يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

المذبحة الداعشية في «السويداء».. الدلالات وردود الفعل

الخميس 26/يوليو/2018 - 11:02 م
مذبحة السويداء- أرشيفية
مذبحة السويداء- أرشيفية
نورا بنداري
طباعة
في حلقة جديدة من سلسلة أعمال تنظيم «داعش» الإرهابي، جاءت هجمات السويداء الأخيرة، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من مائتي شخص في محافظة السويداء جنوب سوريا، في حصيلة تعد الأكبر في محافظة كانت إلى حدٍّ كبير في منأى عن النزاع الذي يعصف بسوريا منذ سنوات عدة.

المحافظة التي تتمتع بموقع جيوسياسي هام، وبها غالبية من الموحدين الدروز، كانت تخضع لـ«داعش»، إلى أن انسحب منها عام 2017 بعد معارك مع ما يُسمى بـ«الجيش السوري الحر»، الذي انسحب هو الآخر أمام تقدم قوات النظام السوري في أغسطس من العام ذاته.

آثار الهجوم الداعشي على السويداء العديد من التساؤلات بشأن توقيت التنفيذ، وكذلك عن محاولات التنظيم للعودة إلى المشهد مرة أخرى، ليس في سوريا فحسب، بل في العراق أيضًا، وذلك بعد أن قدم التنظيم في 25 يوليو الحالي، استعراضًا عسكريًّا لعناصره وأسلحته في المحافظتين العراقيتين «صلاح الدين، ونينوى»، وهذا الاستعراض يشابه -إلى حدٍّ ما- ذلك الذي قدمته عناصر التنظيم إبان سقوط المحافظات بيدهم، فـ«داعش» يريد من خلال ذلك إثبات عودته بقوة إلى العراق.
المذبحة الداعشية
توقيت الهجوم
جاء هذا الحدث الدموي في توقيت يثير الريبة، ويرجع هذا حول مقدرة التنظيم على قطع عشرات الكيلومترات للوصول إلى منطقة النزاع، وفتح جبهة طويلة من المعارك هناك، فضلًا عن وصوله إلى قلب مدينة «السويداء»، وتنفيذ عمليات انتحارية، وفتح النار على المدنيين، بعيدًا عن مقرات النظام والميليشيات الموالية له، ما يوضح أن هجوم «داعش» بهذا الشكل عبر تسلل عدد محدود من العناصر، هدفه إثارة الرعب بين المواطنين، حيث أطلقوا رصاصهم في وسط المحافظة، ورموا القنابل، وفجر عدد منهم أنفسهم بالمدنيين.

بيد أن أبناء محافظة السويداء يشعرون بالخطر منذ انتهاء «اتفاق جنوب دمشق» بين الروس والنظام السوري؛ ما أدى إلى جعل هذه المحافظة شبه خالية من القوات النظامية، بعد أن كلفت ميليشيات الدفاع الوطني وميليشيات الحزب القومي السوري وبعض المجموعات الصغيرة الموالية للنظام، بحماية حدود المحافظة الشرقية، رغم قلة عددهم وضعف عتادهم، إذ إن غالبية أسلحتهم خفيفة ومتوسطة، ذلك سهل الهجوم الإرهابي لـ«داعش»، بعد أن جلب مقاتلي «داعش» بكامل عتادهم إلى بادية السويداء الشرقية، ومن ثم بدأت العمليات العسكرية في جنوب سورية وفي عمق بادية حمص.

فقبل أيام كان ممثل الحكومة الروسية في لقاء مع مشايخ المحافظة؛ لسماع اقتراحاتهم لتسوية وضع حوالي 43 ألف شاب ممتنع عن الخدمة العسكرية، وحينها أكد المشايخ أن المحافظة خالية من الإرهاب، وأن أبناء المحافظة حملوا السلاح لأسباب أمنية وتهديدات خارجية وداخلية، مبدين استعدادهم لبحث تسوية؛ تُبقي على شباب المحافظة داخل محافظتهم، وعلى السلاح الخفيف، إضافة إلى مجموعة طلبات تفصيلية ستسلم للروس.
المذبحة الداعشية
ورقة ضغط
في هذا السياق، يأتي هجوم «داعش» كورقة ضغط على أهالي السويداء من جهة، وحول التوافقات الدولية بشأن مواجهة التنظيم وحماية أبناء المحافظة من جهة أخرى، الأمر الذي يعرض المحافظة خلال الأيام المقبلة لتكرار هذه الهجمات، وبوحشية أكبر، وهذا سيدفع أبناء المحافظة إلى اللجوء للروس والنظام السوري طالبين الحماية، إذ ليس لديهم الإمكانيات العسكرية للدفاع عن أنفسهم لفترة طويلة.

ذلك الأمر قد يكون المبرر لإجراء تسوية للمتخلفين عن أداء الخدمة العسكرية، وتنظيمهم في الفيلق الخامس المدعوم من روسيا، ومن ثم الوصول إلى الأهداف الرامية إلى إعادة فرض هيمنة الروس والنظام على «السويداء» ليسهل عليها إدارة هذه المنطقة.

رسائل داعشية
لم يتوان «داعش» عن إعلان تبنيه هجمات السويداء، وهذا لبعث رسائل متعددة، يأتي من أهمها أنه مازال موجودًا رغم الخسائر المريرة والهزائم المتلاحقة التي أفقدته الأغلبية الساحقة من مناطق سيطرته ونفوذه في سوريا والعراق، كما أنه أراد من خلال هذه الهجمات تأكيد قدرته على إلحاق الأذى وبث الرعب في أجزاء من سوريا، رغم انهيار قدراته العسكرية والميدانية، وسقوط أغلب قادته وعناصره قتلى وأسرى.
المذبحة الداعشية
ردود فعل دولية وإقليمية
أدانت العديد من الدول والمنظمات الدولية والإقليمية، الهجوم الذي نفذه «داعش» في السويداء، يأتي من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، التي أكدت في بيان صادر عن المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية «هيذر ناورت»، مواصلة واشنطن جهودها لهزيمة داعش، ووضع حدٍّ للعنف في سوريا؛ من أجل تحقيق مزيد من السلام والاستقرار في هذه المنطقة، مشيرة إلى أن القضاء على «داعش» يبقى أحد أهم أولويات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب.

كما اعتبرت الخارجية الروسية، في بيان لها، أن هذا الهجوم مؤشر على يأس الإرهابيين أمام هزيمة قريبة لا مفرَّ منها، وأن نجاحات القوات الحكومية السورية، المدعومة من القوات الجوية الروسية، في تحرير أراضي البلاد من «داعش» و«جبهة النصرة» والتنظيمات الإرهابية الأخرى، تُشعر الإرهابيين بحتمية هزيمتهم؛ ما يدفعهم إلى اللجوء للعنف ضد المدنيين.

فيما أكد بيان الخارجية المصرية، أن مصر مستمرة في بذل مساعيها مع الأطراف السورية كافة؛ للتوصل إلى حلٍّ سياسي للأزمة السورية في إطار عملية جنيف، ووفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 2254 وسائر قرارات الشرعية الدولية، بما يلبي الطموحات المشروعة للشعب السوري، ويحافظ على وحدة الدولة السورية وسلامة أراضيها، ويوفر الظروف المُثلى للقضاء نهائيًّا على أشكال الإرهاب كافة.

وجددت «الأمم المتحدة» في بيان صادر عن مكتبها بدمشق، أوردته وكالة أنباء «سبوتنيك» الروسية؛ التأكيد على موقفها الثابت بالمطالبة بحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية وتجنيبهم تداعيات العنف والنزاع أينما كانوا.

كما أكدت «منظمة التعاون الإسلامي» على لسان الأمين العام للمنظمة «يوسف العثيمين»، وقوف المنظمة مع المجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب والتطرف بكلِّ أشكاله وأنواعه، انطلاقًا من المبادئ الأساسية للمنظمة، والمنبثقة من شريعتنا الإسلامية السمحاء التي تحرم قتل النفس؛ حيث إنّ مكافحة الإرهاب والتطرف والغلو من أهم أولويات أجندة المنظمة.

ونتيجة لما تم تقديمه؛ يشار إلى أن هجمات السويداء تدل على أن الدول الداعمة للإرهاب تحاول إعادة بث الحياة في التنظيمات الإرهابية لتبقى ورقة بيدهم يستخدمونها لتحقيق مكاسب سياسية، فهناك محاولات من بعض القوى مثل «تركيا، وإيران» تحاول إرباك عمليات التسوية التي تجري في سوريا لتهدئة الأوضاع، فهذه القوى تستغل وجود «داعش» لخدمة مصالحها؛ حيث إنها لا تريد تسوية القضية السورية، حتى يظل العالم منشغلًا بها عن أهدافها السياسية.
"