يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

الانسحاب الأمريكي من أفغانستان.. كبار آسيا في مواجهة الإرهاب والمصالح المتشابكة

الخميس 08/يوليه/2021 - 05:15 م
المرجع
نهلة عبدالمنعم
طباعة
لا تزال أصداء الانسحاب العسكري الأمريكي من أفغانستان تدوي بالمنطقة الآسيوية تاركة تكهنات مختلفة حول مستقبل الصراع، وترتكز أغلبها حول احتمالات نشوب حرب أهلية في كابول، وفرص التيارات الداخلية نحو السيطرة على الحكم، ومستقبل العلاقات بين الحاكم الأفغاني الجديد والدول الإقليمية الكبرى صاحبة الملفات الأكثر جدلًا مع واشنطن.
الانسحاب الأمريكي

وتجتمع المتغيرات سالفة الذكر في اختبار أمني معقد حول طبيعة العلاقات الإرهابية بالبلاد والمصالح المختلفة للتيارات المتشددة، إذ تفرض الصورة الحالية للأوضاع في كابول تساؤلات حول نفوذ تنظيم داعش وتنظيم القاعدة وما ستخلفه التنافسية بينهما من عنف واضطراب، وذلك إلى جانب حركات إرهابية أخرى ذات علاقات تعاونية وإقليمية بطالبان وترتكز على الحدود مع باكستان.


القاعدة في أفغانستان تحقق مصالح واشنطن

ارتبط الوجود الأمريكي في أفغانستان بتنظيم القاعدة، إذ قررت الولايات المتحدة دخول البلاد عسكريا على إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي نفذها تنظيم القاعدة بمعاونة حركة طالبان التي أتاحت للتنظيم فرصًا للتدريب والتخطيط والتنفيذ من جبال تورا بورا.


وبعد قرار الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس السابق دونالد ترامب بالانسحاب من البلاد وإنهاء الوجود العسكري الذي بدأ منذ 2001، في أطول حرب خاضتها واشنطن خارج أرضها، تبرز التساؤلات حول  نتائج الأهداف التي وضعت للاجتياح، وهل بالفعل استطاعت الولايات المتحدة تقويض قدرة تنظيم القاعدة على تهديد مصالحها؟، وماذا أحرزت في ملف التعاون بين القاعدة وطالبان؟.


يقول وزير الخارجية الأمريكي، انتوني بلينكن، في أحدث تصريح له حول الإشكالية: إن تنظيم القاعدة في أفغانستان لم يعد يشكل تهديدًا حقيقيًّا لبلاده أو لأي بلد آخر، مضيفًا في مقابلة مع قناة إيطالية في 29 يونيو 2021 أن الحكومة الأمريكية ستُبقي على علاقتها الدبلوماسية مع كابول وستدعم الحكومة الأفغانية بالمساعدات الاقتصادية والمالية.


وأكد بلينكن أن مهمة الولايات المتحدة في تقويض قدرة تنظيم القاعدة على مهاجمة الأهداف الأمريكية، وأنها لن تعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر مجددًا قد نُفذت بنجاح، مشددًا على أن الاجتياح العسكري لأفغانستان حقق أهدافه في ملف تنظيم القاعدة.


تبقى تأكيدات بلينكن مقابلة لتحليلات أمريكية أخرى تدفع بأن طالبان لا تزال تتعاون مع القاعدة وأن الأخيرة ستكون قادرة بشكل أو بآخر على إعادة تجميع صفوفها بعد الخروج الأمريكي، ولكن الأبرز في إطار العلاقة بين الولايات المتحدة والقاعدة حتى نستطيع أن نحكم على تحقق الأهداف لا يرتبط بنشاط القاعدة بشكل عام وبقائها من اندثارها كتنظيم متطرف بينما الأهم وهو ما أكدته تصريحات بلينكن أن التنظيم لا يهدد مصالح واشنطن بغض النظر عن الأوضاع الأمنية الداخلية والإقليمية.


إن تاريخ الولايات المتحدة في خوض الحروب الخارجية تحت مسمى مواجهة الإرهاب يعضد أطروحات المصلحة الآحادية بما يعني أن مستقبل مواطني أفغانستان واستقرارهم السياسي والأمني والاقتصادي وحتى ملف حقوق الإنسان لا يعني قيمة حقيقية بالنسبة لواشنطن التي تهتم لمصالحها فقط كغيرها من الدول الكبرى، وتشكل العراق أبرز مثال على هذه الإشكالية.

الانسحاب الأمريكي

الحركات المتطرفة ومن الأقرب للسيطرة في أفغانستان

تتضمن أفغانستان تيارات متحاربة تحلم بالسيطرة على الحكم أبرزها طالبان التي تمكنت من تعظيم نفوذها بالبلاد بالرغم من الوجود العسكري لأمريكا وحلفائها في الناتو، حتى اضطرت واشنطن لتوقيع اتفاقية سلام تاريخية معها في 29 فبراير 2020 شملت بنودها الانسحاب العسكري للقوات الأجنبية مع ضمانات بعدم تحول أفغانستان لمعسكر إرهابي كبير يهدد مصالح واشنطن، إلى جانب بند قطع العلاقات بين طالبان وأي حركة إرهابية أخرى وأبرزهم القاعدة.


ومن ثم فإن قرار واشنطن بتوقيع اتفاقية الانسحاب من أفغانستان مع طالبان فقط كطرف آحادي وسط التخلي عن حكومة أشرف غني وحرمانها من الانضمام لطاولة المفاوضات، بالإضافة إلى الضغط عليها لتسليم طالبان جميع سجنائها في مبادلة مشروطة لتحقيق بند المفاوضات الداخلية التي تضمنتها المعاهدة، يعني ضوءًا أخضر أمريكيًّا بأن تعتلي طالبان قمة السلطة في البلاد أو على الأقل اعتراف بأنها الأكثر قدرة وتحكمًا في مقاليد البلاد.


وبالتالي فإن حديث بلينكن عن دعم الحكومة الأفغانية يبقى في إطار الدبلوماسية الخطابية والشكلية لعدم الإعلان صراحة عن تخلي واشنطن عن حلفائها وفقًا لمعايير القوة والمصالح، كما أنها توضح مدى ضعف سيطرة الحكومة على الأرض.


وتزداد مع هذه المتغيرات فرص طالبان في السيطرة الأشمل على البلاد وبالأخص بعد الاجتياحات الأخيرة للحركة وضمها لمناطق جديدة لسيطرتها، وأمام سيطرة طالبان كجماعة متشددة ولكنها محلية الفكر والطموح تبقى التنظيمات الأخرى وأبرزهم داعش متغير يهدد الأمن الداخلي، ويهدد سيطرة طالبان الكاملة على الأرض دون مناوشات داخلية، ويعري خطاب واشنطن الحريص على ضمان حياة كريمة لمواطني العالم الشمولي والثيوقراطي.


ومن جهته، أشار القائد العسكري الأمريكي سكوت ميللر في 29 يونيو 2021 إلى أن توسعات طالبان المستمرة تعني بأن الوضع الأمني مع انسحاب واشنطن سيشهد اضطرابًا داخليًّا كبيرًا قد يجر البلاد إلى حرب أهلية.


ووسط تصارع التيارات المتطرفة تبقى طالبان الطرف الأكثر قوة على الأرض تلك القوة التي برهنتها المحادثات الاستخبارية الأخيرة بين قادة الحركة وحكومة الهند التي لطالما اعتبرت الحركة تنظيمًا إرهابيًّا، ما يعني أن نيودلهي باتت تقر بأن طالبان الطرف الأوفر حظًا في السيطرة داخليًّا.


وحول فرص التيارات الداخلية وما ينتظر البلاد من صراعات عنيفة بين الجماعات المتطرفة يقول الباحث في شؤون الحركات المتطرفة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، علي بكر في تصريح لـ«المرجع» إن طالبان هي المرشح الأهم للسيطرة وهي التي تمتلك القدرة العسكرية والشعبية على الأرض.


وأضاف بكر أن الحركة ستجتهد بكل ما تملك من قوة لتحافظ على حلمها في حكم أفغانستان بعد الفرصة التي منحتها لها واشنطن بعد انسحابها في ظل قوة عسكرية لطالبان واعتراف سياسي بوجودها بعد معاهدة فبراير التاريخية، أما عن حكومة أشرف غني فهي ضعيفة ولا تملك السيطرة سوى على العاصمة كابول وأجزاء صغيرة من البلاد، ووسط الاضطراب الداخلي يرجح أن يزداد نفوذ تنظيم داعش الذي يسعى لمنافسة تنظيم القاعدة في معقله الرئيسي.

الانسحاب الأمريكي

الانسحاب الأمريكي وتعقد المشهد الإقليمي

تستعد واشنطن لاستكمال خطوتها الأخيرة للرحيل عن أفغانستان تاركة خلفها مشهدًا إقليميًّا شديد التعقد، إذ يبدو أن الإدارة الأمريكية حققت مصالحها في الداخل مقررة إنهاء خسائرها لترك الجميع يخسر داخل كتلة اللهب المتصارع عليها دوليًّا وتنظيميًّا.


ترتبط الصين وروسيا بمصالح خاصة مع حركة طالبان أبرزها وجود عدو مشترك وهو الولايات المتحدة التي استطاعت تحييد أحد أهم الأعداء في المنطقة وهو الحركة المتشددة عبر اتفاقية تحقق مصالح الطرفين، وبالتالي تبقى إشكالية المخاطر الأمنية قائمة، فتنظيم داعش على سبيل المثال مرشح بقوة لاستغلال الاضطراب الأمني لتهديد استقرار دول الجوار بعد أن بات خارج السيطرة في هذه المنطقة.


إذ يعني انسحاب واشنطن بكل وضوح وضع روسيا والصين وإيران وباكستان والهند في مواجهة مباشرة مع الجماعات الإرهابية بالمنطقة بما تحمله الدول الخمس من إشكاليات حساسة مع جماعات الإسلام الحركي، فالصين وروسيا والهند لديهم عقيدة متشددة في التعامل مع الحركات الإرهابية، وفي ذات الوقت يمثلون أهدافًا أكثر حيوية لتنظيم داعش بالأخص.


وفيما يخص إيران صاحبة العلاقات المنفعية مع القاعدة فهي لا تملك الأواصر ذاتها مع داعش الذي يتسم بالتشدد الأكبر نحو النظام الملالي وعقيدته ما يمثل تهديدًا حقيقيًّا لها، بيد أن علاقات طهران وطالبان قد تبقى على المحك في حال اللعب بأوراق التنظيمات الداخلية أو إذا ما قررت طهران إمداد الشيعة بالأسلحة تحت ذرائع مواجهة الهجمات الداعشية ضدهم.


المزيد.. دلالات تقارب الحكومة الهندية مع حركة طالبان

"