يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«الدليل الأمريكي لمكافحة التمرد».. وسيلة القوى العظمى للحماية من الاضطرابات الداخلية

الثلاثاء 10/أبريل/2018 - 02:26 م
المرجع
وليد منصور
طباعة
لم تَعُدْ الحروب في القرن الحادي والعشرين تقليدية كما كان قديمًا، بل أصبحت متغيرة وقائمة على اختراق الدول، وخلق الأجواء المناسبة لوجود الحركات المتمردة بداخلها، ما يضع تلك الدول في مخاطر حقيقية.
ومن أجل أن تُساعد الولايات المتحدة حلفاءها في تفادي هذا النوع من التمرد؛ نشرت «دليل مكافحة التمرد»، معتمدةً في ذلك على خبرتها الطويلة في أفغانستان والعراق، وعلى دعمها للعديد من الدول الحليفة لها في مواجهة الأعمال التخريبية الداخلية.
وأصدرت الولايات المتحدة الأمريكية، دليل مكافحة التمرد عام 2009، الذي شارك فيه العديد من الأجهزة التنفيذية من الحكومة، على رأسها وزارات «الخارجية، والدفاع، والعدل، والخزانة، والأمن الداخلي، والزراعة، والنقل»، وبمساعدة من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ومكتب مدير المخابرات الوطنية، وترجم هذا الدليل «المعهد المصري للدراسات».
وصاغ «الدليل»، الذي يتميز بالشمولية والعمق، مكتب الشؤون السياسية والعسكرية بوزارة الخارجية الأمريكية، بمساهمة رئيسية من ديفيد كيلكولن، المستشار الخاص لوزير الخارجية لمكافحة التمرد، ومات بورتر، اللفتنانت كولونيل في المارينز الملكي بالمملكة المتحدة، وريت كارلوس بورجوس، كولونيل بالجيش الأمريكي.

سيطرة التمرد على السياسة
ويُعرِّف «الدليل الأمريكي»، التمرد، على أنه الاستخدام المُنَظَّم للتخريب والعنف للاستيلاء على السياسة، أو تقويض وتحدي السيطرة السياسية في منطقة ما، فهو في المقام الأول صراع سياسي يستخدم فيه الطرفان القوة المسلحة لإفساح مجال يتيح لهما تفعيل نفوذهما وأنشطتهما السياسية والاقتصادية.
ويكشف «الدليل»، أنه لا يشترط أن يقوم بالتمرد مجموعة واحدة ذات هيكل قيادة مركزي على الطريقة العسكرية، بل يقع من قِبَل منظومة معقدة تتكون من أطراف فاعلة مختلفة ذات أغراض متعددة، وترتبط ارتباطًا غير مُحكم بشبكات ديناميكية غير هرمية.
وأكد «الدليل»، أن نجاح حركات التمرد يتطلب توافر عدد من العوامل، منها قيادة كاريزمية، وأنصار، ومجندون، وإمدادات، وملاذات آمنة، وتمويل يكون غالبًا من أنشطة غير مشروعة، وتوافر قبول ضمني من السكان، يتحقق عندما تكون القضية السياسية المحركة للتمرد ذات جاذبية قوية، فتوظف من أجل ذلك الهوية الدينية أو القبلية أو المحلية؛ من أجل استغلال المظالم المجتمعية المنتشرة واحتياجات السكان.
ويُشير إلى أن المتمردين يهدفون إلى إطالة زمن الصراع، واستنزاف طاقة الحكومة، وكسب تأييد شعبي كافٍ لإجبار خصومهم على الاستسلام أو تسوية النزاع سياسيًّا، وتتطور حالات التمرد من خلال سلسلة من المراحل، ويسعى المتمردون إلى السيطرة على السكان من خلال مزيج من الإقناع والتخريب والإكراه، بينما يستخدمون تكتيكات حرب العصابات، ليكافئوا قوة قوات الأمن الحكومية.
وتَحَدَّثَ «الدليل الأمريكي»، بشكل مفصل ومرتب عن طرق جمع المعلومات في عمليات مكافحة التمرد، ومنها جمع المعلومات من المصادر البشرية؛ حيث تظل للمصادر البشرية أهمية كبرى في جمع المعلومات، رغم استحداث طرق فنية وتقنية متطورة، فمثلًا يمكن للتصوير الجوي أن يوضح إخلاء السكان لقرية من القرى، لكن المصدر البشري هو الذي يُقدم تفسيرات لأسباب المغادرة ودوافعها.
وتتنوع مصادر جمع المعلومات بهذه الطريقة، فتشمل المعلومات المتحصل عليها أثناء دوريات التأمين، وتقارير قوات العمليات الخاصة التي تعمل مع السكان المحليين، والاتصالات مع قوات أمن الحكومة المضيفة والزعامات المحلية، ومعلومات المقاولين الأجانب والمحليين الذين يعملون في مشروعات البنية التحتية، والخطوط الساخنة التي تتلقى المعلومات من الجمهور عبر الهاتف والبريد الإلكتروني، والشخصيات الأمريكية المدنية العاملة في المكان مثل الصحفيين.
كما يُشير الدليل، إلى أن المعلومات المُتَحصَّل عليها من المحتجزين والمنشقين، تُعد من أهم أنواع المعلومات التي يُمكن الحصول عليها من مصادر الاستخبارات البشرية؛ لأنها تتناول المشاعر والدوافع والأهداف والتكتيكات، وتُعطي صورة مفصلة عن طبيعة الحركات المتمردة.
ويُؤكد «الدليل» أهمية الاستجوابات الفورية التكتيكية للصنفين المذكورين، ومقارنة المعلومات المتحصل عليها منهم بالمعلومات المتحصل عليها من المعدات والوثائق والأشياء المهملة التي سبق الاستيلاء عليها، لتوفير فهم أفضل للتمرد.
ويُمكن الحصول على المعلومة من خلال «استخبارات المصدر المفتوح»، التي تُساعد في فهم بيئة العمليات والتوجهات العامة للمتمردين عبر متابعة وسائل الإعلام، مثل القنوات الإخبارية والصحف ومحطات الإذاعة المحلية التي تتناول البيئة محل التمرد.

استخبارات الإشارة والتصوير
ويُضيف «الدليل»، وسيلة جديدة، وهي «الاستخبارات التصويرية»، وتُستخدم في مراقبة مساكن المتمردين والمرافق الآمنة المحتملة لهم، وفي كشف التحركات غير العادية للأفراد والإمدادات، ويُسهم التصوير الجوي الثابت للمباني في كشف التغيرات طويلة الأمد في الإنشاءات، وتعمل منصات المراقبة الجوية على متابعة المتمردين أثناء العمليات، وتُؤمِّن المراقبة مناطق يصعب استخدام مراكز الملاحظة البشرية فيها.
ويُؤكد «الدليل»، ضرورة وجود «استخبارات الإشارة» التي تلعب دورًا أساسيًّا في جمع المعلومات من المناطق الخاضعة لسيطرة المتمردين عن مواقع ونوايا وقدرات ومعنويات العدو، وتُسهم في تأكيد أو استبعاد تقارير الاستخبارات البشرية، و«الاستخبارات الفنية»، التي تُساعد في تقديم المعلومات عن قدرات المتمردين ومعداتهم، فهي تشمل كيفية استخدام المتمردين لأجهزة تفجير العبوات الناسفة ومدافع الهاون والصواريخ المصنعة محليًّا.
ومن ضمن وسائل الحصول على المعلومة الاستفادة من «الاستخبارات الجيومساحية»، والتي تشمل استغلال وتحليل المعلومات التصويرية، والجيومساحية؛ من أجل الوصف والتقييم والعرض المرئي للخصائص الطبيعية والنشاطات المرتبطة بجغرافيا المكان، وتُسهم في تحديد مسارات التهريب والملاذات الآمنة، كما يُمكنها المعاونة في تحديد المنشآت المهمة.
وكذلك الاستفادة من الوثائق والمهملات والأحراز والبيانات المُتَحصَّل عليها من أجهزة الكمبيوتر والهواتف النقالة، إذ توفر تلك الوسائل معلومات حيوية يحتاج إليها المحللون لتقييم حركات التمرد وإمكاناتها وفهم نواياها، كما تُسهم في بيان مستوى مصداقية المعلومات المُتحصل عليها من المحتجزين ومصادر الاستخبارات البشرية الأخرى.
ويُضيف، أنه من ضمن وسائل الحصول على المعلومات، ضرورة الاستفادة من «سجلات الملكية»، التي تتضمن وثائق نقل الملكية وغيرها من الوثائق التي تُحدد ملكية الأراضي والمباني، ما يُساعد في تحديد الأشخاص الغرباء ممن لا يوجد سبب منطقي لإقامتهم في مناطق وجودهم، و«السجلات المالية»، التي تُساعد في تَتَبُّع مصادر تمويل المتمردين، وفهم طرقهم في تحويل الأموال.
ويُشير «الدليل»، إلى أن هذه الطرق المذكورة لجمع المعلومات تُسهم في تكوين تصور واضح عن الحركات المتمردة والمفاصل الأساسية لها، وهوية قادتها وسماتهم، وأساليب المتمردين ودوافعهم وإمكاناتهم، وعلاقتهم بالبيئة المحيطة بهم، ما يُساعد على بناء وتطوير استراتيجية مكافحة التمرد المناسبة لمواجهتها.
ويُشدد على أهمية اتباع القواعد الأمنية الشهيرة من قبيل المعرفة على قدر الحاجة، وانتقاء العناصر غير الثرثارة، وتجنب استعمال الهواتف النقالة في التواصل، وتوفير أغطية مناسبة لتحركات العناصر وأنشطتهم، والاعتماد على التجهيزات غير الظاهرة تحت الأرض من خنادق وأنفاق ومخابئ.

أمريكا تُساعد الحلفاء
وذكر «الدليل»، أن هدف الولايات المتحدة من المشاركة في حملة مكافحة التمرد، هو مساعدة الحكومة المتضررة على بسط سيطرتها من خلال تأسيس وتطوير وتعزيز المؤسسات الحكومية الفعالة والشرعية، فتُساعد الولايات المتحدة الحكومة المتضررة بالاستراتيجيات التي تشمل العناصر المعلوماتية، والأمنية، والسياسية، والاقتصادية.
وأشار إلى أن خبرات مكافحة التمرد من خلال التجربة الأمريكية تستند إلى عدد من الافتراضات، منها أن الجهود الحاسمة لهزيمة التمرد نادرًا ما تكون عسكرية، على الرغم من أن الأمن هو الشرط الأساسي للنجاح، وتعمل الجهود الأمريكية على إنشاء هياكل حكومية محلية ووطنية تخدم السكان، إلى جانب تفعيل أهمية التحلي بالصبر للنجاح في تلك الصراعات الطويلة.
واعتبر «الدليل الأمريكي»، أن مكافحة التمرد عبارة عن مزيج من الجهود المدنية والعسكرية الشاملة، التي تهدف إلى احتواء التمرد الحادث ومعالجة أسبابه الجذرية في آنٍ واحد، ذلك بخلاف الحرب التقليدية، فالوسائل غير العسكرية هي أكثر العناصر فاعلية، في الوقت نفسه الذي تلعب فيه القوات العسكرية دور المُهيِّئ للساحة.
"