يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

تاريخ البازار الثوري.. هل يتخلى تجار إيران عن النظام الديني؟

الأحد 09/أكتوبر/2022 - 04:42 م
المرجع
محمد شعت
طباعة
يمثل تجار البازار أهمية كبيرة في المجتمع الإيرانى، لما يمثلونه من نفوذ اقتصادي وسياسي، الأمر الذي قد يحدث فارقًا كبيرًا حال انضمام البازار إلى الاحتجاجات الحالية في الشارع على إثر مقتل الفتاة الكردية مهسا أميني، في أحد مراكز الاحتجاز.

الدور التاريخي للبازار

لعب "تجار البازار" دورًا تاريخيًّا في ثورات إيران الكبرى، وذلك من خلال التحالف مع رجال الدين منذ حكم القاجاريين، وبدا ذلك فيما يعرف بثورة "التبغ" في عام 1891، والثورة الدستورية "1906 – 1908"، والحركة الوطنية لتأميم النفط في 1950، وانتفاضة 5 يونيو 1963، وأخيرًا الثورة الإسلامية في فبراير 1979.

ويعتبر البازار هو المحرك الرئيسي لثورة التبغ التي انطلقت منه، حيث أشعل شرارتها أصحاب المحال والتجار في بازار طهران رفضًا للحكم الاستبدادي، وهو الأمر الذي مثل ضغطًا كبيرًا على الحكم القاجاري آنذاك، لما يمثله هؤلاء التجار من ثقل اقتصادي وسياسي في الشارع الإيراني.

كما لعب تجار البازار دورًا كبيرًا فيما عرف بالثورة الدستورية "١٩٠٦" حيث كان البازار بمثابة العمود الفقري للثورة الدستورية التي شارك فيها رجال دين وفئات اجتماعية أخرى ضد الشاه ناصر الدين القاجاري، كما دعم تجار البازار المؤيدون للزعيم الديني آية الله الكاشاني والزعيم الوطني محمد مصدق، الحركة الوطنية باعتبارهم جزءًا أساسيًّا من البرجوازية الوطنية التي تختلف مصالحها مع البرجوازية التابعة للغرب في إيران.

وساهم التجار أيضًا في انتفاضة "١٥ خرداد" 5 يونيو ١٩٦٣ والثورة الإسلامية، اللتين قادهما آية الله روح الله الخميني، حيث دشن تجار البازار صندوقًا خاصًّا لدعم الصحفيين المضربين عن العمل في الفترة بين 5 نوفمبر 1978 و6 يناير 1979، وهو أكبر إضراب شهدته الصحافة الإيرانية في تاريخها.

وفي إطار الدور التاريخي لتجار البازار في دعم الثورات الكبرى والتحالف مع رجال الدين، لعب هؤلاء دورًا كبيرًا أيضا في دعم الثورة الإسلامية التي قادها روح الله الخميني عام ١٩٧٩، حيث قاموا مع ورجال الدين بتنظيم نحو ثلثي المظاهرات والمسيرات التي جابت شوارع المدن الإيرانية، ودشنوا 45 لجنة لتأمين التكاليف المالية للحركة الثورية.

دور البازار في الاحتجاجات الحالية

ورغم اتساع رقعة الاحتجاجات في إيران حاليًّا، فإنه لم يظهر حتى الآن أي دور لتجار البازار رغم تجاوز سعر الدولار الأمريكي في أسواق إيران 32.6 ألف تومان، مسجلًا رقمًا قياسيًّا جديدًا في انهيار العملة، ما دفع بعض تجار البازار إلى التذمر من تدهور الأوضاع الاقتصادية، دون التحرك على الأرض، وانحصر تحركهم في مسيرة لتجار وأصحاب شركات في شارع لاله زار في طهران وسوق علاء الدين أكبر.

ويرجع ذلك إلى التحالف الذي لايزال قائمًا بين كبار تجار البازار والنظام الديني الحاكم، لكن قد تؤدي التداعيات الاقتصادية إثر استمرار التظاهرات وفرض المزيد من العقوبات إلى التحرك من جانب تجار البازار، وهو الأمر الذي حدث في عام 2018 بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي، وفرضت حزمة عقوبات على طهران أدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية.

وبعدما فشلت حكومة الرئيس حسن روحاني في منع السقوط المدوي للعملة الوطنية الإيرانية أمام الدولار، انعكس ذلك سلبًا على تجار البازار الذين يستوردون بضائعهم بالدولار، إذ أصبحت بضائعهم باهظة الثمن وغير قابلة للمنافسة في السوق الإيرانية، ونظم تجار البازار في مبادرة نادرة مظاهرات في طهران هذه المرة.

وتكرر الأمر ذاته في احتجاجات نوفمبر ٢٠١٩، حيث أغلق البازار الكبير، وهو السوق المركزية التاريخية في إيران، أبواب المحال التجارية، بالتزامن مع مظاهرات ضخمة عمت المدن الإيرانية، احتجاجًا على رفع أسعار البنزين وتدهور مستويات المعيشة، حيث تم رفع أسعار البنزين بنسبة 50 بالمئة لأول 60 لترًا من البنزين يتم شراؤها كل شهر، و300 بالمئة لكل لتر إضافي كل شهر.

وفي يونيو من العام الجاري، انطلقت احتجاجات "البازارات" بعدة مدن في إيران، على وقع الأزمة الاقتصادية والمعيشية المتردية في البلاد، وخرج التجار في مدينة خرم آباد عاصمة محافظة لورستان غرب البلاد، للتظاهر احتجاجًا على ارتفاع الضرائب، وانهيار العملة المحلية، إضافة إلى الاحتجاجات التي شهدتها أماكن أخرى مثل "بازارات" أراك وكازرون وميناب وأصفهان.

ومنذ انطلاق الاحتجاجات على مقتل الفتاة الكردية "مهسا أميني" منذ ١٦ سبتمبر الماضي، تشهد الحركة التجارية في إيران ركود كبيرًا وتراجعًا في قيمة العملة مع حزم جديدة من العقوبات يتم فرضها تباعًا، وهو ما قد يزيد الوضع الاقتصادي سوءًا ويدفع تجار البازار إلى الانتفاض والتخلي عن النظام الديني، على الرغم من سيطرة الأسر النافذة والمرتبطة بالسلطة على البازارات الكبرى.

وبدأت تداعيات الاحتجاجات الحالية تلقي بظلالها على البازارات، إذ أعلن تجار بازار تجريش في شمال طهران، تراجعًا في نشاطهم لاسيما في فترات المساء، ويبدو أن البازرات الكبرى التي تخضع لهيمنة عائلات السلطة مازالت تفضل الابتعاد عن المشهد في الوقت الحالي على الأقل في العلن، حتى تثبت الاحتجاجات الحالية قدرتها على الاستمرار وتنفيذ أهدافها.

الكلمات المفتاحية

"