يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

حزب التحرير.. السير على خُطى الإخوان بأقنعة سياسية

الإثنين 22/أكتوبر/2018 - 04:53 م
المرجع
نهلة عبدالمنعم
طباعة

قد تتجه أغلب وسائل الإعلام نحو تغطية أيديولوجية المجموعات الإرهابية التي تبقى أفعالها ظاهرة على السطح، ومهددة للسلام الدولي، إلا أنها تغفل تيارات أخرى قد تكون أكثر خطورة، مثل «حزب التحرير» الذي ينطوي منهجه على نظرة مستقبلية تضرب بعمق وخفاء في ثقافة المجتمعات، في محاولة منها لتغيير وطمس هوية تلك المجتمعات؛ ما يجعلها فريسة سهلة تتقبل بأريحية عقيدة التكفير، وتعتنق فكرة الخلافة المنتظرة، وفقًا لمنظري الحزب.

حزب التحرير.. السير
منهجية «التحرير» الحزبية والأيديولوجية متلونة لجذب وتجنيد أكبر عدد ممكن من الأفراد -بل والجماعات أحيانًا- إلى أفكاره، وتنتشر المكاتب الدعوية والإعلامية للحزب في عشرات البلدان حول العالم من ضمنها دول القارة العجوز، في تشابه براجماتي يجمعه بالتنظيم الدولي للإخوان.

وباعتبار جماعة الإخوان هي المنهل الرئيسي الذي استقى منه التطرف أفكاره، بنى تقي الدين النبهاني -المؤسس لحزب التحرير- المرتكزات الرئيسية لحزبه، وتقي الدين النبهاني (1911-1977) هو قاضٍ فلسطيني، لمع اسمه في أوساط الإسلام الحركي منذ عام 1953، وذلك بعد تأسيسه لـ«حزب التحرير» متأثرًا بخطابات البنا، ومكرسًا لمنهج متقارب كثيرًا ومتطابق أحيانًا.
تقي الدين
تقي الدين
ولادة الفكرة
في ثلاثينيات القرن العشرين سافر تقي الدين من فلسطين إلى مصر لاستكمال تعليمه الجامعي بكلية دار العلوم، وفي الكلية تعرف إلى أتباع حسن البنا، وأعجب بفكر الجماعة (الوليدة وقتها).

وجاء إعلان الإخوان عن تدشين جماعتهم بعد سنوات قليلة من نهاية الدولة العثمانية (1299- 1923) تلك النهاية التي ألقت بظلالها على المراهقين الجدد ممن راودهم حلم باستعادة الخلافة، ليأخذهم هذا الحلم إلى هاوية التطرف، وتكفير حكام الحداثة، ورفض نظرية التطور.

بيئة خصبة أحداثها متلاحقة يملؤها التوتر والسقوط وانهيار دول وصعود أخرى، كل ذلك أثر في  تشكل مفاهيم تقي الدين، وفي إطار دراسة الظروف التي نشأ من نتائجها «حزب التحرير» لا يجب أن نغفل النكبة الفلسطينية عام 1948، وما أعقبها من خسارة للأرض واستثمار مذهبي، وتعد متاجرة أغلب الجماعات الإسلاموية بقضية القدس وعدم رفعها سلاحًا في وجه الغاصب المحتل، أوضح دليل على براجماتية حركات الإسلام السياسي.

خلافة مستقبلية
وفي ضوء ما سبق، أعلن تقي الدين النبهاني عن تأسيس «حزب التحرير» في عام 1953 منتقيًا مدينة القدس كانطلاقة لتوسعه الجغرافي، وبداية لتأصيل حلم الخلافة الذي يدعو الحزب لتحقيقه عالميًّا، مسميًا دول العالم بمصطلح «الولايات» والتي يتمنى ضمها تحت قيادة الأمير المؤسس تقي الدين النبهاني ومن تبعه من خلفاء مزعومين.

ويعتمد حلم الخلافة النبهاني على عدة مرتكزات محددة، أولها الحكم بكتاب الله والسنة المحمدية وفقًا للقاعدة القرآنية القائلة «إن الحكم إلا لله»، وبالتالي يكفر الحزب الحكام والقادة السياسيين وأتباعهم، ويعتبر أن الخليفة هو الحاكم الشرعي الصحيح، مع عدم الاعتراف بالقوانين الوضعية.

وبناء على ذلك، وضع الحزب قاعدة لتنصيب الخليفة عن طريق الاختيار والتزكية من القادة الكبار للجماعة أو مجلس شورى الحزب، على شرط أن يتم اختيار الخليفة الجديد بعد وفاة سابقه، وهذا يعني الرفض الواضح لسياسات الديمقراطية التي ينتهجها العالم الحديث.

علاوة على ذلك، يرفض حزب التحرير مفاهيم المساواة بين المسلمين والمسيحيين، بل يطالبهم بدفع الجزية في خلافته المزعوم انتصارها وتدشينها مستقبلاً.

فالمستقبل هو الجوهر الأساسي الذي تعمل من أجله الجماعة المصنفة «إرهابية» في عدد من الدول المختلفة، وفي سبيل ذلك تتبع في الغالب «سياسة النفس الطويل»، وذلك عن طريق نشر الأفكار الخاصة بها دون جهاد دموي مفرط قد لا تكون الأمة مستعدة له حاليًّا.

وتعتمد بدلاً من ذلك على تكوين وعي عام نقدي ينبذ الكيانات الدنيوية (الأنظمة السياسية، والأفكار الحديثة) ويكفر المستحدثات من خلال نشر المفاهيم الداعمة لذلك والكتب التكفيرية والأئمة التابعين لهم، حتى يحين وقت مناسب من وجهة نظرهم لإعلان الخلافة، ووقتها ستكون الأجيال قد اكتسبت مفاهيم الجهاد المزعوم عن كثب.

ومن ثم سيكون من الأسهل إقرار الفكرة وتنفيذها، بالإضافة إلى بقائها لفترة أطول، وهم في ذلك يتشابهون بعض الشيء مع جماعة الإخوان التي تتبنى أيضًا تربية الأفراد والأسر ثم المجتمعات حتى التوغل إلى السلطات السياسية بدعم أولئك الذين استوعبوا الفكرة.
حزب التحرير.. السير

رفض وقبول

منذ التأسيس شهدت المراحل التاريخية فترات انتشار وانحصار عالمي مختلفة، فالحزب بدأ من القدس وبعدها انتشر بالأردن إبان حكم الأردن للضفة الغربية بعد نكبة عام 1948، كما استطاع الحزب اقتحام مجلس نوابها عن طريق انتخاب أحد الأعضاء الموالين له وهو أحمد الداعور.


كما حظيت الدعوة بالقبول في عدد من البلدان الأخرى لتؤسس فيها فروعًا معلنة وأنشطة واضحة ومكاتب سياسية وإعلامية لا تزال تمارس فعالياتها في العلن، وذلك مثلما يحدث في لبنان.


وإلى جانب ذلك، يتمركز التنظيم بقوة داخل الدولة الأسترالية، ويعقد اللقاءات العامة وينظم الأنشطة المختلفة، وذلك تحت قيادة «إسماعيل الوحواح» فلكل فرع قائد وجميعهم يتبعون الأمير العام للجماعة، كما تنخرط الجماعة في الظهور في وسائل الإعلام الرسمية.


ونتيجة للحرية الممنوحة لحزب التحرير في أستراليا فقد قام بتجنيد عدد كبير من الأعضاء لتبني وجهات نظره وفلسفته الحركية حتى وصل عدد أعضائه إلى حوالي مليون شخص حول العالم؛ ما جعل كثيرًا من النشطاء المناهضين للحزب ونشاطه لتدشين دعوات إلكترونية مكثفة لحظر الحزب، وإعلانه منظمة إرهابية، وذلك بعد انتشار الحوادث الإرهابية ووقائع الكراهية من منتسبي الحركة.


ومن الدول الأخرى التي ترحب بوجود حزب التحرير المشهور غربيًا بالاختصار «HT» هي الولايات المتحدة الأمريكية التي يحتفظ فيها الحزب بموقع إلكتروني وحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، تتضمن نشر الرؤى السياسية التي يتبناها أصلًا ضد الكيانات الغربية.


وتنضم الدنمارك إلى مجموعة الدول التي ينشط بها الحزب علنيًّا، وذلك منذ عام 2000، ويتولى جونز كوك مهمة المتحدث الرسمي للفرع الدنماركي الذي يقبع في مقره الرسمي بكوبنهاجن، بالإضافة إلى ذلك ينشط الحزب أيضًا في كل من هولندا وباكستان وإندونيسيا ودول آسيا الوسطى، بما في ذلك أوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان.


أما في المملكة المتحدة، فيشهد الحزب فترات من الشد والجذب، فرئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون كان يطالب بحظره، ولذلك فالحزب ليس مرحبًا به رسميًّا ولكنه قيد المراقبة، وفي دراسة لمعهد «توني بلير» تم اعتبار الحزب المسؤول الرئيسي عن انتشار أفكار الإرهاب وسط الشباب والمراهقين الذين التحقوا بـ«داعش» فيما بعد.


وعلى العكس من ذلك فهناك دول تحظر الحزب وأعلنته من قبل جماعة إرهابية مثل ألمانيا وبنجلادش وغيرها، وتجدر الإشارة إلى أن الحزب قد أعلن بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير عن نشاطه في مصر، ولكن بعد اعتدال الأحوال وطرد المنبع «جماعة الإخوان» استتب الأمن في مصر، وحفظت من الجماعات الإسلاموية.


لم يتوقف الحزب بموت مؤسسه النبهاني، فبعد وفاة النبهاني تولى القيادة العامة الفلسطيني عبدالقديم زلوم (1924- 2003) وهو مدرس ولد بمدينة الخليل، وتعرف في شبابه على تقي الدين النبهاني، وأعجب بحزب التحرير، وانضم له وأسهم في مؤلفاته وكتابة معتقداته إلى أن أصبح رئيس الحزب.


وبعد وفاة زلوم تولى رئاسة الحزب عطا أبو الرشتة الفلسطيني الذي لا يزال على رأس التحرير حتى الآن، ويتحفظ الموقع الرسمي للجماعة عن إعلان مكان رئيسه لأسباب أمنية.


 اقرأ أيضًا: «فرسان تحت راية النبي».. سطور شيطانية بأقلام دموية

"