يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«فقهاء الشرط».. قراءة في تجربة «الإصلاح الديني» بالمغرب

الثلاثاء 31/يوليو/2018 - 02:43 ص
صورة الملك محمد السادس
صورة الملك محمد السادس مع الشيخ الفزازي
محمد الدابولي
طباعة
نجح المغرب خلال الفترة الأخيرة في تقليل المخاطر الإرهابية، وتفكيك العديد من الجماعات والخلايا الإرهابية، رغم أنها تقع في بيئة إقليمية مضطربة تعج بالجماعات والتنظيمات الإرهابية التابعة لتنظيمي «القاعدة» و«داعش».



«فقهاء الشرط».. قراءة
وفي مطلع الألفية الجديدة، شهدت كبرى المدن المغربية «الدار البيضاء»، تفجيرات إرهابية في عام 2003، أودت بحياة 45 شخصًا، وكشفت التحقيقات حول ملابسات التفجيرات، أن منفذي الهجمات كانوا من المناطق التي تنعدم فيها سيطرة الدولة على الخطاب الديني؛ ما استدعى وقتها تدخلًا حكوميًّا؛ لبحث الظاهرة الإرهابية، ومعالجة الخطاب الديني، وإبعاد التيارات الإسلاموية المتطرفة عن مفرداته.

محاربة الإرهاب
في عام 2004 أعلن ملك المغرب «محمد السادس بن الحسن»، المقاربة المغربية لمحاربة الإرهاب والتطرف؛ حيث ترتكز على 3 محاور رئيسية، وهي: «الإصلاح الديني للمؤسسات الدينية، وإنشاء قوى أمنية قادرة على مواجهة التنظيمات الإرهابية، والتنبؤ بالمخاطر الإرهابية ومعالجة دوافع التطرف والإرهاب، مثل التهميش الاقتصادي بتحقيق التنمية الاقتصادية الفاعلة».

في الفترة ما قبل تفجيرات الدار البيضاء، غابت المؤسسة الحكومية عن معظم الفواعل الدينية في المجتمع المغربي، فمعظم تلك الفواعل الدينية مثل «فقهاء الشرط» تميزت بالطابع الأهلي، بعيدًا عن التدخل الحكومي؛ ما أسفر عن تنامي وتغلغل التيارات الإسلاموية المتطرفة في المجتمع المغربي في فترة التسعينيات.

ارتأت المقاربة الحكومية لمحاربة الإرهاب ضرورة إصلاح وتطوير الخطاب الديني، عبر فرض السيطرة الحكومية على مفردات الخطاب الديني، وضمان ابتعاد مفردات الخطاب الإسلاموي المتطرف عن المجتمع المغربي.

فوضى الإفتاء والتعليم
من أهم أسباب تغلغل الخطاب المتطرف في المجتمعات الإسلامية، كانت فوضى الإفتاء التي تستغلها الجماعات المتطرفة، في نشر الفتاوى الضالة والشاذة؛ لذا أُنشئت «هيئة عليا للإفتاء» تابعة للمجلس العلمي الأعلى، وتم قصر حق الفتوى في المغرب على «هيئة الإفتاء» دون غيرها.

وللقضاء على التداخل بين الدين والسياسة، صدر مرسوم ملكيّ في عام 2014 يحظر على الأئمة والخطباء في المساجد تبني المواقف السياسية الخاصة بالأحزاب والجماعات السياسية في البلاد. 

واصلت الحكومة المغربية في مرحلة ما بعد تفجيرات الدار البيضاء، تطوير المؤسسات الدينية؛ حيث تم هيكلة وزارة الأوقاف لضمان سيطرتها على معظم المساجد في المغرب، واستحداث مديرية التعليم العتيق -الديني- بها.

ومر «التعليم العتيق» بعملية تطوير واسعة في 2004، مبتعدًا عن الأساليب الكلاسيكية في التعليم الديني، حيث بات الطالب الدارس للعلوم الشرعية يتلقى قسطًا من اللغات الأجنبية والانفتاح على العلوم الإنسانية والاجتماعية. 
 الباحث في الشأن
الباحث في الشأن المغربي عبد الرحمان فضلي
فقهاء الشرط
كشفت أحداث الدار البيضاء، تنامي التيارات المتطرفة في الريف المغربي؛ ما دفع الحكومة إلى فرض سيطرتها على الخطاب الديني، عبر مؤسسة ما يسمى بظاهرة «فقهاء الشرط» في المناطق الريفية.

«فقهاء الشرط» هي فئة من المجتمع المغربي مهمتهم أداء الخدمات الدينية، مثل إمامة الناس في صلواتهم، وإفتاء بالآراء الدينية فيما يخص دينهم ودنياهم، وما كان يميز فقهاء الشرط في السابق، أنهم كانوا يعملون وفق ارتباط شفوي مع وجهاء وعوائل القرى المغربية، فالعوائل تتكفل بإسكان الفقيه وإطعامه وتقدم المبالغ المالية له.

إلا أن عملية إصلاح «فقهاء الشرط» التي تمت في عام 2008 هدفت بشكل رئيسي إلى بسط سيطرة الدولة على الخطاب الديني في مناطق الريف، بتأطير مهنة فقهاء الشرط بدفع بعض المعونات الشهرية لهم، وإعلامهم بمفردات الخطاب الديني الذي تتبناه الجهات الرسمية في الدولة.

على صعيد متصل، يرى الباحث في الشأن المغربي «عبدالرحمن فضلي»، أن هدف المشروع هو إعادة ترتيب الفاعلين في الشأن الديني بالمجتمع المغربي، بعد تنامي الجماعات الإرهابية في مطلع الألفية الجديدة.

ويضيف «فضلي»، أن عملية التأطير الحكومي لمهنة «فقهاء الشرط» في المغرب، أدت إلى العديد من التداعيات السياسية والاجتماعية التي أثرت بشكل كبير على مستقبل التنظيمات المتطرفة في المغرب، مثل حرمان التنظيمات المتطرفة من السيطرة على المساجد والدعوة الدينية في مناطق الريف، عكس ما كان شائعًا في فترة التسعينيات عندما تمددت التيارات الإسلاموية مستغلةً غياب الحكومة عن الخطاب الدعوي الموجه لمناطق الريف.

تداعيات الإصلاح الديني
تؤكد الشواهد أن الإصلاح الديني في المغرب نجح في تجنيب البلاد ويلات الإرهاب والتنظيمات المتطرفة، فخلال 15 عامًا منذ تفجيرات الدار البيضاء، لم تتعرض المغرب لعمليات إرهابية مؤثرة، سوى مرة واحدة في أبريل 2011، حيث استهدفت عبوة ناسفة أحد المقاهي السياحية بمدينة مراكش، ومنذ ذلك الحين لم تشهد المغرب أية عمليات إرهابية مؤثرة على غرار تفجيرات الدار البيضاء، وهو ما يضعها في مصاف الدول التي نجحت في تفكيك التطرف والإرهاب.

ثمار تفكيك التطرف
في يوم 28 مارس 2014 بمسجد «طارق بن زياد» في مدينة طنجة، صعد أحد مسئولي هجمات الدار البيضاء الداعية السلفي «محمد الفزازي» منبر المسجد، ليخطب الجمعة، وكان يستمع للخطبة في الصف الأول من المصلين، الملك المغربي «محمد السادس».

شاهد.. خطبة الشيخ الفزازي في حضور الملك السادس
الفارق الزمني بين تفجيرات الدار البيضاء وخطبة «الفزازي»، لا يتجاوز أحد عشر عامًا، تغير فيها شكل التنظيمات المتطرفة في المغرب تمامًا، ففي عام 2003 توحشت تلك التنظيمات ضاربة استقرار البلاد، لإنشاء ما يسمى بـ«الدولة الإسلامية»، ونعت «الفزازي» وقتها الملك بـ«الطاغوت»، مطالبًا بضرورة التخلص منه، كما حرض على تفجيرات الدار البيضاء، ما أدى إلى الحكم بسجنه 30 عامًا.

لكن ما حدث في مارس 2014، يعد دلالة تاريخية على نجاح التجربة المغربية في تفكيك التطرف والإرهاب، فالتحول الفكري الذي أصاب «الفزازي» وأتباعه، دلالة قوية على ذلك، وهو ما تسبب في صدور عفو ملكي عام 2012 عن الكثير من أتباع التيار السلفي الجهادي، وإعادة إدماجهم مرة أخرى في المجتمع المغربي، مثل الشيخ «الشاذلي» الذي قضى 8 سنوات في السجن، ليخرج معلنًا عن مبادرة بعنوان «الإصلاح وخدمة الوطن» ومؤسسًا لـ«التيار السلفي للإصلاح السياسي». 

اقرأ.. علاقة السلفية المغربية بالإرهاب

لذا تعد تجربة المغرب في محاربة التطرف والإرهاب، رائدة في منطقة حوض البحر المتوسط، فمؤخرًا نشطت الشراكات المغربية الأوروبية في هذا المجال، والتنسيق الأمني بين المغرب وإسبانيا على سبيل المثال، نجح في الكشف عن خلية داعشية تنشط في إسبانيا والمغرب. 

اقرأ أيضًا.. «العائدون من داعش».. قنبلة موقوتة تهدد المغرب
"