يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

كيف ترى التنظيمات المتطرفة حرب أكتوبر؟

الأحد 07/أكتوبر/2018 - 12:30 م
المرجع
أحمد سامي عبدالفتاح
طباعة

دائمًا ما تستدعي التنظيمات الإسلاموية، نموذج المعارك التاريخية الإسلامية في إطار تحفيزها للشباب على ارتكاب أفعال عنيفة ضد غير المسلمين، علاوة على استخدام هذه المعارك كوسيلة لتجييش النزعة الجهادية لدى عناصرها المتطرفة، فضلًا عن استقطاب آخرين.


ورغم أن حرب أكتوبر المجيدة كانت ضد إسرائيل التي تحتل أراضي عربية، فإن هذه الحرب رغم حداثتها ظلت غائبةً وبوضوح عن خطاب التنظيمات الإسلاموية؛ بسبب ما كانت تعتبره تلك التنظيمات أن الحرب اتخذت طابعًا قوميًّا وليس دينيًّا، وهو ما يعكس أن التنظيمات قامت بإعادة تأصيل مفهوم الجهاد لتُوَلِّد نوعًا من الاحتكار على حساب الجهاد القومي؛ بحيث يصبح العمل لديها ـــوفق رؤيتهاــــ نوعًا من «الجهاد المقدس»، الذي يتخذ من الغايات الدينية هدفًا له، عكس الجهاد القومي الذي يتقيد بحدود الدولة القومية؛ الأمر الذي يدفع التنظيمات الإسلاموية لنفي صفة الجهاد عن الجيوش النظامية ذات العقيدة القومية، بل ودفع عناصرها لاستهداف هذه الجيوش بعد تكفيرها.


ورغم أن الجهاد كمفهوم إسلامي له شقٍ يتعلق بجهاد المسلم لنفسه ومحاولته تطويعها على الأفعال الخيّرة، فإن المعنى الأكثر عمومًا من هذا المفهوم هو الجهاد المتعلق باستخدام القوة؛ من أجل مواجهة الأعداء.
كيف ترى التنظيمات
وفي هذا الإطار، يتعيّن أن نشير إلى أن الجهاد كمفهوم اتخذ صبغة دينية منذ نشأته؛ حيث ارتبط في بداياته بقيام المسلمين بفتح مناطق جديدة؛ من أجل نشر الإسلام فيها؛ الأمر الذي تطلب استخدام القوة لهزيمة الأعداء، فضلًا عن الحفاظ على الأراضي التي تم إخضاعها أو السيطرة عليها. 

ورغم أن هذا المفهوم لا غبار عليه فإن نشأة الحروب داخل الدولة الإسلامية وفق الولاءات، أحدثت نوعًا من التشويش بشأن أصول المفاهيم الدينية التي ارتبطت بالأساس بتوجيه أداة القتل نحو أعداء الدولة الإسلامية، وليس ضد الأفراد المسلمين الذين يخالفون الحاكم أو غيره في الرأي أو الفتوى.

وفي الصدد نفسه، حاول الكثير من الأطراف المتنازعة داخل الدولة الإسلامية إضفاء الشرعية على أفعالهم -الهادفة إلى السيطرة على منابع الحكم- من خلال وصف المُنافس بصفة الباطل الذي لابد من إقصائه خدمة للدين وللأمة.

وفي السياق ذاته، حاولت التنظيمات المتطرفة إثراء هذا المفهوم بما يحقق لها الصالح الخاص، من خلال استدعائه في معاركها البَيْنِية مع غيرها من التنظيمات التي تخالفها الرأي في قضية ما، أو تنازعها الحكم أو المصلحة. 
كيف ترى التنظيمات
فكرة الجهاد القومي
يُقصد من الجهاد القومي الذي يتم وفق أهداف قومية، بمعنى أن يتم تحريك القوات العسكرية؛ لتحرير جزء من الأراضي الواقعة داخل إقليم دولة ما، أو حتى تحريك القوات؛ من أجل احتلال جزء من إقليم دولة أخرى وفق مبدأي المصلحة والأمن القومي.

بعبارة أخرى، حينما تتحرك القوات التابعة لدولة ما؛ من أجل تحقيق مصلحة خارجية لها، فإن ذلك يعد جهادًا قوميًّا لتحقيق منفعة قومية، وفي الإطار ذاته، قد يتصادم الجهاد القومي لدولة مسلمة مع الجهاد القومي لدولة أخرى مسلمة.

بعبارة أخرى، إذا اختلفت دولتان مسلمتان على تحقيق مصلحة بينية، واضطر كل طرف لاستخدام القوة العسكرية، فإن كل طرف سوف يحفز مقاتليه من منظور جهادي، وسوف يصبح قتلى كل طرف شهداء من وجهة نظر السلطة الدينية العليا في كل دولة.

وتختلف التنظيمات المتطرفة مع مفهوم الجهاد القومي، للعديد من الأسباب، لعل أهمها هو رفض التنظيمات لفكرة الدولة القومية القائمة على إقليم يتم عزله عن غيره من الدول بواسطة حدود مصطنعة.

وترى هذه التنظيمات ضرورة تغليب الهوية المسلمة على الانتماءات العرقية في المناطق ذات الأغلبية المسلمة، ويفسر هذا الأمر عزوف التنظيمات المتطرفة عن الاحتفال بذكرى حرب أكتوبر.
كيف ترى التنظيمات
الجهاد الديني والاقتتال البيني
من الملاحظ أن الجهاد الديني لا يختلف كثيرًا عن مفهوم الجهاد القومي حينما يتعلق الأمر بتحقيق المصلحة؛ حيث هناك العديد من التنظيمات الإسلاموية التي تتبنى فكرة الجهاد الديني، لكن هذا التنبي لم يكن كافيًّا لمنع الاقتتال البيني بين هذه التنظيمات، فتارةً يتم استخدام مفهوم الجهاد الديني؛ من أجل القضاء على الخصم لمجرد مخالفة فقهية، وتارة أخرى يتم استخدامه؛ من أجل بسط القوة والنفوذ والسيطرة على الأراضي، وفي مرات أخرى يتم استخدامه بدعوى توحيد الصفوف. 

وفي كل اقتتال بيني، يدعي كل طرف امتلاكه للصواب المطلق، متجاهلين أنها حرب؛ من أجل المصلحة برداء ديني، فعلى سبيل المثال القتال الذي دار بين تنظيم «داعش» وجبهة النصرة في سوريا، كان أساسه محاولة «داعش» فرض سطوته على الوضع العسكري في سوريا؛ الأمر الذي رفضته النصرة؛ ما أدى إلى اقتتال بينيٍّ بعد دعاوي التكفير المتبادلة التي كانت ضرورية؛ من أجل إقناع الأفراد المنتمين لكل طرف بضرورة توجيه بنادقهم نحو الطرف الآخر.
كيف ترى التنظيمات
حرب أكتوبر والتنظيمات المتطرفة 
وحرب أكتوبر تمثل إشكالية للتنظيمات المتطرفة؛ لأنها أثبتت قدرة الجيوش العربية على خوض المعركة بمفردها متى توفرت الإرادة والمسببات لذلك؛ ما يعني أن مجرد الاستدلال بحرب أكتوبر يعد اعترافًا من التنظيمات المتطرفة بالدور الجهادي الذي تلعبه الجيوش العربية. 

وفي إطار المفهوم الحديث للدولة، يتم تركيز القوة العسكرية في أيدي السلطة الحكومية؛ ما يجعل من الجيوش العربية عدوًّا للتنظيمات المتطرفة أو أي تنظيم آخر ينازع الدولة سيادتها على جزء من أراضيها؛ الأمر الذي يدفع تلك التنظيمات إلى تكفير الجيوش العربية، ودعوة الأفراد إلى عدم الالتحاق بها.

كما يفسر هذا العداء عدم استدلال التنظيمات المتطرفة بحرب أكتوبر أو الاحتفال بها؛ لأن مجرد فعل ذلك سيقلل من مصداقية هذه التنظيمات لدى أفرادها، وسوف يحدّ من قدرتها على استقطاب أفراد جُدد، فضلًا عن تراجع قدرتها على الحد من تعبئة النزعة الجهادية لعناصرها المتطرفة.
"