُقودٍ، إلى ملفّ الاعتداء على المساجد، آخرها ما قام به هذا الكِيانُ المُغتَصِب بالأمس القريب من غَلْقٍ للمسجد الأقصى.

استهداف دُور العبادة..

◄ الإرهاب يزحف نحو الكنائس


وتناولت الدراسة بالرصد أيضًا، ما شهدته الكنائسُ في السنوات الأخيرة، من سلسلة اعتداءات إرهابية راح ضحيتها عشراتٌ من «المسلمين والمسيحيين»؛ ففي «داغستان»، في الثامنَ عشرَ من فبراير لعام 2018، قُتل خمسة أشخاص، على يد مواطنٍ يُدعى: «خليل الداغستاني»، أطلق النار على المُصَلّين في الكنيسة –التابعة لمدينة كيزليار- وفي تبادل لإطلاق النار قامت الشرطة بقتله، وأعلن تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليته عن هذا الهجوم.


ولم يقتصر الأمر في مصرَ على استهداف الكنائس ودُور العبادة المسيحية فحسب؛ بل تمّ استهداف المسيحيين أنفسِهم خلال رحلاتهم الدينية وزيارة مُقَدَّساتهم؛ ففي نوفمبر من عام 2018، تعرّضت إحدى الحافلات التي كانت تُقِلُّ مسيحيين من محافظة سوهاج، أثناء تَوَجُّههم لزيارة دير "الأنبا صموئيل" في محافظة المنيا جنوبي مصر، لإطلاق نار من مسلحين مجهولين؛ ممّا أسفر عن سقوط 7 قتلى و14 مصابًا، وقد سبق هذا الاعتداءَ حادثٌ مُشابِه؛ إذ تعرّضت حافلةٌ كانت تُقِلُّ مسيحيين، في مايو من عام 2017، لهجومٍ؛ راح ضحيّته 29 شخصًا، بينهم أطفال.


كذلك شهِدت البرازيل في الحاديَ عشرَ من ديسمبر 2018، هجومًا على إحدى الكنائس في مدينة كامبيناس؛ أسفر عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة ثلاثةٍ آخرين، ووَفقًا لما ذكره موقع G1 الإخباريّ، دخل شخصٌ مُسَلَّحٌ الكنيسةَ -الواقعةَ على بُعْد 90 كيلو مترًا من مدينة ساو باولو- وأطلق النيران على المُصَلّين، أثناء القُدّاس الذي كانت تقيمه الكنيسة، ثم قام بإطلاق النار على نفسه. ومن جانبها، أكّدت الشرطة البرازيلية –فَورَ وُصولها إلى موقع الحادث- أنه يُعَدّ مأساةً كبيرة، خاصّةً أنه استهدف كبار السن؛ ممّا تَسَبَّبَ في إصابتهم بجروحٍ حادّة في الرأس والرقبة، ولم تُعلِن أيُّ جهةٍ مسؤوليّتَها عن الحادث.


واقتبس مرصد الأزهر كلماتِ الإمام الأكبر، شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، في تعليقه على هجوم نيوزلندا المُرَوِّع؛ حيث قال: «إن هذا الحدث وجرائم داعش فرعان لشجرةٍ واحدة رُوِيت بماء الكراهية والعنف والتطرف»، مؤكدًا أن مثل هذه الأعمال الإرهابية لا تَمُتُّ بأيّ صِلَةٍ للإسلام أو تعاليمه السمحة، ولا لغيره من الأديان السماوية المُقَدَّسة، إذ قال الله في كتابه العزيز: «ولَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ» (الحج :40)؛ فهذه الآية الكريمة تُبَيِّنُ أن الله -عَزَّ وجَلَّ- أمرنا بالحفاظ على جميع دُور العبادة وحمايتها، وقد أَوصى النبيُّ -صلّى الله عليه وسلم- بالأقباط خيرًا، حينما نهى المسلمين الفاتحين عن هدم الصوامع أو قتل الرهبان أو النساء أو الأطفال في أيّ معركة، وقد سار الخلفاء الراشدون على سُنّته؛ فلم يَثبُتْ أن أحدهم هدَم كنيسةً، أو أمَرَ بالتعدّي عليها.


ودعا «المرصدُ» عُقلاءَ العالم إلى وقفةٍ حاسمة ضد كلّ حَمَلةِ السلاح المارقين، الذين يَنسُبون أنفسَهم إلى أديانٍ ومُعتقَداتٍ هي منهم بَراءٌ، فيَسفكون دماء الأبرياء بغير جُرمٍ ارتكبوه، غير تَوَجُّههم إلى خالقهم لأداء حقّه وإقامة شعائر دينه، مؤكدًا أن مثل هؤلاء لا يَنبغي أن تَضعُفَ أمامهم يدُ القانون، أو تَتَراخى حيالَهم قبضةُ العدالة، أو تتخاذل عن الثأر منهم.

للمزيد.. دماء في بيت الله.. «مذبحة نيوزيلندا» واتساع رقعة الإسلاموفوبيا في الغرب

"