يصدر عن مركز سيمو - باريس
عاجل
ad a b
ad ad ad

منقلبًا على «تصفير المشاكل».. أردوغان يتحرك عسكريًّا في الشرق الأوسط لتحقيق الأوهام العثمانية

الإثنين 22/يونيو/2020 - 03:19 م
المرجع
أحمد سامي عبدالفتاح
طباعة

في السنوات الأخيرة، برز التدخل العسكري التركي بشكلٍ مباشر في عدد من الدول الشرق أوسطية، لدرجة أن أنقرة أصبحت تمارس أعمالًا عسكرية في ثلاث دول عربية في الوقت ذاته، في تجاهل سافر من الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان الانعكاسات السلبية لتصرفاته العدوانية وأثر ذلك على علاقة بلاده مع الدول العربية.



منقلبًا على «تصفير

تحول كبير


وتعد التدخلات العسكرية التركية تحولًا كبيرًا في سياساتها الخارجية التي اعتمدت من قبل على سياسة «تصفير المشاكل» مع دول الجوار في عهد أحمد داود أوغلو، الذي شغل منصبي رئيس الوزراء ووزير الخارجية. وقد هدفت سياسة داود أوغلو بشكل رئيسي إلى تدعيم الاقتصاد التركي من خلال تجنب التصعيد مع أي من دول الجوار في القضايا المتنازع عليها، على اعتبار أن تحسين الوضعية الإقتصادية وزيادة دخل المواطن هو الوسيلة المثلى لتدعيم بقاء «العدالة والتنمية» في الحكم لأطول فترة ممكنة.


منقلبًا على «تصفير

تحييد الجيش


كما هدفت سياسة «تصفير المشاكل»، بشكل غير مباشر، إلى تحييد دور الجيش في السياسة لأن تصاعد النزاعات العسكرية داخل أي دولة يجعل من القرار السياسي رهينًا للمؤسسة العسكرية، على اعتبار أن كل القرارات يتم اتخاذها من منظور أمني. علاوة على ذلك، قد يؤدي التدخل العسكري الخارجي، في حالة فشله عن تحقيق أهدافه، إلى إضعاف النظام السياسي القائم وربما إسقاطه.


ولكن بعد المحاولة الانقلابية غير الناجحة في 2016، قام حزب العدالة والتنمية الحاكم بتبني حزمة تعديلات دستورية تم على إثرها تحويل النظام البرلماني إلى آخر رئاسي، مع منح شخص رئيس الدولة صلاحيات واسعة. هذا الأمر مكّن أردوغان من عزل العديد من قادة الأفرع الرئيسية داخل الجيش، ما ساعد حزب العدالة والتنمية على أن يبسط يده بقوة على المؤسسة الأمنية داخل البلاد.


لاحقًا، قام الجيش التركي بغزو الأجزاء الشمالية من سوريا تحت ذريعة مواجهة التنظيمات الكردية المسلحة التي تصنفها أنقرة إرهابية. وفي نوفمبر 2019، قامت تركيا بتوقيع اتفاقية أمنية مع حكومة الوفاق الليبية، تم على إثرها ارسال قوات تركية بشكل مباشر لدعم حكومة الوفاق ضد الجيش الوطني الليبي، الأمر الذي ساهم في زيادة التوتر بين تركيا وعدد من الدول الأوروبية الرافضة لوجود تركي في جنوب المتوسط.


ويعد التدخل العسكري التركي في لبييا عملًا نوعيًّا لأنها المرة الأولى، منذ وصول «العدالة والتنمية» لسدة الحكم في 2002، التي تشارك فيها تركيا في المعارك كطرف رئيسي في مناطق غير ملاصقة جغرافيًا لها من أجل تحقيق أهداف اقتصادية بالدرجة الأولى. ويمكن أن نستدل من ذلك على فعالية الإجراءات التي اتبعها حزب العدالة والتنمية في تطويع المؤسسة العسكرية قبل أن يبدأ في استغلالها خارج البلاد من أجل تحقيق منافع اقتصادية. علاوة على ذلك، يعد استخدام القوات العسكرية خارج الحدود مؤشرًا على تنامي القوة والنزعة العدوانية، الأمر الذي تسبب في توتر العلاقات التركية العربية بشكل رئيسي.



منقلبًا على «تصفير

دوافع التحول المفاجئ


لاشك أن التحول الجذري في توجهات السياسة الخارجية التركية ارتبط بشكل قاطع بثورات الربيع العربي التي اجتاحت المنطقة في عام 2011 والتي تم على إثرها الإطاحة بعدد من الأنظمة في بلدان شمال أفريقيا. وقد تسبب هذا الأمر بإحداث نوع من الفراغ الأمني، الأمر الذي أدى إلى ازدياد وتيرة الأعمال الإرهابية في المنطقة. ولأن المنطقة كانت ولا تزال تتسم بحالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، فإن أنقرة حاولت استغلال كل أدواتها العسكرية والدبلوماسية من أجل المساهمة في إعادة تشكيل المنطقة بما يحقق صالحها الخاص.


بصفة عامة، يمكننا أن نرجع سياسة الإندماج العسكري المباشر التي تبنتها أنقرة مؤخرًا لعدد من الأسباب، نذكرها على النحو التالي:


1- فشل سياسة الدعم الخفي: منذ أن بدأ النزاع المسلح في سوريا، قامت تركيا بدعم التنظيمات المسلحة المناهضة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد بالمال والسلاح فضلًا عن الدعمين الإعلامي والدبلوماسي، إلا أنها فشلت في تحقيق أهدافها المتمثلة بشكل رئيسي بإسقاط النظام السوري. في الإطار ذاته، لعبت السياسة التركية دورًا مهمًا في تحقيق فجوة أمنية داخل سوريا، الأمر الذي نجم عنه تكوين تنظيمات كردية مسلحة، ما دفع تركيا في نهاية المطاف للتدخل في سوريا بشكل مباشر. الآن، باتت تركيا تمتلك أكثر من 10 آلاف جندي داخل سوريا، وفق تقارير صحفية، في انتهاك واضح لسيادة الدولة السورية.


2- تدعيم الوجود في الممرات المائية المهمة: عملت تركيا مؤخرًا على تدعيم وجودها في البحرالأحمر، وتحديدًا في مضيق باب المندب لأهميته الكبرى في التجارة العالمية. ويعد باب المندب نقطة محورية في تجارة النفط العالمية التي تربط الشرق بالغرب. ففي عام 2016، تدفق نحو 4.8 مليون برميل يوميًّا من مضيق باب المندب. ويفسر ذلك رغبة تركيا بالوجود في هذه المنطقة، حيث قامت في سبتمبر 2017 بافتتاح أكبر قاعدة عسكرية لها خارج الحدود، في الصومال.


3- دعم الأنظمة الحليفة: ترتبط تركيا بعلاقة خاصة مع النظام القطري. ولعل صفقة تبادل العملات التي تمت 20 مايو خير دليل على ذلك؛ حيث قامت أنقرة بمبادلة عملتها المحلية مع قطر باتفاق يبلغ قيمته 15 مليار دولار، وهو ثلاثة أضعاف ما تم الاتفاق عليه بين البلدين في 2018. أيضًا، في 2017، قامت تركيا بإنشاء أول قاعدة عسكرية لها في الدوحة. وفي 2019، افتتحت تركيا قاعدة عسكرية أخري لها في الدوحة تحت اسم «طارق بن زياد» من أجل توفير الدعم العسكري اللازم للنظام القطري.


4- فرض أمر واقع جديد في شرق المتوسط: تولي تركيا اهتمامًا كبيرًا للغاز في شرق المتوسط وتسعى بالتعاون مع حكومة الوفاق الليبية لفرض أمر واقع جديد. وقد لعبت هذه الرغبة دورًا رئيسيًّا في تدخل تركيا العسكري في ليبيا. ويعد التدخل في ليبيا مختلفًا عن الوجود العسكري التركي في أي مكان، لأنها المرة الأولى، منذ وصول «العدالة والتنمية» إلى سدة الحكم في 2002، التي يتم إرسال الجيش للقتال بشكل رئيسي في نزاع بعيد جغرافيًّا عن تركيا.



منقلبًا على «تصفير

تداعيات سلبية


أدت التدخلات العسكرية التركية في الشرق الأوسط إلى زيادة حالة الاحتقان فضلًا عن توتر علاقتها مع الدول العربية وخاصة الخليجية. علاوة على ذلك، تسببت التحولات المفاجئة في سياسة تركيا الخارجية في تعميق عزلتها في المنطقة العربية، لدرجة أن دعوات المقاطعة الشعبية للمنتجات التركية تجتاح مواقع التواصل الإجتماعي بين الحين والآخر.


كما جاء التدخل العسكري التركي في سوريا بنتيجة سلبية على علاقة تركيا بحزب العمال الكردستاني. فبعد مفاوضات جادة استمرت لعدة سنوات بين الطرفين بهدف إنهاء الحرب التي استمرت لأكثر من عقدين مقابل دمج الأكراد سياسيًّا في تركيا، عادت الحرب مرة أخرى بين الطرفين حينما شنت تركيا عملية عسكرية تحت اسم «درع الفرات» في أغسطس 2016، ما دفع حزب العمال الكردستاني لإعادة استئناف نشاطه العسكري مرة أخرى.


 وعلى الجانب الاقتصادي، تراجعت الليرة التركية بشكل غير مسبوق، لدرجة أن قيمتها وصلت إلى 7 ليرات مقابل الدولار الواحد في شهر مايو 2020 بسبب تراجع احتياطي النقد الأجنبي في البلاد. كما تراجعت الاستثمارات الأجنبية في تركيا بنسبة 22% في عام 2019، مع العلم أن الدول الخليجية تعد ثالث أكبر مستثمر أجنبي في تركيا. 


في النهاية، يجب أن نذكر أن التحول المفاجئ في سياسة تركيا الخارجية ارتبط بشكل كبير بمحاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في 2016، حيث قرر الحزب الحاكم تغيير النظام السياسي في البلاد وتركيز المزيد من الصلاحيات في أيدي رئيس الجمهورية، الأمر الذي مكّن حزب العدالة والتنمية من تفويض الجيش التركي للقيام بعمليات خارج الحدود.

"