يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

هل يمثل الأردن وجهة جديدة لـ«داعش»؟

الجمعة 02/نوفمبر/2018 - 06:58 م
داعش
داعش
مصطفى صلاح
طباعة

لا يمكن لداعش تدمير الأردن؛ لكن هل يمكن للأردن تدمير داعش؟ بهذا الاستفهام يمكن تفسير حدود وتأثير تداعيات الانتشار للتنظيمات الإرهابية المتطرفة مثل تنظيم داعش في العراق والشام، على العديد من دول المنطقة، خاصة في  ظل معاناة أغلب الدول من توترات وتهديدات داخلية أو خارجية، خاصة المملكة الأردنية المحاطة بدول تدور فيها رحى الحروب الأهلية، والتي تفرض عليها استقبال عدد كبير من اللاجئين.


ويتمثل التهديد الأكبر الذي يواجه الأردن في أنها تمتلك حدودًا مشتركة مع العراق وسوريا، وهي دول حصلت داعش على مكاسب كبيرة بها، رغم الغارات الجوية التي وُجهت إلى عناصر التنظيم، والتي شاركت فيها المملكة.

داعش
داعش
لماذا الأردن؟


أثار التمدد السريع لتنظيم داعش في سوريا والعراق هلع دول الجوار وعلى رأسها الأردن، الذي يشعر بقلق من وجود مؤيدين لهذا التنظيم داخل حدوده، وهو ما ظهر جليًا في التظاهرات التي شهدتها مدينة «معان» في يونيو من العام 2014؛ حيث خرج العشرات من مؤيدي «داعش» إلى شوارع المدينة في مظاهرة أعلنوا فيها دعمهم للتنظيم الإسلامي المتشدد، ومؤكدين أن معان هي «فلوجتهم الجديدة» في إشارة إلى المدينة العراقية الفلوجة، التي كان يسيطر عليها التنظيم حينذاك. (1)


ورغم أن أعلام داعش اختفت من شوارع «معان» الآن؛ فإن الدعم الذي يتمتع به التنظيم ما زال قويًا. وفي غضون ذلك، يتواصل تمدد داعش على حدود الأردن الشمالية والشرقية، في ظل الخسائر التي يتعرض لها التنظيم الإرهابي بسوريا والعراق، وخسارته مزيدًا من الأراضي التي كان يسيطر عليها.


إن تنظيم داعش، يسعى لتعويض انحساره الداخلي والتغطية على تراجع أماكن نفوذه في العراق وسوريا، بتكثيف عملياته الخارجية، حتى يثبت لأنصاره أنه لا يزال قادرًا على التوسع والمناورة، وقد غادر العديد من الأردنيين للانضمام إلى داعش والآن هم يعودون، وعلى الرغم من انحسار التنظيم في العراق وسوريا، لكن مقاتليه قد يجدوا ملاذًا آمنًا في المملكة الأردنية.


إن الأردن الذي انضم إلى الحرب الدولية ضد داعش، يحارب الآن على جبهتين: الأولى ضد خطر وقوع هجمات على أهداف داخل البلاد، والثانية ضد الأفكار والأيديولوجيات التي بدأت في الانتشار بين الشباب والمهمشين، ولعل هذه المشاركة أثارت حفيظة المتشددين في الداخل الأردني.


وقد شجع رجل الدين الأردني الداعية محمد شلبي، المعروف بـ«أبو سياف»، الأردنيين الشباب على التوجه إلى سوريا للقتال.


و«أبو سياف»، المقرب من تنظيم القاعدة، يقول: إنه يؤمن بالجهاد ولكنه يصر على أن داعش لا تمثل الإسلام. (2)


وتتزايد المخاوف من انتشار الأفكار المتطرفة في الداخل الأردني، بفعل وجود العديد من المتغيرات التي تساعد على تحقيق مزيد من التوغل لتلك الأفكار، أبرزها: أن الأردن يأوي أكثر من 2 مليون لاجئ فروا من سوريا والعراق، في حين تعمل التنظيمات المتطرفة على استهداف بعض هؤلاء اللاجئين عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث توجد الكثير من الحسابات المزيفة للأشخاص على هذه المواقع، وهذا يؤكد أن التهديد الذي يستهدف الأردن قد تضاعف.


وفي السابق، كان مؤيدو داعش يتحدثون إلى الإعلام أو يعبرون عن آرائهم عن طريق الإنترنت، أما الآن فهم يعملون في الخفاء، مما يزيد من مخاطر وقوع هجمات انتحارية ما لم تقم الحكومة الأردنية باجراءات احترازية، إضافة لذلك فإن الأردن يعاني من مشكلات أخرى أكثر تأثيرًا في تنامي هذه الظاهرة، لكنها هذه المرة تتعلق بالجانب الاقتصادي؛ حيث يعاني الاقتصاد الأردني العديد من مظاهر التراجع بسبب التغييرات التي سببتها الاضطرابات الإقليمية الكبرى، والحرب الأهلية السورية، كما أن أسعار الطاقة في ارتفاع مستمر بوتيرة سريعة، وقد شهدت كل المؤشرات الاقتصادية انخفاضًا ملحوظًا، بالإضافة لذلك يوجد برنامج خصخصة كبير، وكل هذا أثر على الاقتصاد الذي عانى الكثير من الأزمات مما أدى إلى تكاليف إضافية في الوقت الحالي، بينما تواجه الأردن تهديدات داعش وآخرين.


المدفع صوب الأردن


يبدو المشهد في الجنوب السوري أكثر تعقيدًا هذه الأيام؛ فقد باتت المواجهة بين الأردن وداعش، مفتوحة على الخيارات كافة، في حين أن وتيرة المخاوف الأردنية من أوضاع الجنوب السوري، وإمكانية انتقال مخاطرها إلى داخل حدوده من خلال تفجيرات وعمليات تسلّل، آخذة في الارتفاع.


وتوعد التنظيم الأردن، ودعا أنصاره لتنفيذ عمليات على غرار عملية الكرك في 18 ديسمبر 2016، ونشرت ما يُسمى بـ«ولاية الفرات» تسجيلًا يظهر أربعة من مقاتليه، الذين قال إنهم أردنيون، وهم يقومون بذبح أربعة سوريين من «الصحوات» الذين تدربوا في الأردن لقتال التنظيم، فيما أقدم خامس على ذبح عنصر في المعارضة السورية التي تلقت تدريبًا في الأردن، بحسب التسجيل.


وسبق لداعش أن حذر الأردن من التعاطي مع الائتلاف الدولي الذي تقوده واشنطن، وسبق أيضًا لعمّان أن أعلنت رسميًا دعمها الجيش العراقي في مواجهة التنظيم الإرهابي، في حين وجه داعش، في أبريل 2017، تهديدًا عنيفا للملكة الأردنية، دعا خلاله أنصاره إلى تنفيذ عمليات في المملكة شبيهة بهجوم الكرك الذي وقع العام الماضي.


وتحت عنوان «فأبشروا بما يسوؤكم»، بث داعش إصدارًا مرئيًا، مدته 20 دقيقة، يحتوي مشاهد قاسية لعمليات إعدام وحشية لـ5 أشخاص، قال التنظيم: إنهم من القوات السورية التي تلقت تدريبًا عسكريًّا في الأردن، معلنًا في نهاية الإصدار أن الإعدامات الأخيرة التي نفذتها الحكومة الأردنية، لمُدانين بـ«الإرهاب»، ينتمون للتنظيم ولهم علاقة بما عرف بـ«قضية خلية إربد»، جاءت لطمأنة الغرب، مؤكدًا أنها لن تضمن الاستقرار كما يريد الأردن، ولعل هذه الإعلانات بمثابة نذيرًا لأشياء مقبلة.


وفي أغسطس من عام 2018، أدى هجوم إرهابي في مدينة السلط إلى مقتل 4 ضباط من الأمن الأردني وجرح 16 مدنيًا، واعتقل 5 مواطنين أردنيين ينتمون إلى داعش في أعقاب الهجوم. وكان لدى المهاجمين كميات كبيرة من المتفجرات محلية الصنع وكانت مدفونة في مكان قريب، والتي كان الهدف منها شن هجمات في المستقبل على المدنيين والمنشآت الأمنية.


وهاجم داعش عشائر الأردن، المتهمين بالتخلي عن أبنائهم الذين التحقوا بالتنظيم، وقاتلوا معه في سوريا، موثقًا إصداره بصور لأخبار نشرت عن إعلان بعض العشائر براءتها من أبنائها.


إن النشاط المتطرف في الأردن آخذ في الارتفاع منذ عام 2015؛ حيث كانت الحرب السورية تتجه بثبات إلى البلاد، مما أدى إلى تزايد عدد الخلايا الإرهابية ومحاولة شن هجمات. (3)


هل يمثل الأردن وجهة
الأردن وحدود المواجهة


يمتلك الأردن خبرة كبيرة في التعامل مع مثل هذه الأنماط من التهديدات منذ عام 2005، عندما قتل 57 شخصًا في هجمات نُسبت الى تنظيم القاعدة استهدفت ثلاثة فنادق في العاصمة عمان، كما تم توجيه ضربات عسكرية جوية ضد عناصر تابعة لتنظيم داعش الإرهابي، على الحدود الأردنية مع سوريا في الأول من أغسطس 2018.


لكن الآن تتعاظم التهديدات وكذلك فإن ديناميات تلك الجماعات شرعت في اتباع العديد من الوسائل الجديدة في الحشد والتجنيد والتوغل والانتشار.


إن الأردن تحتل المرتبة الثالثة كأكبر مصدر للمقاتلين الأجانب إلى  تنظيم داعش؛ حيث سافر ما يقدر بنحو 3000 متشدد أردني للانضمام إلى صفوف التنظيم، مما يثبت أن البلاد عرضة بشدة لموجات عديدة من التطرف. علاوة على ذلك، فقد ذكر تقرير المركز الدولي لدراسات التطرف العنيف لعام 2017، أنه بينما ينجذب العديد من الأردنيين إلى داعش بسبب البطالة والفقر؛ فإن قضايا مثل التهميش والتعليم الديني تلعب أيضًا دورًا مهمًا في التوظيف والعضوية.


ومع استمرار تراجع داعش في كل من سوريا والعراق، يمكننا أن نتوقع عودة المقاتلين الأجانب إلى بلادهم الأصلية. وفي حالة الأردن، يوجد 250 منهم بالفعل، وبينما نجحت عمّان سابقًا في منع الهجمات، سيصبح من الصعب على نحو متزايد القيام بذلك في الوقت الذي يبدأ فيه العائدون الأردنيون في الحرب الأهلية السورية بالفيضان، وسيكون لدى هؤلاء المقاتلين الأجانب، المجهزين بأيديولوجية داعش المدمرة والمسلحين بالتدريب القتالي وخبرات ساحة المعركة، القدرة على تجنيد وتعبئة السكان المستضعفين بشكل مباشر (أو التأثير عليهم من خلال الوكلاء والعلاقات العائلية).


والأكثر عرضة للخطر مما سبق، هو ملف اللاجئين السوريين في البلاد، واعتبارًا من فبراير 2018، كان هناك ما يقدر بـ657،628 لاجئًا سوريًا في الأردن، أي ما يعادل سبعة بالمائة من إجمالي سكان البلاد البالغ 9،5 مليون، ويعيش هؤلاء اللاجئون حاليًا في ظروف قاسية داخل مخيمات مكتظة؛ حيث يتعرضون لمستويات عالية من الجوع والفقر والجريمة المحلية، وكلها تعمل كمساهمين رئيسيين محتملين في التطرف.


وفي هذه الأثناء، لا تزال سياسة مكافحة الإرهاب في الأردن مثيرة للجدل؛ فعلى سبيل المثال، جُرّمت الحكومة الأردنية فعل الانضمام أو حتى تعزيز منظمات إرهابية، بما في ذلك تنظيم داعش. لكن هذا التركيز على «الأمن التقليدي» جعل من الصعب على السلطات في عمان أن توقف التوظيف الراديكالي أو الانخراط بشكل استباقي في المنافسة الأيديولوجية.


ومع ذلك؛ فقد بدأت المملكة الهاشمية في الحصول على مساعدة في هذا الشأن. ففي مارس 2018؛ اشتركت البلاد مع الولايات المتحدة في إطلاق مركز تدريب جديد لمكافحة الإرهاب جنوب عمان. ويأتي هذا المركز الذي صمم لزيادة قدرة الأردن على مكافحة الإرهاب الداخلي، ويستمر العمل به لأربع سنوات، مع تعهدٍ بتخصيص قرابة 350 مليون دولار من المساعدات العسكرية.


ويشهد الأردن حملة تستهدف مؤيدي داعش وغيرها من المنظمات المتطرفة، ففي الأشهر الأخيرة اُعتقل أكثر من 600 من هؤلاء، واُحيل إلى القضاء 150 شخصًا بتهمة إعلان تأييدهم لداعش أو هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا) المرتبطة بتنظيم القاعدة، وقد صدرت أحكام بحق 15 شخصًا، ووفق القوانين الأردنية فإن رسالة واحدة مؤيدة لداعش تُرسل عبر مواقع التواصل الاجتماعي كافية لسجن كاتبها لمدة قد تصل إلى خمس سنوات.(4)


ومع ذلك، فإن هذا الجهد لا يزال وليدًا ولم يحقق بعد أي نتائج ملموسة في تحسين الوضع الأمني في عمان. وهو أيضًا استثنائي؛ حيث لم يولِ المجتمع الدولي اهتمامًا كبيرًا بوجه عام إلى ضعف الأردن، مفضلًا التركيز على تفكيك والقضاء على تنظيم داعش بسوريا، ومحاربة مقاتلي التنظيم المتجهين إلى أوروبا.


ووفق تلك الدلائل فمن المرجح أن تكون الأردن عرضة لوقوع العديد من الهجمات الإرهابية، ووجهة رئيسية للتخريب من جانب داعش، ولعل هجوم «السلط» الإرهابي الذي وقع في أغسطس 2018، بمثابة دعوة للاستيقاظ وجهت للحكومة الأردنية والمجتمع الدولي كذلك.


إن داعش لا تشكل خطرًا على الأردن فحسب بل على العالم أجمع، ولكن قرب مناطق نفوذ التنظيم جغرافيًا من الأراضي الأردنية يعني أن التهديد الذي يشكله للمملكة يفوق ذلك الذي يشكله لغيرها من الدول.



الهوامش:

1)      الأردن وداعش والحرب على جبهتين، بتاريخ 2 ديسمبر 2014، على الرابط:

http://www.bbc.com/arabic/middleeast/2014/12/141201_jordan_isis_two_fronts

2)      الأردن يخشى من "إمارة" على حدوده.. "داعش" يهدد و"العشائر" تحذر، بتاريخ 6 أبريل 2017، على الرابط:http://cutt.us/99yQl                                                                                                                                                               

3)       الأردن يكشف تفاصيل عن خلية السلط: تكفيريون جدد مؤيدون لداعش، بتاريخ 13 أغسطس، 2018، على الرابط:                                                                                                                                         http://cutt.us/300aG

4)      Emily Przyborowski, Why Jordan Is Next for ISIS, 31 October, 2018, at:https://nationalinterest.org/blog/middle-east-watch/why-jordan-next-isis-34792?fbclid=IwAR2waHH_XUstX7WHjIRVrfE-T_LSwvZMTU3XSk59OYv3yFy8_WasLp6njS4

"