يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

موازين متحولة.. ما بعد الجنوب السوري سياسيًّا وعسكريًّا

الجمعة 20/يوليو/2018 - 06:57 م
صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
محمد نبيل الغريب البنداري
طباعة
عكست تطورات الأزمة السورية بمستوياتها المحلية والإقليمية والدولية، خلال 2018، مزيدًا من الفرص للقوات الحكومية للتقدم في مسألة الحسم العسكري، وتمثل معركة الجنوب السوري بالنسبة لقوات الحكومة السورية المعركة الأهم من حيث المعارك التي خاضتها مع الجماعات المسلحة في سوريا، وهذا يرجع إلى أنها كانت معقل الجماعات المسلحة المعارضة، منذ انطلاق الثورة في مارس 2011. 

ومن ثم فإن التغير الحادث الآن في موازين القوى العسكرية والحسم العسكري لصالح الجيش العربي السوري والحكومة السورية واختفاء المعارضة تدريجيًا وتمركزهم أيضًا تدريجيًا في قطعة جغرافية واحدة في الشمال السوري وهي محافظة إدلب، ستكون ورقة قوية في أيدي موسكو ودمشق حال انطلاق وانتعاش العملية السياسية من جديد، كونها معلقة الآن بفعل الخطوات العسكرية التي تبنتها روسيا مع القوات السورية. 


الجيش السوري
الجيش السوري
منذ انطلاق معركة الجنوب سيطر الجيش السوري على مناطق درعا الشرقية والغربية، فيما يجري في بعض المناطق في الغرب من درعا مفاوضات مع بعض الفصائل المعارضة، كما حدث في القنيطرة مع جبهة النصرة وترحيلهم إلى مدينة إدلب في الشمال السوري.

بهذا الشكل تحاول روسيا مع دمشق رسم حالة ميدانية معينة على الأراضي السورية يمكن من خلالها الانطلاق نحو تسوية سياسية مع المعارضة المعتدلة، بإشراف الهيئة العليا للمعارضة السورية، ويمكن تسمية هذه الحالة «الحسم العسكري» واسترجاع الأراضي للدولة السورية ومن ثم الانطلاق في عملية سياسية شاملة للدستور والمرحلة الانتقالية وعودة المهجرين ومناقشة شكل الحكومة المستقبلية. وفي سياق هذه التطورات يمكن إعطاء صورة عامة على الأزمة السورية تشمل ما يلي:- 

وجود القوات الإيرانية
وجود القوات الإيرانية في سوريا
أولًا: رغبات واشنطن وإسرائيل في الجنوب السوري:
يعد الجنوب السوري، والذي يضم «درعا والقنيطرة والجولان المحتل»، حالة خاصة في الأزمة السورية، كونه محل تجاذب بين أطراف عدة منها قوات الحكومة السورية ومعهم القوات الإيرانية، التي تشكل الهاجس الأكبر للطرف الثالث وهي إسرائيل، والجماعات المسلحة مثل «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقًا) و«داعش» (عند سيطرته على مثلث حوض اليرموك الرابط بين الأردن وإسرائيل وسوريا).

وتركز النشاط الإسرائيلي في سوريا، بفعل وجود القوات الإيرانية، قرب الجولان المحتل بشكل خاص، وعلى الأراضي السورية بشكل عام، وهذا الهاجس يفسره الزيارات المتكررة لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لموسكو، لمناقشة الوجود الإيراني وتهديده لإسرائيل، ويبدو أن هناك توافقًا روسيًّا إسرائيليًّا أمريكيًّا على ضمان أمن إسرائيل في منطقة الجولان بل وسوريا ككل، وهذا ما يريده نتنياهو في سوريا ومن ثم إبعاد القوات الإيرانية عن الأراضي السورية، والتي بحسب الهواجس الإسرائيلية، فإن إيران تعمل على تقوية نفوذها في سوريا عبر وكلائها لتكون سوريا ممرًا لمهاجمة الاحتلال الإسرائيلي في الجولان، كما حدث وتم قصف الجولان المحتل من قبل «فيلق القدس» (وحدة قوات خاصة للحرس الثوري الإيراني) أثناء زيارة نتنياهو لروسيا، في يونيو الماضي.

ويمثل الجنوب السوري نقطة تجييش بالنسبة لإيران، لذا فإن نتنياهو يخاطب دمشق عبر موسكو لإبعاد القوات الإيرانية عن خط الجولان المحتل بواقع 80 كيلومترا داخل الأراضي السورية، بل وترحيلها من الجنوب السوري ومن سوريا عمومًا، وهذا ما يحولنا إلى محور آخر وهو محور تلاقي الرغبات بين واشنطن وإسرائيل، المطالبة برحيل القوات الإيرانية من سوريا باعتبار أن هناك منافسة إقليمية بين واشنطن وطهران على تزعم السيادة في بعض دول الشرق الأوسط، والصراع التقليدي المعروف بينهما، وهذا ما لا تريده طهران وبالطبع الحكومة السورية باعتبار أن طهران تدخلت في سوريا بفعل دعوة شرعية من الحكومة السورية.

كما أن هناك نوعًا من المساومة حول الجنوب السوري، تبنته الحكومة السورية عبر وزير خارجيتها وليد المعلم، في يونيو الماضي، والذي طالب واشنطن-التي تدخلت بطلب غير شرعي- بالانسحاب من البادية السورية وإخلاء قاعدة التنف قبل الحديث عن إبعاد القوات الإيرانية من سوريا أو أي صفقة في الجنوب السوري، وهذا يضعنا في مخرجات قمة هلسنكي التي عقدت بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، والتي فتحت بلا شك معضلة الوجود الإيراني في سوريا.

ومن المتوقع أن تغادر القوات الأمريكية قاعدة التنف مقابل تخفيف أو مغادرة القوات الإيرانية من الجنوب السوري، وهذا ما يريده «ترامب» في الكثير من تصريحاته التي تنم عن رغبته في تخفيف الوجود العسكري الأمريكي في سوريا كونه عبئًا ماليًّا لا يعود بالنفع على الداخل الأمريكي. 
 أردوغان
أردوغان
ثانيًا: مصير إدلب العسكري والسياسي بعد درعا، وتهديد أردوغان بانهيار اجتماعات أستانا:
منذ انطلاق العمليات العسكرية من قبل القوات الحكومية السورية، وجدت الجماعات والفصائل المسلحة في سوريا نفسها أمام خيارين، إما الاستسلام أو تسوية أوضاعهم ومن ثم الخروج إلى مدينة «إدلب»، التي باتت تسمى «مدينة فصائل الشمال»، حيث يوجد في هذه المدينة ما يقرب من 6 آلاف مقاتل، ودخلت هذه المدينة في اتفاق خفض التصعيد «أستانا 6».

وبناءً على ما سبق، فهناك عدد من السيناريوهات لمصير إدلب، نوضحها فيما يلي:- 
أ- أن تنفذ القوات الحكومية، بالتعاون مع موسكو، غارات انتقائية على الفصائل المسلحة هناك عاجلًا أم آجلًا، وهذا حسب تحذيرات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سيلغي اتفاق خفض التصعيد المبرم بين طهران وموسكو وأنقرة، ولكن هذا الاتفاق سينتهي أساسًا، في 19 سبتمبر المقبل، ما يتيح لقوات الحكومة السورية التقدم في هذه المدينة على الرغم من تحذير الرئيس التركي. ويأتي هذا التحذير التركي لأن هناك فصائل في إدلب مدعومة من تركيا، منها ما يسمى بـ«الجيش الحر».

ب- إمكانية ارتباط هذه العملية (عملية تحرير إدلب) بمساومة مع تركيا على أن الغارات على إدلب لن تشمل الفصائل المدعومة من قبل أنقرة، وهذا سيتيح للقوات الحكومية التقدم في إدلب وفتح جبهة مع الفصائل الموجودة وهذا سيكون وفقًا لتفاهم روسي تركي.

جـ- انسحاب قوات المراقبة التركية من ريف إدلب إلى مناطق غرب الفرات «عفرين»، وهذا سيضع الحكومة السورية في معضلة عدم التفاهم حول مناطق الشمال الخاضعة للنفوذ التركي، بمعني أن تركيا قد وعدت روسيا -قبل انطلاق العمليات العسكرية ضد وحدات الشعب الكردي في غرب الفرات- بتسليم مناطق عملية «غصن الزيتون» -الواقعة الآن تحت سيطرة الجيش الحر وتركيا- فيما بعد للشرطة الروسية، وهذا في حال عدم دخول القوات الحكومية إلى إدلب، وبالتالي فهناك إشكاليتان، الأولى: دخول الجيش السوري إلى إدلب ومعه سلاح الجو الروسي، والثانية: توقع فشل تسليم مناطق الشمال للشرطة الروسية كما وعدت أنقرة.
أرشيفية
أرشيفية
ثالثًا: مستقبل العملية السياسية السورية وفق مقررات جنيف وأستانا وسوتشي:
نتج عن اجتماع الحوار السوري في مدينة سوتشي الروسية، يناير 2018، عدد من المخرجات-التي قبلت بها تركيا ورفضتها المعارضة السورية- منها، تشكيل لجنة من 150 عضوًا لبحث تعديل الدستور السوري الحالي، ولكن بحسب الوضع الحالي من العمليات العسكرية فإن جميع الجهود منعقدة على مؤتمرات أستانا العسكري، فيما لم تتحرك المياه الراكدة التي تشوب المفاوضات الأممية في «جنيف»، ولكن تم الاتفاق على لائحة إعداد الدستور السوري الحالي وفق مخرجات مؤتمر سوتشي.

ولايزال حتى الآن الشكل المجهول للفترة الانتقالية وشكل النظام السياسي السوري والبيئة الآمنة والمؤسساتية يسيطر على ساحة المفاوضات، وسط غياب شبه كلي للدول الغربية عن المفاوضات السورية، لذلك فهناك إشكاليتان بالنسبة لمستقبل العملية السياسية في سوريا، الأولى: تمسك الهيئة العليا للمفاوضات السورية بمخرجات «جنيف1» والقرار 2254 لعام 2015، الداعي لانتخابات رئاسية مبكرة. فيما تحاول الحكومة السورية الاستمرار في فترة انتقالية تشمل بشار الأسد.

والثانية: التشرذم الواضح الآن في صفوف المعارضة السورية، لاسيما الفصائل التي تنفذ أجندات إقليمية ودولية ولا ترضخ لحل سياسي لا يتوافق مع ما تحمله من أيديولوجيا.

نستنتج مما سبق أن التسوية السياسية في جنيف ليست نشطة كما يتوقع الكثير، وعلى العكس من ذلك فإن هناك تحركًا قويًّا حسب ما يتطلبه الوضع الميداني والحسم العسكري على الرقعة السورية للمفاوضات العسكرية في أستانا، وسط تقدم النظام على حساب المعارضة في معظم الأراضي السورية. فيما سيكون مستقبل إدلب كمصير الغوطة الشرقية والجنوب السوري، خصوصًا بعدما بدأت الحكومة السورية في إجلاء سكان الفوعا وكفريا من مدينة إدلب.
"