يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

سلطنة عمان.. بلدة آمنة وإرهاب مقهور

الجمعة 27/يوليو/2018 - 12:19 م
عمان والإرهاب
عمان والإرهاب
أحمد سامي عبدالفتاح
طباعة
تتسم سلطنة عمان، الواقعة في شبه الجزيرة العربية وتحتل الموقع الجنوبي الشرقي، بالحيادية السياسية، وأدى انتهاجها سياسة النأي بالنفس، كوسيلة لتتجنب الانعكاسات الارتدادية للصراعات الإقليمية عليها، محاولة بذلك الاحتفاظ بمكانة الوسيط بين كل الأطراف والفواعل الدوليين، كما يعد ذلك سببًا رئيسيًّا في تجنب التنظيمات المتطرفة الولوج إليها أو استهدافها من بعيد.

السلطان سعيد بن تيمور
السلطان سعيد بن تيمور
واتساقًا مع ذلك، أعلن مؤشر الإرهاب الدولي Global World Terrorism الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام بأستراليا، السلطنة خالية من الإرهاب، حيث جاءت في المرتبة 130 بعدد نقاط صفر، وهو الرقم الذي يؤشر وفقًا للتقرير لقوة القبضة الأمنية، ومدى فعالية الإجراءات القومية في مكافحة الإرهاب. 

ورغم الحروب التي وقعت فيها السلطنة في القرن الماضي، إذ شهدت حرب ظفار، وفيها ثار العمانيون ضد السلطان سعيد بن تيمور، والد السلطان قابوس، والاستعمار الإنجليزي من أوائل الستينيات حتى منتصف السبعينات، لكن الحركة الثورية فشلت في تحقيق أهدافها. 

كما شهدت حرب الجبل الأخضر، التي اندلعت في عام 1957 وانتهت في عام 1959 وفيها تم ضم الأراضي التابعة لإمامة عمان، التي تم إنشاؤها كدولة مستقلة بمقتضى اتفاقية السيب في 1920- إلا أن الأعوام الأخيرة تحديدًا شهدت خلوها من أي أعمال ارهابية بالمقارنة مع جيرانها الجغرافيين من الدول الخليجية. 

وفي السياق نفسه، فشل تنظيم «داعش» في تنفيذ أي عمليات إرهابية داخل السلطنة، فضلًا عن فشله في استقطاب أي من مواطنيها بهدف القتال ضمن صفوفه، ما يؤشر لقوة أدوات الردع - في الجوانب النظرية والعملية- التي ساعدت الدولة على عزل وتحييد أي محاولات اختراقية متطرفة لمكوناتها الشعبية. 
سلطنة عمان.. بلدة
وبذلك نجد السلطنة انتهجت سياسة مزدوجة، هدف شقها الأول إلى تكوين مناعة ذاتية داخلية، حالت دون قدرة القوى المتطرفة على جذب وتجنيد أي من مواطنيها، في حين ركز الشق الثاني على منع التنظيمات المتطرفة من استغلال الهدوء الكامن داخل الأراضي العمانية في تكوين ملاجئ دولية للتهرب من ملاحقات الاستخبارات العالمية أو استخدام أراضيها من قبل أي تنظيم متطرف لتهديد دول مجاورة لها.

ولذلك تتطرق هذه الدراسة تفصيلًا حول العوامل المختلفة التي ساعدت عمان على أن تكون خالية من الإرهاب، فضلًا عن تحييدها لخطر استخدام أراضيها من قبل تنظيمات متطرفة في تنفيذ هجمات لدول مجاورة. 
الجيش السلطاني العماني
الجيش السلطاني العماني
أولا: أدوات مواجهة الإرهاب
تدرك سلطنة عمان جيدًا أن وضعيتها الجغرافية تقع في منطقة ملتهبة إرهابيًّا، خاصة وأن تنظيم القاعدة يتخذ من اليمن- التي تشترك معها بحدود جغرافية طويلة يبلغ طولها 288 كيلو مترا- مقرًا له، ما يمثل نظريًّا تهديدًا أمنيًّا على الأمن القومي للسلطنة، ورغم ذلك، لم ينجح التنظيم المتطرف في استقطاب أي من المواطنين العمانيين، علاوة على فشله في نقل دائرة عملياته إلى داخل الأراضي العمانية. 

وفي الوقت نفسه، لم تحتل السلطنة أي مكانة تذكر في خطاب التنظيمات المتطرفة الداعية عناصرها إلى تنفيذ هجمات انتقامية في عدد من البلدان، كما لم يتم استهداف أي من مصالح الدول الأجنبية داخل الأراضي العمانية رغم أنها تخوض حروبا فعلية على أرض الواقع مع الإرهاب، وبصفة عامة، يمكننا تفسير هذا الأمر من خلال عدد من الأسباب، على النحو التالي:

1) أداة قانونية
وعملت السلطنة على تقنين كل إجراءتها الأمنية ضد الإرهاب، فأصدرت قانونا في 2007 أجاز الحكم بالإعدام والسجن على كل من أنشأ أو شارك في تأسيس وإدارة أي كيان إرهابي، أو شارك في أنشطته بأي صورة مع علمه بأغراضه، وأهدافه التخريبية العنيفة، وفي إطار هذا القانون، تم فرض عقوبة تقدر بالسجن لمدة لا تقل عن خمس لكل من صنع أو ساهم في نقل أسلحة بهدف ارتكاب جريمة إرهابية.

وفي إطار تشديد أدوات الردع القانونية للإرهاب، أصدرت السلطنة في أغسطس 2014 قانونا يسمح بتجريد المواطن العماني من جنسيته، إذا انخرط في أي أعمال يمكن أن تضر بمصالح السلطنة، ما يعني أنها قننت أدواتها العقابية بحق كل من يتعاون مع هيئات أجنبية مسلحة أو حكومية. 

وبسبب الإدارك العماني أن معظم قضايا الإرهاب ترتبط بصراعات مذهبية أو عرقية، فقد سعت إلى تحقيق نوع من المساواة بين مواطنيها بهدف منع أي جهة خارجية من استغلال التنافر المذهبي بين الأغلبية الأباضية– تعتبر الأباضية أحد الطوائف الإسلامية التي تختلف في بعض الرؤي العقائدية مع المذاهب السنية الأربعة أو المذاهب الشيعية-، أو الأقليتين السنية والشيعية، وفي ضوء ذلك، أقر قانون الجزاءات في مادته رقم 130 عقوبة سجن لا تزيد عن عشر سنوات، لكل من روج لإثارة التناحر المذهبي أو سعي لإحداث نوع من الكراهية بين المكونات الشعبية وفق ركائز مذهبية. 
وفي ذلك نجد أن السلطنة تقدمت كثيرا على جيرانها الخليجيين الذين يعانون من صراعات مذهبية مكنت القوى الخارجية ممثلة في إيران من استغلالها في إحداث نوع من الخلل الأمني داخل هذه البلدان، محاولة بذلك قلب أنظمة الحكم الخليجية. 

وقد برز الاختراق الإيراني بوضوح في كل من العراق وإيران وسوريا من خلال تعميق النزعة المذهبية بين المكونات الشعبية داخل هذه البلدان، قبل أن تقدم نفسها كنصير للمكون الشيعي. 
2) أداة سياسية دمجية 
لعب احتواء السلطنة لكل المعارضين دورًا في تخفيف الاحتفان الشعبي ضد النظام الحاكم، حيث أصدر السلطان قابوس بن سعيد، عفوا عن كل الذين قاتلوا الدولة، وتم دمجهم في الحياة العامة، كما أعاد السلطان قابوس كل من تم نفيهم خارج البلاد في عهد والده السلطان سعيد بن تيمور.

ولم يتوقف «قابوس» عن هذا الحد، بل تجاوز الأمر من خلال إشراكه بعض معارضيه في مناصب سياسية سيادية، ومن أبرزهم يوسف علوي- وزير الشؤون الخارجية للسلطنة- والذي كان عضوا في جبهة تحرير ظفار الاشتراكية، كما تولى نجل الإمام غالب الهنائي، إمام «إمامة عمان»- التي أنشئت بمقتضى اتفاقية السيب في عام 1920-منصبا في مجلس الشوري العماني، ولم يتجاهل «قابوس» «الإمام الهنائي»، بل حاول إعادته من منفاه في الرياض، إلا أن الأخير رفض، وظل في السعودية حتى مماته في 2009.

وساهم تسامح «قابوس» مع الذين خاضوا معارك ضد الدولة في تقييد حدة الأعمال المسلحة ضد الدولة، وبسط سيطرتها على كل الأراضي، وقد أراد «قابوس» من سياسته الدمجية أن يرسخ في الأذهان، أهمية وجود دولة ذات سيادة على أن تسع الجميع بمن فيهم المناوئين للنظام السلطاني نفسه بشرط أن يتقبل المعارضين فكرة التعايش مع غيرهم.

ويمكن القول إن الحرب الأهلية قديمًا لعبت دورًا في تبني السلطان قابوس لسياسة دمج المعارضين والمسلحين بعدما رأى فيها وسيلة لتمزيق البلاد وتزكية التدخلات الأجنبية، بما يضر بمصالح البلاد العليا. 
3) حيادية السياسة الخارجية
اتسمت السياسة الخارجية العمانية بالحيادية المطلقة، وجعلت من مبدأ عدم الانحياز لأي من الأطراف الدولية والإقليمية المتصارعة -وفق مصالح سياسية أو مذهبية- منهجًا لها، ما جعلها تتمتع بعلاقات طيبة مع كل الدول، ويمكن أن نصف سياسة عمان الخارجية بالمنعزلة عن كل أنواع التفاعلات الدولية المسلحة، فضلًا عن الاصطفافات السياسية الموجه ضد أي طرف، ورغم ذلك لم تقلل تلك السياسة الانعزالية الدولية، من فعالية عُمان على الساحة الدولية بشكل كامل، حيث مكنتها من لعب دور الوسيط في العديد من النزاعات الدولية والإقليمية المهمة. 

وعلى سبيل المثال، لعبت عمان دورا في التوسط من أجل إتمام اتفاق السلم والشراكة الوطنية -وقع هذا الاتفاق في سبتمبر 2014، وقد نص على إجراء مشاورات بهدف تشكيل حكومة كفاءات فضلًا عن تعيين مستشارين للرئيسي اليمني عبدربه منصور من الحوثيين ومن الحراك الجنوبي اليمنى. 

كما اتخذت السلطنة وضعية الحياد في حرب العراق ضد إيران (22 سبتمبر 1980 – 20 أغسطس 1988)، عكس كل الدول الخليجية التي قدمت كل أنواع الدعم للعراق، ومكنتها هذه الحيادية من التوسط بين الطرفين من أجل تقريب وجهات النظر ووقف إطلاق النار. 

كما توسطت بين إيران والقوى الغربية من أجل اتمام الاتفاق النووي، وفي نفس السياق، توسطت بين الولايات المتحدة والحوثيين من أجل إطلاق سراح مواطنين أمريكيين احتجزهم تنظيم الحوثي فى اليمن، ليتم اطلاق سراحهم في أكتوبر 2016. 

ومن الملاحظ أن السلطنة لم تشارك في تفاعلات عسكرية خارج حدودها- منذ تولي السلطان قابوس مقاليد الحكم في 1970- إلا في حرب تحرير الكويت (1991) كجزء من قوات درع الجزيرة الخليجي- شُكل وفقا لميثاق مجلس التعاون- الذي أخذ على عاتقه لعب دور فاعل في تحرير دولة الكويت من احتلال دولة أخرى العراق. 

وقد تكرست المشاركة العمانية في الحرب من خلال إرسال قوات عسكرية إلى منطقة حفر الباطن في السعودية كجزء من قوات درع الجزيرة التي تولت مهمة التحرير. 

ورغم أن كل الدول تتخوف من الارتدادت العكسية لأي عمل مسلح خارج أراضيها، فقد ضمنت مشاركة عمان ضمن قوات التحالف الدولي المدعوم من الأمم المتحدة فى تحرير الكويت، عدم تأثرها بأي نتاج عسكري سلبي بعد انتهاء الحرب، ليس فقط لأن نتيجة الحرب- آنذاك- كانت مضمونة لصالح التحالف الدولي، ولكن أيضا بسبب تباعد عمان الجغرافي عن منطقة النزاع، فضلًا عن أن مشاركتها في الحرب كانت روتينية، حيث إنها لم تلعب دورا كبيرا في الحشد العسكري للحرب على غرار الدول الخليجية الأخرى. 

وعلى صعيد متصل، رفضت سلطنة عمان فكرة المشاركة في «القوة العربية المشتركة»، مبررة ذلك بأن النظام الأساسي للقوات العمانية يحظر عليها العمل خارج إطار مجلس التعاون الخليجي، لكنها في نفس الوقت تمنت على لسان وزير خارجيتها يوسف بن علوي أن تتمكن القوة الجديدة- في حال تحقيقها- من مواجهة المخاطر الأمنية التي تواجه المنطقة. 

وقد عمدت عمان من خلال حيادية سياساتها الخارجية إلى تحييد مكونها الشعبي عن الاستقطابات الطائفية والاحتقانات المذهبية المنتشرة في دول الجوار، ما شكل عقبة أمام رغبات التنظيمات المتطرفة للوجود داخل عمان، بسبب نقص العنصر البشري المتطرف اللازم لتدعيم وجود هذه التنظيمات خاصة في ظل قبضة القوات الأمنية القوية، ويمكن القول إن تجربة عمان في تحقيق الوئام بين المكونات الدينية والشعبية حال دون تمدد الإرهاب.

وفي إطار سياسة الحيادية، تجنبت أيضا الاندماج في أي تحالفات عسكرية بهدف محاربة الإرهاب نفسه، ما يفسر عدم استهداف التنظيمات المتطرفة لها. 

ورغم أنه تم إدراج اسم سلطنة عمان ضمن دول التحالف الدولي لمحاربة «داعش»، فإن حقيقة هذا الدور لم يعلن عنها، وهو ما يؤشر أن عملية ادراج اسمها ضمن التحالف الدولي تم لأسباب سياسية في المقام الأول بهدف ايضاح مدي الحشد والتكاتف الدولي الموجه ضد «داعش». 
4) أداة الرقابة المالية
تدرك عمان تماما أن مواجهة الإرهاب تتطلب تجفيف مصادر تمويله المالية بالتزامن مع المواجهة الفكرية والأمنية، وفي عام 2016، صدر مرسوما سلطانيا هدف بالأساس إلى تشديد القيود على التحويلات الإلكترونية الرقمية والنقدية، حيث جاء في الفصل الثاني من القانون، المادة رقم 8 أنه «يعد مرتكبا لجريمة تمويل الإرهاب كل شخص يقوم بإرادته وبأي وسيلة كانت بتقديم أو جمع الأموال، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مع علمه أنها سوف تستخدم كليا أو جزئيا، لارتكاب فعل إرهابي، أو من قبل شخص إرهابي أو منظمة إرهابية».

ووفقا للفصل الثالث من المرسوم السلطاني، تم إنشاء اللجنة الوطنية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، لتتحمل هذه اللجنة مسؤولية وضع استراتيجيات وطنية لتجفيف مصادر تمويل الإرهاب، علاوة على الاستفادة من تجارب الدول الأخرى في هذا الشأن. 

وتمارس اللجنة الوطنية لمكافحة لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب عملها من بالتعاون مع وحدة التحريات المالية- أنشئت بمقتضى قانون الإرهاب الذي صدر بمرسوم سلطاني في 2010- وتتولي مسؤولية تلقي البلاغات من المؤسسات المالية والأعمال والمهن غير المالية المشبوهة والجمعيات والهيئات غير الهادفة للربح وغيرها من الجهات المختصة عن المعاملات التي يشتبه في أنها تتعلق بعائدات جريمة أو يشتبه في صلتها أو ارتباطها بالإرهاب أو أنها تتضمن عمليات غسل أمول أو تمويل إرهاب، قبل أن تقوم بتحليلها تزامنا مع حملة تحريات مكثفة تستهدف مسار الأموال. 

وفي نفس السياق، تقوم اللجنة الوطنية برسم السياسات العامة وإصدار القواعد الاسترشادية للحد من عمليات غسيل الأموال أو تمويل الأنشطة المتطرفة على أراضيها، فضلا عن دراسة المعاهدات الدولية للاستفادة من الخبرات الدولية في هذا المجال. 

وتعد عمان دولة رائدة في مجال المكافحة المالية للإرهاب، وقد خولها هذا التقدم السعي لعضوية كجموعة «أجمونت»- تتخذ من كندا مقرا لها- وهي مجموعة تتولى مساعدة الدول على مكافحة الإرهاب محليا، فضلا عن عن زيادة التعاون وتبادل المعلومات بشأن طرق المواجهة، خاصة في ظل التقدم التكنولوجي الكبير وزيادة المعاملات المالية الرقمية، ما قد يمنح الإرهابيين فرصة التخفي والعمل في العالم الافتراضي. 

5) التعايش المذهبي
لم تكن الوسائل القانونية لتجعل عمان خالية من الإرهاب، إلا بالتزامن مع حالة التسامح الفكري السائدة بين الطوائف المختلفة، وفي هذا الشأن، علينا أن نشير الى أن الطائفة الإباضية التي تمثل أغلبية السكان في عمان- تقارب نسبتهم نحو 70% وفقا لبعض التقارير - تتبني رؤية تسامحية ودمجية بخصوص المكونات الشعبية التي تناقضها الفكر أو المذهب، وتري الطائفة الإباضية أن الرفض الشعبي العربي لها يعد سببا كافيا لاتخاذها سياسة حيادية غير اندماجية في أي صراع إقليمي.

وقد تعمدت سلطنة عمان عدم اجراء أي احصاءات سكانية وفق أسس مذهبية، ما أدي إلى ترسيخ فكرة المواطنة بين عقول العمانيين، فضلا عن تعميق شعورهم القومي تجاه الدولة، والأهم من ذلك، أن مثل هذا السلوك يسهم في تقليل حالة الكراهية بين الطوائف الدينية.

ويصف البعض المذهب الإباضي صاحب الأغلبية السكانية في عمان بصفته أرثوذكسية اسلامية، في اشارة إلى طبيعته الحذرة وتنفيره من التطرف الرأي والموقف.
 الشيعة الخليجين
الشيعة الخليجين
ثانيا: تعميم التجربة العمانية على دول الشرق الأوسط 
ربما الجزء الأكثر أهمية في الدراسة يدور حول إمكانية نقل التجربة العمانية لغيرها من الدول، وهنا لا يجب أن نتعامل مع تجربة عمان في مكافحة الإرهاب ككتلة واحدة، بل يجب أن نقوم بتجزئتها إلى العناصر التي تم ذكرها في الجزء الأول من الدراسة، لأن فعالية هذه العناصر تختلف من دولة لأخرى وفقا للظروف المحلية داخل كل دولة. 

بعبارة أخرى، رغم أن كل الدول تحاول الاستفادة من خبرات غيرها من الفواعل الدوليين في مجال مكافحة الإرهاب، فإنه لا يجب أن تقوم أي دولة باستيراد القوانين، من دولة أخرى، وتطبيقها كما هي دون تعديلات تلائم الواقع العملي الجديد لها، لأنه في حالة تحقق ذلك فإن الفعالية الردعية لهذه القوانين سوف تتلاشي. 

وبالنظر إلى التجربة العمانية، نجد أن التعايش المذهبي بين المكونات الشعبية الدينية يشكل المرتكز الرئيسي في تجربة عمان الرائدة في مجال مكافحة الإرهاب. 

وقد تحقق هذا التعايش بفعل السياسية الحكومية الدمجية، فضلا عن المحاولات الحكومية الناجحة في عزل مكونها الشعبي السني والشيعي عن الصراع البيني بين الطائفتين في دول الجوار الإقليمي، ما يعني أن السلطنة نجحت بشكل رئيسي في تعميق النزعة القومية لدي مواطنيها. 

وهنا يتعين أن نشير إلى أن دول الجوار الخليجي- بصفتها منطقة النزاع الأهم مع إيران- لا تمتلك أدنى مشكلة مع مواطنيها الشيعة، ولكن المشكلة الحقيقة تكمن في تقديم بعض الشيعة الخليجين لولاءاتهم المذهبية لإيران على انتماءاتهم القومية لبلدانهم– بدليل تعاون عدد منهم لزعزعة الأمن في الخليج. 

فعلى سبيل المثال أسس عدد من شيعة السعودية «حزب الله الحجاز» في نهاية الثمانينيات لتصدير الثورة الايرانية وقلب نظام الحكم في السعودية- ما ساهم في ترسيخ حالة عدم الثقة بين الطرفين، ومن ثم باتت العزلة المجتمعية أمر طبيعي، ليس نتيجة لسلوكيات حكومية بقدر ما هو نتيجة لرفض الشيعة العمل من أجل بلادهم. 

ويعني ذلك الأمر، أن دول الخليج لن تتمكن من محاربة الفكر المتطرف نفسه طالما أن الشيعة يعملون لصالح دولة تجاهر الخليج بالعداء في كل بقعة في العالم. 

صحيح أن عمان تمتلك نسبة ليست بالكبيرة من الشيعة (حوالي 5%)، إلا أنها سياساتها الخارجية الحيادية مكنتها من عزلهم عن مجريات العالم الخارجي، وهذا ما يمكن لدول الخليج أن تحققه في الوقت الحالي، لأن جميع هذه الدول يتعامل مع مناطق الصراع في الشرق الأوسط بصفتها جزء من أمنها القومي، ما يحتم عليها التدخل من أجل التأثير في مخرجات التفاعلات، بما يحقق لها الصالح العام. 

أو بعبارة أخرى، نجد أن فكرة تبني الحياد في القضايا الدولية الهامة تجنبا لردات الفعل أمر نادر التحقيق في حقل العلاقات الدولية، لأن كل الدول تتبني سياسة خارجية تهدف تعظيم مصالحها في الخارج، ما يرجح اندماج أي دولة في أي صراع محيط بها، لتقليل آثار هذه الإخطار عليها. 

ويعني ذلك حيادية عمان أمر فريد من نوعه، ومن غير المرجح أن نري أي دولة عربية تتبنى السلوك نفسه في الوقت الحالي بسبب حدة الاستقطابات السياسية الناجمة التغيرات السياسية والعسكرية في المنطقة.

وتجدر الإشارة فى هذا الصدد إلى أن دور الوسيط الذي تمارسه عمان في علاقة إيران بالعالم الخارجي- خاصة الغربي- قد دفع إيران لتجنب محاولة كسب ولاء الشيعة العمانيين، ليس فقط لأن إيران لا ترغب في فقدان وسيطها القوي الذي ساهم تقربها مع العالم الخارجي، ولكن أيضا لأن إيران لا تريد أن تدمر ما تبقي من محدودية الثقة بينها مع العالم الخارجي من خلال زعزعة استقرار عمان. 
مكافحة الإرهاب
مكافحة الإرهاب
وفي هذا يجب أن نشير أن ايران تستدل بعلاقاتها مع سلطنة عمان على سلمية سياساتها الخارجية. 
وربما تنخوف ايران من فشل تجربتها في عمان- في حالة قررت اختراق المكون الشيعي- ومن ثم سوف يزيد الأمر من عزلتها الدولية. 
لكن بالمقابل من ذلك، يعتبر نظام ولايه الفقيه زيادة نفوذه في الخليج جزء من تدعيم قوته الداخلية والخارجية، وليس من المتوقع له أن يتخلى عن ذلك في المستقبل القريب، ما يجعل الأمور أكثر صعوبة على دول الخليج في حقل مكافحة الإرهاب، وقد أثبت كشف الكويت لخلية العبدلي في أغسطس عام 2015 هذا الأمر، فبينما كانت الكويت تحاول تقريب وجهات النظر مع ايران، كانت الأخيرة تدعم خلية ارهابية بالسلاح والمتفجرات محاولة انشاء مليشيا عسكرية. 
بالمقابل، نجد أن تعميم باقي عناصر التجربة العمانية، بما فيها القانوني أو الرقابة المالية أمر في متناول جميع دول المنطقة، لأن كل دولة لديها من السيادة ما يخولها اصدار أية قرارات بهدف تغليظ العقوبات للحد من الإرهاب، كما أن التعاون المشترك بين الفواعل الدولية في هذا المجال يمكن أن يسهم في نقل خبرات مكافحة الإرهاب قانونيا وماليا من دولة لأخري، ما يعني نقل بنود تجربة عمان القانونية والمالية أمر سهل التحقيق. 
وفي النهاية، يمكم القول أن مواجهة الإرهاب تستلزم القضاء على كل الاستقطابات المجتمعية، وخاصة التنظيمية منها ذات البعد المذهبي، لأن نشأة تنظيم سياسي سني، سوف يؤدي بالضرورة إلى نشأة تنظيم سياسي شيعي، وزيادة حدة التطرف في الخطاب الشيعي سوف يؤدي إلى ردة فعل سنية متطرفة. 

وقد كانت عمان سباقة في منع التنظيمات الإسلامية من الامتداد إليها، ففي عام 1994، حاول مجموعة من المواطنين العمانيين تأسيس فرع تنظيمي تابع لتنظيم الإخوان، إلا أن عمان ألقت القبض على الخلية قبل أن تتمكن من إحداث أي شقوق مجتمعية. 

وفي نفس السياق، يتعين على دول الشرق الأوسط أن تنتهج سياسات مجتمعية تمكينية وفق أسس قومية لا مذهبية، لأن أمر التمكن المذهبي في حد ذاته أمر كاف لإحداث نوع من الشقاق المجتمعي الذي يتخذ من الكراهية وفقدان الثقة البينية خاصيه له، ما يؤدي إلى خلل أمني عنوانه اختراق المكون الشعبي. علاوة على ذلك، نجد أن التمكين المذهبي يدفع الفئة المستبعدة وفق أسس مذهبية نحو استجداء القوى الخارجية من أجل التدخل في الشؤون بلدها الداخلية، ما يزيد من تعقيد الأمور، وتعميق حالة انعدام الثقة.
"