يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

دلالات واضحة واحتمالات مفتوحة.. استعادة خيرسون الأوكرانية من أنياب الدب الروسي

الأحد 20/نوفمبر/2022 - 06:34 م
المرجع
محمود البتاكوشي
طباعة
نجحت القوات الأوكرانية في استعادة مقاطعة خيرسون ذات الموقع الإستراتيجي، بعد أسابيع من الكر والفر والتقدم الميداني الأوكراني، إذ كانت أولى المدن الإستراتيجية الأوكرانية التي وقعت في قبضة الروس مع بداية الحرب، وتحديدًا في 16 من شهر مارس 2022.

وزارة الدفاع الروسية أعلنت سحب قواتها من ضفة دنيبرو إلى الضفة الأخرى لتعزيز خطوط الدفاع، الأمر الذي يراه خبراء عسكريون تراجعًا وهزيمة للجيش الروسي، وليس تراجعًا تكتيكيًّا لاستدراج القوات الأوكرانية ونصب الفخاخ أمامها، ومن الممكن أن يؤدي إلى العودة لطاولة المفاوضات، بعد التأكد من استحالة حسم الأزمة عسكريًّا.

نجاح أوكرانيا في استعادة خيرسون، منحها العديد من المكاسب أبرزها السيطرة على بوابة القرم وحرمان الروس من الممر البري الذي يربط شبه الجزيرة بالبحر الأسود، واقتراب المدفعية الأوكرانية بعيدة المدى من شبه جزيرة القرم، التي تعتبرها موسكو ذات أهمية حيوية لمصالحها، كما أنها تُعرض إمدادات المياه العذبة لشبه الجزيرة للخطر، حيث تحتاج روسيا هذه المياه من أجل السكان ومنشآتها العسكرية العديدة، وري الأراضي القاحلة بالمنطقة، وقطع طرق الإمدادات اللوجستية للروس والقدرة على مهاجمة خطوط إمدادات أخرى مثل منطقة زابوريجيا، وفضلًا عن أهميتها الرمزية التي تعطي دفعة معنوية وثقة للأوكرانيين للدفاع عن بقية أراضيهم، المدينة تمنح كييف السيطرة على بعض المناطق على طول ساحل البحر الأسود والذي يعد شريانًا مهمًا لتصدير سلعها الغذائية للأسواق الخارجية.

وبحسب خبراء عسكريين هزيمة روسيا في خيرسون ضربة معنوية للنظام الروسي، الذي تعرض مؤخرًا للعديد من الانتقادات بسبب أداء الجيش في الحرب الروسية الأوكرانية، وعدم قدرته على الحسم على مدار 9 أشهر منذ بدء الحرب، ولاسيما أنه قبل 6 أسابيع فقط، أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ضم المدينة، مع 3 مناطق أخرى، في أوكرانيا، وأنها أصبحت ضمن الأراضي الروسية للأبد.

واستبعد المحللون أن يكون هذا الانسحاب تكتيكيًّا لشن ضربات إستراتيجية موسعة في أماكن أخرى من أوكرانيا، ومواصلة ضرب منشآت الطاقة الأوكرانية وما يسمى بـ"حرب الطاقة" ضد كييف، أو محاولة جديدة للحصول على أسلحة هجومية بعيدة المدى أصغر كثيرًا من أسلحتهم بعد نفاد بعض المخزونات ومن المرجح اللجوء إلى إيران.

كما استبعد الخبراء العسكريون عبور القوات الأوكرانية على نطاق واسع إلى الضفة الشرقية لنهر دنيبر قريبًا، ولكن ستعمل القيادة الأوكرانية، على إضعاف وضرب خطوط الإمدادات اللوجستية والقيادية للروس، مع شن هجمات باتجاه الجنوب لمحاولة استعادة مدن أخرى استولت عليها موسكو وضرب أهداف روسية لدعم هجماتهم المستقبلية، ولاسيما بعد اقتراب المدفعية الأوكرانية من القوات الروسية المتمركزة في جزيرة القرم، ما يسهل استهدافها، والروس يدركون ذلك جيدًا وسينفذون طلعات مكثفة بطائرات الإنذار المبكر والاستطلاع من القرم لاستهداف بطاريات المدفعية الأوكرانية.

ومن المتوقع أنه يتم تكثيف طلعات أسطول الاستطلاع التابع لحلف الناتو كمحاولة لدعم الأوكرانيين لاستكمال المعركة واستغلال ثغرات الخطوط الدفاعية الروسية لتنفيذ هجمات عن طريق القوات الخاصة أو المسيرات الانتحارية الأوكرانية.

الانسحاب الروسي من خيرسون يؤكد أن هذه المدينة الإستراتيجية باتت عبئًا على القوات الروسية بالمقاييس العسكرية، فيما القوات الأوكرانية تبدو مصممة على المضي قدمًا نحو السيطرة على خيرسون واسترجاعها، خاصة في ظل تقدمها الميداني ونجاحها في استعادة مناطق عديدة من المقاطعة، ويؤكد أن السلاح النوعي الغربي المُقدم لأوكرانيا ها هو يقلب المعادلات الميدانية.

سقوط خيرسون يُلقي بظلاله، على شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا عام 2014، قطعت السلطات الأوكرانية نحو 90% من إمدادات المياه القادمة عبر قناة شمال القرم، مما أدى إلى انهيار الناتج الزراعي، وحاولت موسكو تعويضه عبر إنشاء خزانات لتخزين المياه، ومحاولة ربط مياه أنهار القرم بمجرى القناة، لكن تلك المحاولات لم تستطع تعويض الخسائر، رغم استنزاف الميزانية الروسية، بنحو 3 مليارات روبل سنويًّا.

 بعد احتلال القوات الروسية لخيرسون، دمر الروس سد بناه الأوكران بعد 2014 لقطع مياه القناة عن القرم، لطالما كان شوكة في خاصرة روسيا، فاستعادة مياه نهر الدنيبر والسيطرة على قناة شمال القرم يعد أحد أهداف الحرب الروسية في أوكرانيا، وذلك لتحويل شبه الجزيرة من ثقب أسود ابتلع تريليونات الروبلات الروسية، إلى سابق عهدها: منطقة زراعية وصناعية كبرى تعود بالنفع والدخل بدلاً من استنزاف الموازنة الروسية.

لذا فهزيمة روسيا وانسحاب قواتها من خيرسون، يعد ضربة عسكرية وجيوسياسية هي الأكبر منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، وضربة اقتصادية/مائية كبيرة.
"