يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

أفغانستان.. عقدان من الحرب والإرهاب والسلام المفقود

السبت 16/فبراير/2019 - 06:52 م
المرجع
أحمد لملوم
طباعة
سبعة عشر عامًا من الحرب، وعشرات الآلاف من القتلى، والملايين في حاجة إلى المساعدة الإنسانية، خلال كل ذلك كان هناك صوت يسمعه الجميع، صوت الذين فقدوا ذويهم في أتون الحرب، ويرغبوا في تحقيق السلام في أفغانستان.


عقدان من الحرب بين قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة وحركة طالبان، تركا شعب أفغانستان على أرض مهتزة، ما يقرب من ثلث سكان أفغانستان البالغ عددهم 34.7 مليون نسمة في حاجة ماسة للمساعدة الإنسانية، وصعَّبت المعارك بين الحكومة الأفغانية الهشة وطالبان على مدى السنوات الماضية، توصيل المساعدات إلى من يحتاجونها.


بالإضافة إلى التعقيدات التي تنتج لصراع النفوذ بين القوى الدولية في أفغانستان، فالرئيس الأمريكي، دونالد ترامب رغب في سحب قوات بلاده من أفغانستان، بينما تسعى روسيا تحت قيادة الرئيس الحالي، فلاديمير بوتين العودة مرة أخرى، وملء الفراغ الذي تتركه سياسة ترامب؛ لتعود صاحبة النفوذ الأقوى في أفغانستان، كما كان الحال في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.


ودخلت الصين هي الأخرى في المشهد، مستخدمةً الاقتصاد للتأثير، وكان رئيس الوزراء، لى كه تشيانغ قد اعلن أن بلاده ترغب في المساعدة في إعادة إعمار  أفغانستان، خلال لقائه الرئيس التنفيذى لحكومة الوحدة الوطنية الأفغانية عبد الله عبد الله على هامش الاجتماع الـ17 لمجلس رؤساء حكومات منظمة شنغهاى للتعاون في العاصمة الطاجيكية (دوشنبه).

أفغانستان.. عقدان
أرض واحدة عليها دولتان

يرى الكثيرون في أفغانستان دولتين، واحدة ريفية وجبلية، معزولة عن المعونات الدولية وتحت سيطرة حركة طالبان، وأخرى معترف بها دوليا، لكنها معرضة للخطر، تستعد لمستقبل غامض بعد إعلان الرئيس دونالد ترامب مؤخرًا أنه سوف يقوم بسحب ما يقرب من نصف القوات الأمريكية البالغ عددها 14000 المتمركزة هناك.


أفغانستان مع البلاد أزمتها الإنسانية والأمنية، تحتاج إلى السلام أكثر من أي وقت مضى، وفي مؤتمر ميونيخ للأمن هذا الأسبوع، احتلَّت مفاوضات السلام في أفغانستان مكانةً متقدمة في جدول الأعمال، هذا الزخم مدفوع بتحركات الحكومة الأمريكية، والتي بدأت التفاوض مباشرة مع حركة طالبان؛ لوضع حد لأطول حرب لها، هذه الجهود بها عيوب قاتلة، منها رفض الحكومة الأفغانية المشارَكة في المفاوضات، فكيف يمكن تحقيق أي سلام مع امتناع طرف من أطراف الصراع الجلوس على طاولة المفاوضات؟.


في مقابلة حديثة له مع مؤسسة دويتشه فيله الألمانية،  قال توماس روتج، الخبير في الشؤون الأفغانية: «أنا مقتنع أنه إذا تم التوصل إلى اتفاق سلام على المستوى الثنائي فقط، من دون الحكومة الأفغانية ... فإن مثل هذه الصفقة سوف تكون ميتة في المياه».


وعندما أسّست حركة طالبان نظام حكمها في أفغانستان عام 1996، كان يعتقد قادتها أنهم باقون للأبد في الحكم، غير أن الإطاحة السريعة بنظام طالبان من قبل قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في عام 2001، وأعقب ذلك أول انتخابات رئاسية ديمقراطية في أفغانستان منذ عام 1969، والتصديق اللاحق على دستور كتب بمبادئ غربية، أعطت مؤشر بأن البلاد يمكن أن يحقق فيها السلام في أفغانستان.


لكن سرعان ما تراجعت هذه الرؤية، بعدما عادت حركة طالبان للمشهد مرة أخري، فقد شهد شهر يوليو 2006 قيام الحركة بتمرد في جنوب البلاد، أدى إلى فشل الرئيس آنذاك، حامد كرزاي في توحيد الجماعات العرقية الأفغانية المختلفة، وتزويد شعبه بالخدمات الأساسية وسط دعوات الفساد، هذه الهزيمة السريعة للديموقراطية الوليدة في أفغانستان، طرحت أسئلة حول إمكانية تولي قوات التحالف المهام الأمنية في أفغانستان، وهو ما حدث بالفعل.


وبغض النظر عن ذلك، فقد تولت قوات الأمن الأفغانية مرة أخرى السيطرة على العمليات الأمنية عام 2014. وركزت قوات التحالف الدولية على رفع قدرات الأجهزة الأمنية الأفغانية من خلال تقديم تدريبات ،ودعم لوجيستي لهم، واليوم يوجد 14 ألف جندي أمريكي وغيرهم من القوات المتحالفة متمركزين في أفغانستان.


فضلًا عن تركيز قوات التحالف على التوفيق بين المؤسسة السياسية الأفغانية المنقسمة على الدوام، والتهديدات الجديدة من تنظيم داعش في أفغانستان والعراق وسوريا، مع ظهوره عام 2014، واستهدافه هو الآخر للحكومة الأفغانية؛  لمحاولة السيطرة على الأرض، وخلال ذلك استعادت حركة طالبان السيطرة على قرية بعد قرية في جيوب ريفية غير محمية، وأصبحت تسيطر على 40 في المائة من البلاد.


أفغانستان.. عقدان
زخمٌُجديد 

تقدر الأمم المتحدة أن 9.8 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية، وهو رقم يمكن أن يزداد بنسبة تقارب 10 بالمائة بحلول نهاية فبراير، إذا لم يتم فتح طرق للمناطق المتأثرة وتبلغ نسبة الفقر 55 في المائة في البلاد، ويعاني 40 في المائة من الأطفال الأفغان من سوء التغذية.


جلبت التوترات الإنسانية والأمنية المتصاعدة في أفغانستان اهتمامًا متجددًا من المجتمع الدولي؛ بفضل الجهود الأمريكية خلال العام الماضي؛للتوسط في التوصل إلى اتفاق سلام، وفي فبراير عام 2018، عرضت حكومة الرئيس الأفغاني أشرف غاني على طالبان مقعدًا غير مشروط على الطاولة؛ لإبرام اتفاقات سلام، لكن حركة طالبان رفضت العرض وقالت: إنها لن تتفاوض مع حكومة، ترى أنها نظام مشكّل من دمىً أمريكية.

ومع وجود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحت ضغط في الداخل؛ لإنهاء حرب طويلة، قام زلماي خليل زاد، المبعوث الأمريكي الخاص إلى أفغانستان بإعادة تنشيط الجهود.


واجتمع خليل زاد مع ممثلي من حركة طالبان في العاصمة القطرية، الدوحة الشهر الماضي؛ لصياغة إطار للسلام، يشمل انسحاب القوات الأجنبية في أفغانستان مقابل وقف إطلاق النار وضمان استبعاد الجماعات الإرهابية من دخول الأراضي الأفغانية.


وبالنظر إلى أن حركة طالبان، ما زالت ترفض الاجتماع مع الحكومة الأفغانية، أو الاعتراف بقيم مثل المساواة وحقوق المرأة، في الحقوق بين النساء، فإن الضغط من القوى الدولية هو أمر لابدّ منه من أجل إحلال السلام، خاصةً أن المحادثات الحالية التي تجريها الولايات المتحدة؛ الهدف منها هو الانسحاب من أفغانستان بأيّ شكل.


وبالنظر إلى الأزمة الإنسانية ووجود مصالح لأطراف مختلفة داخل أفغانستان، فإن تحقيق السلام للأفغان لابدّ أن يكون على يد الأفغان أنفسهم، فالشعب الأفغاني، هو الذي يستطيع اتخاذ القرار من أجل تحقيق السلام.
"