يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

مزاجية «صقور الإخوان».. معيار تداول السلطة داخل الجماعة

الثلاثاء 18/سبتمبر/2018 - 01:42 م
الإخوان
الإخوان
دعاء إمام
طباعة

لم تسمح جماعة الإخوان (أسست عام 1928)، على مدار تاريخها، بتبيان أسس وقواعد تداول السلطة داخلها؛ إذ كان طموح شباب الجماعة (المجردين من أي سلطة) إلى تولي مناصب قيادية، سببًا في الخلافات المتعاقبة بين ثنائية الصقور والحمائم، التي أطلت برأسها مجددًا في الأشهر الماضية، بعد تخلي القيادات عن الشباب المنتهية إقامتهم في تركيا واستدعاء الأمن لهم.


وفي ظل غياب التداول الديمقراطي للآراء والمناصب داخل الجماعة، أثيرت مسألة التجديد لتصعيد جيل من الشباب، لا سيما التيار المنتمي لـ«محمد كمال»، عضو مكتب الإرشاد السابق، والذي يوصف بـ«قائد الجناح المسلح»، وخلافاته مع التيار القطبي، الذي يتزعمه محمود عزت، القائم بأعمال المرشد. 


محمود عزت ومحمد كمال
محمود عزت ومحمد كمال
علنية الخلافات وسرية المعيار
لم يكن الصراع داخل جماعة الإخوان حدثًا جديدًا، بيد أن التعبير العلني عن الخلاف الذي طال أمده، كان الأمر اللافت؛ إذ تسببت القاعدة الشبابية في خروج الخلافات من طور السرية، والإعلان عن جوهر الصراع، المتمثل في قواعد إدارة الجماعة وعمليات اتخاذ القرارات الداخلية.

وبعد سجن وهروب قيادات جماعة الإخوان في أعقاب ثوة 30 يونيو 2013، التي أزاحت الإخوان من الحكم، احتدم الصراع بين كل من: محمود عزت، ومحمد كمال؛ للاستئثار بقيادة الجماعة؛ وكان لكل طرف «دراويش» يحملون فكره؛ إذ انحاز القطبيون لجبهة «عزت»، ووقف الشباب المطالبين بتغيير دماء الجماعة وتصعيد قيادات جديدة في صف «كمال».

تبادل أنصار الجبهتين اتهامات بالتزوير واللاواقعية، فبينما أعلن الشباب عن تشكيل مكتب إرشاد مؤقت في عام 2016، أجرى «عزت» انتخابات للإخوان المقيمين بالخارج، وصفها من يوالون «كمال» بـ«المزورة»، غير أن المعارك على الزعامة لم تنته حتى الآن، ويظل السؤال عن معيار انتقال السلطة داخل الجماعة قائمًا. 
 المرشد السادس مأمون
المرشد السادس مأمون الهضيبي
أزمة إنتاج القيادة
تلّا وفاة المرشد السادس مأمون الهضيبي عام 2004، حديث عن أزمتي قيادة، وإنتاج قيادة بالمعنى الفكري، وظهر نقد من دعاة التجديد للإجراءات المتبعة في اختيار المرشد العام، بالمعنى الإجرائي والتنظيمي، داعين إلى تغييرات في القواعد المتبعة، وتغيير النظم واللوائح المعمول بها.

وبعد استمرارية تصعيد العجائز، دون معايير واضحة تخضع لها عملية اختيار المرشد العام، شهدت الجماعة عام 2010 انقلابًا داخليًا، انتهى بانتصار التيار القطبي الذي يمثله محمد بديع (المرشد الحالي)، على التيار الإصلاحي الذي تزعمه محمد حبيب نائب المرشد آنذاك، وعبدالمنعم أبوالفتوح (المدرج على قوائم الإرهاب في فبراير 2018)، أدى إلى خروجهم من الجماعة.

كان تصعيد «بديع»، بمثابة عملية اختيار وليست انتخابًا؛ نظرًا لعدم إيمان بالديمقراطية، لأنها إنما تتخذ من منهاج سيد قطب في فكر الابتلاء الذي يبرر لها ما تقوم به، لذلك كان اختيار بديع، الذي كان شخصُا مجهولًا لشباب الجماعة، مرشدًا ثم طرح اسمه لعملية انتخاب صورية لتجميع الأصوات فقط، ومن ثم الإطاحة بمن يقف في وجه استيلاء القطبيين علي مقاليد الحكم في الجماعة.

للمزيد:
 الباحث الموريتاني
الباحث الموريتاني محمد بن المختار الشنقيطي
خلل في البنية القيادية
وفي مطلع العام 2004، انتقد الباحث الموريتاني محمد بن المختار الشنقيطي، المحسوب على الإخوان، سياسة الجماعة ولوائحها، معتبرًا أن هذه اللوائح تكشف عن خلل خطير في البنية القيادية للإخوان في مصر، وفي التنظيم الدولي.

وقال «الشنقيطي»: إن الهيئة التأسيسية للإخوان منحت نفسها شرعية دائمة، وحرمت أعضاء الحركة غير المؤسسين من أي حق في تغييرها، أو مشاركتها حق اختيار القيادة، وهو إخلال بمبدأ الشرعية القيادية منذ البدء.

وبيّن الباحث الموريتاني، في مقال له بجريدة «الشرق الأوسط» السعودية، نُشر في 11 من يناير 2004، أن اللائحتين الأساسيتين المعمول بهما في الجماعة لا يشيران إلى أي نوع من الانتخاب أو تجديد انتخابي تخضع له الهيئة التأسيسية، وكل ما ذكر هو ما ورد في المادة 33 من النظام الأساسي، من أن الهيئة التأسيسية تتألف من «الإخوان الذين سبقوا بالعمل لهذه الدعوة». وقد كانت هذه الهيئة التأسيسية تتكون من 100 إلى  150 عضوًا حتى عام 1954  ثم تناقصت بعد ذلك حتى أصبح عددها 60 عضوًا فقط في عام 1986.

وتابع «الشنقيطي»، «أراد المؤسسون أن يعوضوا حرمان أعضاء الحركة حق الاختيار، من خلال ما يسمى بـ«سياسة الإلحاق»، فمنحوا الهيئة التأسيسية الحق في ضم أعضاء جدد إليها (إن شاءت) لا يزيد عددهم على 10 سنويًا، وهي سياسة غير كافية للتجديد الذاتي».

وبحسب الباحث الموريتاني، منحت المادة 11 من النظام العام، مجلس شورى الإخوان صلاحية انتخاب المرشد، كما أعطى النظام الأساسي هذه الصلاحية للهيئة التأسيسية من قبل، لكن الإشكال ظل دائمًا يكمن في: من ينتخب المنتخبين؟، إذ بقي هذا الحق محصورًا في أصحاب «الهيبة التاريخية، والسبق الزمني».
حسن البنّا
حسن البنّا
«الشنقيطي».. رأس «الأفعى الإخوانية» في يد الدوحة
الخليفة الثاني
وفي توثيقها لتنصيب المرشد الثاني، ذكرت «إخوان ويكي» فيما يتعلق باختيار خليفة لـ«حسن البنّا» مؤسس الجماعة، أن: «الإخوان أخذوا يبحثون عن قائد آخر يقود سفينة الدعوة، ورشحوا لهذا المنصب أكثر من أخ من الإخوان العاملين، منهم: حسن الباقوري، وعبدالرحمن البنا، وصالح عشماوي، وعبدالحكيم عابدين، إلا أن الأغلبية في الهيئة التأسيسية أجمعت على انتخاب حسن االهضيبي، وبقي يؤدي عمله سرًّا نحو ستة شهور، ولم يترك العمل في القضاء خلالها».

ولما سمحت الحكومة للهيئة التأسيسية للإخوان بالاجتماع عام 1951، طلب أعضاؤها من «الهضيبي» أن يرأس اجتماع الهيئة بصفته مرشدًا للجماعة، ولكنه رفض طلبهم إذ اعتبر انتخابه من قبل الهيئة التأسيسية في المرحلة السرية من الدعوة لا يمثل رأي جمهور الإخوان، وطلب منهم أن ينتخبوا مرشدًا آخر غيره، ولكن الإخوان رفضوا طلبه وبايعوه مرشدًا ثانيًا.
الباقوري
الباقوري
مخالفة قواعد الجماعة
ويبقى السؤال: هل كان في تنصيب الهضيبي منافاة لقانون الجماعة ووصية البنّا؟ يجيب «الباقوري» أنه كان الأحق بمنصب المرشد، إذ لفت في حواره مع الكاتبة نعم الباز، إلى تلك الحقيقة فقال: «قد أكون أحق الإخوان بعضوية مكتب الإرشاد بل وبالمرشد العام للإخوان المسلمين؛ من ذلك أن حسن البنا أوصاني أن أعتني بأسر الإخوان المعتقلين، وهذه وصية كان لابد أن أنفذها وأى واحد يغالبني عليها لابد أن أغالبه».

وبتتبع السيرة الذاتية للمرشد الثاني (الهضيبي)،  فإن انضمامه للجماعة كان في 1942 وبقي سريًّا؛ نظرًا لعمله كقاضٍ ورئيس لمحكمة استئناف القاهرة آنذاك، ومع ذلك فإن من شروط تعيين المرشد حسبما جاء في موسوعة الإخوان الإلكترونية، أن يكون مضى على انتظامه في الجماعة أخًا عاملًا مدة لا تقل عن خمس عشرة سنة هلالية ولا يقل عمره عن أربعين سنةً هلاليةً، وبعد انتخابه يبايعه أعضاء الجماعة وعليه التفرغ تمامًا لمهام منصبه للعمل بالجماعة.
الباحث في شؤون الحركات
الباحث في شؤون الحركات الإسلامية أحمد بان
المرشد السري
لجأت الجماعة خلال تاريخها إلى حيلة «المرشد السري» الذي يعرفه «صقور الجماعة» فقط، لكي تحفظ وجود المرشد بعيدًا عن الملاحقات الأمنية، فحين مات البنّا انقسمت الآراء داخل المحفل الإخواني حول اختيار إمام لهم، وظلت الجماعة من 1949 حتى 1951 بلا مرشد.

ويقول الباحث في شؤون الحركات الإسلامية أحمد بان، إن من شغل هذا المنصب خلال هذه المرحلة، بشكل سري كان مصطفى مشهور (المرشد الخامس للجماعة فيما بعد).  

وأُثيرت قضية المرشد السري، مرة ثانية بعد وفاة الهضيبي (المرشد الثاني)، حسبما أفاد مؤرخ الجماعة أحمد رائف، الذي حضر اجتماع في الكويت مع عدد من قيادات الجماعة في منزل المستشار عبدالقادر حلمي (عضو مكتب الإرشاد)، مدعوًا لاجتماع من بعض الإخوان هناك، وطُلب من الحضور مبايعة مرشد سري، دون الكشف عن هويته حتى لأعضاء الجماعة، فرفضوا وانتهى الاجتماع دون إعلان الاسم أو المبايعة التى تمت بشكل سري في مصر، وكان على أوثق الروايات حلمي عبدالمجيد، الذي بقى مرشدًا سريًّا للجماعة حتى العام 1976.

أما «إخوان ويكي»، فلها رواية أخرى عن المرشد السري الثاني، وهو الشيخ الضرير محمد مرزوق الذي كان نائبًا للهضيبي في إدارة الاجتماعات في حال تغيب الأخير، وطُلب منه تيسير أعمال الجماعة منذ نوفمبر 1973 حتى 1975، إلا أن بعض الإخوان رفضوا مبايعة مرشد لا يعلمون اسمه أو هويته، وانتهى الأمر بمبايعة عمر التلمساني المرشد الثالث للجماعة من 1975 حتى 1986.

وفي أغسطس 2013، كشفت صحيفة «ديلي تليجراف» البريطانية عن مرشد سري لجماعة الإخوان يختبيء في لندن هو جمعة أمين عبدالعزيز، لافتة إلى إنه عُيّن مرشدًا للجماعة فى أعقاب القبض على سلفه محمد بديع (المرشد الثامن) في القاهرة، وأشارت إلى أن المرشد الجديد، الذى يبلغ 79 عامًا، انتقل إلى بريطانيا في يونيو من العام نفسه لتلقي العلاج ؛ لذلك استطاع الإفلات من الاعتقال بعد عزل  الرئيس المنتمي للجماعة محمد مرسي (2012-2013) من منصبه، موضحة أن «أمين» ينظم من هناك رد فعل الإخوان على الإطاحة بـ«مرسي».
 إسماعيل ناجي الشيخ،
إسماعيل ناجي الشيخ، عضو مجلس الشورى الوطني لحركة النهضة الجزائرية
وثنية تنظيمية
وعن أسباب استمرار عجائز الجماعة في مناصبهم، قال إسماعيل ناجي الشيخ، عضو مجلس الشورى الوطني لحركة النهضة الجزائرية، إن أفكار الزعيم الأوحد والأبوية والجيل المؤسس تسيطر على الجماعة؛ مما يجعل تصعيد الشباب أمرًا صعبًا، وأيضًا اعتراضهم على هذه الأفكار يتناقض مع مفهوم «البيعة».

وأضاف «الشيخ»، في تصريحات خاصة لـ«المرجع»، أن الإخوان يتخوفون من التجديد؛ خشية تعرضهم لانتقادات بتخليهم عن مبادئ الرعيل الأول، مضيفًا أن هناك «وثنية تنظيمية» داخل الجماعة، وأن عدم تداول السلطة أو وجود معايير واضحة للترقي تسبب في حالة من صراع الأجيال، وهو أمر منافٍ للدين الذي يقر بالشورى.

ويشير حمزة محسن، أحد شباب الإخوان الذين يقومون بمراجعات فكرية داخل سجن الفيوم، إلى أن جميع أفراد التنظيم (بتعميم يقصده) أصبحوا مُدجّنين في حظيرة يقودها مجموعة من القطبيين (نسبة إلى سيد قطب)، الذين غادروا التاريخ والجغرافيا، وفشلوا في كل شيء؛ إلا إحكام السيطرة على هذه الحظيرة، نافيًا وجود ثنائية الصقور والحمائم داخل الجماعة.

وأكد «محسن»، في تصريحات خاصة لـ«المرجع»، (أدلى بها من محبسه) أن  الذي يمتلك الجرأة في النقد (أيًّا كان موقعه) يصبح مغضوبًا عليه، ولا ينعم برعاية الحظيرة ويخرج من اللعبة بقرار أحدهم، وحتى لو اعتبر نفسه إخوانيًّا، فهم لا يعتبرونه كذلك؛ فالنموذج المثالي للفرد الإخواني هو «الأخ الذي يسمع الكلام».
"