يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

انعكاسات انسحاب التيار الصدري من المشهد السياسي في العراق

الثلاثاء 28/يونيو/2022 - 01:55 م
المرجع
محمود البتاكوشي
طباعة
يعاني العراق من أزمة سياسية حادة تصل إلى حد انسداد الأفق أمام جميع الحلول، وأكبر دليل على ذلك الفشل في تشكيل حكومة على مدار 8 أشهر منذ إجراء الانتخابات البرلمانية في أكتوبر 2021، التي شهدت تراجعًا كبيرًا في نسبة المشاركة مقارنة بالدورات الانتخابية السابقة، فضلًا عن إعلان التيار الصدري، منذ عدة أيام وتحديدًا في 15 يونيو 2022، الانسحاب من العملية السياسية عقب موافقة محمد الحلبوسي رئيس البرلمان العراقي، على استقالة نوابه الـ 73.

بالنظر إلى تاريخ التيار الصدري في السياسية العراقية، نكتشف إن عملية الانسحاب عبارة عن مناورة سياسة يتبعها بين الحين والآخر لتحقيق أهدافه، وأكبر دليل على ذلك أنه أعلن في يوليو 2021 مقاطعة الانتخابات البرلمانية وعدم المشاركة فيها، كما تم الإعلان عن عدم دعم أي حزب في الانتخابات البرلمانية المُبكرة، وتم غلق الهيئة السياسية للتيار الصدري؛ ولكن لم يتم التنفيذ الفعلي للانسحاب، لأن الإجراءات الرسمية للانتخابات كانت قد حُسِمت، وبالتالي عدل التيار الصدري عن الانسحاب، وعاد للمشاركة الفاعلة في الانتخابات الماضية، كما أعلن مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري في مارس 2022 انسحابه مع كتلته من مفاوضات اختيار رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وقرر حسب تعبيره فسح المجال أمام خصومه من القوى السياسية المُشكلة للإطار التنسيقي من أجل التفاوض لتشكيل الحكومة، قائلا: «كي لا يبقى العراق بلا حكومة وتتردى الأوضاع الأمنية والاقتصادية والخدمية وغيرها، ها أنا أعطي الثُلث المُعطل فرصة للتفاوض مع جميع الكتل بلا استثناء لتشكيل حكومة أغلبية وطنية من دون الكتلة الصدرية، ومن أول يوم في شهر رمضان إلى التاسع من شهر شوال»، حتى جاء الانسحاب الأخير عندما أعلن المكتب الإعلامي للتيار الصدري، في بيان له يوم 9 يونيو 2022، أن نواب الكتلة الصدرية في البرلمان قد وصلوا إلى مقر زعيم التيار في النجف، وتم توقيع استقالاتهم من مجلس النواب، ووضعها تحت تصرف مقتدى الصدر، الذي قرر تقديم هذه الاستقالات بشكل رسمي، ليعلن بعدها مكتب الصدر إغلاق جميع المؤسسات التابعة للتيار باستثناء 6 مؤسسات تبقى عاملة في الوقت الراهن.

انسحابات الصدر المُتكررة لم تكن جميعها من دون أسباب، سواء كانت أداة ضغط على منافسيه وخصومه من القوى السياسية الشيعية، أو مناورة سياسية تهدف إلى تحقيق مكاسب له في ماراثون التفاوض لتشكيل الحكومة المقبلة، إذ يرفع أنصار التيار الصدري شعار إنقاذ العراق من المصير المجهول، فضلاً عن رفضه أن يشترك في حكومة مع من يصفهم بالساسة الفاسدين، كما أن التيار الصدري يسعى إلى تشكيل حكومة أغلبية وطنية، وهو الأمر الذي لم يستطع تحقيقه في ظل إصرار قوى الإطار التنسيقي على تشكيل حكومة توافقية، لذا وجه الصدر انتقاداته لهم، مؤكداً أن إصلاح البلد لن يكون إلا بحكومة أغلبية وطنية، كما وجد التيار الصدري نفسه في موقف سياسي لم يستطع من خلاله تشكيل الحكومة التي يسعى إليها؛ وهي حكومة الأغلبية مع حلفائه من تحالف السيادة بزعامة محمد الحلبوسي، والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، إذ لم يتمكن هذا التحالف من تحقيق النصاب الدستوري المُتمثل في ضرورة حضور ثُلثي عدد أعضاء مجلس النواب أي ما يقرب من 220 عضوا من مجموع 329، وذلك على الرغم من مُضي ما يقرب من 8 أشهر على إجراء الانتخابات، وعقد عدة جلسات لمجلس النواب فشلت في تحقيق النصاب المطلوب لاختيار رئيس الجمهورية، كما أيقن التيار الصدري أن العملية السياسية تمر بحالة من الجمود والانسداد، وهذا سببه إصرار كلٍ من طرفي المشهد؛ التحالف الثلاثي من جهة، والإطار التنسيقي من جهة أخرى، على مطالبه، فالأول يريد حكومة أغلبية، والثاني يريد حكومة توافقية، لذا فانسحاب التيار الصدري قد يعالج حالة الانسداد السياسي الراهنة، وقد تبدو مناورة سياسية لإعادة منافسيه وخصومه إلى طاولة مفاوضات تشكيل الحكومة وبما يحقق مصالحه.

قد تؤدي خطوة انسحاب التيار الصدري ونوابه من البرلمان، إلى العودة إلى الحكومة التوافقية في حال خروج التيار الصدري من المشهد السياسي وإتمام عملية انسحابه من تشكيل الحكومة، ويتصدر المشهد قوى الإطار التنسيقي التي أصرت على تشكيل حكومة توافقية، كما قد تتراجع القوى التقليدية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وهي تتمثل في حزب الدعوة ومنظمة بدر وغيرها من القوى السياسية التي ظهرت في تحالفات مثل ائتلاف دولة القانون، وتحالف الفتح، وصادقون، والعقد الوطني، وغيرها، وبانسحاب التيار الصدري، ستؤول مقاعد نوابه المُستقيلين إلى أعلى الخاسرين في دوائرهم؛ ما يعني أن أغلب النواب الجدد سيكونون من الإطار التنسيقي الذي قد يصل عدد نوابه إلى 140، وفقاً للتقديرات الأولية.

وقد تؤدي هذه الخطوة إلى تحريك الشارع الشيعي فعقب إعلان مقتدى الصدر انسحابه من العملية السياسية واستقالة نوابه، أطلق أنصاره هاشتاج على مواقع التواصل الاجتماعي يفيد بجاهزيتهم للنزول إلى الشارع والتظاهر، مما يؤدي لزيادة تزايد حدة الصراع السياسي أحد أسباب انسحاب التيار الصدري هو احتدام الصراع بينه وبين منافسيه من القوى السياسية التقليدية، لاسيما الخلاف بين مقتدى الصدر ونوري المالكي. إذ أصر الصدر على عدم مشاركة المالكي في أي حكومة يشكلها قبل إعلان انسحابه، الأمر الذي قد ينذر بتفاقم حدة الصراعات في حال تشكيل الحكومة الجديدة التي قد يكون للمالكي الدور الأكبر فيها، إن لم يكن هو المرشح الأساس لرئاستها.
"