يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

نساء «داعش».. من «بريق المغامرة» إلى «صدمة الاغتصاب»

الخميس 28/يونيو/2018 - 03:23 م
المرجع
دراسة: طه علي أحمد
طباعة
مع توالي الهزائم التي يتعرض لها تنظيم «داعش»، وفقدانه ما يزيد على 90% من الأراضي التي كان يُسيطر عليها في سوريا والعراق، وما ترتب على هذه المستجدات من تناقص عددي بين صفوف مقاتليه، لجأ التنظيم الأخطر والأشد دموية في القرن الحادي والعشرين إلى تجنيد النساء لسد احتياجاته القتالية، ونجحت الآلة الدعائية له في استقطاب الكثير من النساء بمناطق متعددة حول العالم، وهو الأمر الذي جعل الجناح النسائي واحدًا من أهم قطاعات التنظيم، خاصة مع تأسيس «كتيبة الخنساء» النسائية عام 2014. 

وتتعدد الأدوار التي تقوم بها «كتيبة الخنساء» ما بين التجنيد، ومتابعة شؤون نساء التنظيم، وصولًا إلى مراقبة سلوكهن في المناطق التي يُقمن فيها، مثل مدينتي الموصل العراقية، والرقة السورية، والمتابع لظاهرة تجنيد النساء داخل «داعش»، يجد أنها باتت ظاهرة تؤرق الكثير من الدول إقليميًّا وعالميًّا. 

الجناح النسائي 
ينقسم الجناح النسائي بتنظيم «داعش» إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول: يهتم بالإنجاب ورعاية الشؤون المنزلية، وتُعرَف من يقُمن بهذه المهمة بـ«السبايا» و«الأسيرات»، ويتم التعامل معهن كالجواري؛ والقسم الثاني: يهتم بالخدمة المدنية كالتعليم والصحة وغيرهما مما تحتاج إليه النساء، ويضطلع بهذه المهمة المتعلمات من نساء التنظيم؛ أما القسم الثالث فيضم المجاهدات اللواتي يقمن بحمل السلاح، ويأتين من جنسيات مختلفة -عربية وغير عربية. 

ووفقًا لوثيقة أصدرها تنظيم داعش، تحت عنوان: «المرأة في الدولة الإسلامية: بيان ودراسة حالة»، يستعرض فيها بالتفصيل دور النساء في التنظيم؛ فإن عمر النساء اللاتي يقمن بالإنجاب ورعاية الشؤون المنزلية يتراوح ما بين التاسعة والسابعة عشر عامًا، وبحسب الوثيقة -التي توضح أبرز معالم الفكر الذي يتبناه الدواعش تجاه المرأة- فإن المرأة «مهما فعلت لن تستطيع إثبات أنها أكثر ذكاءً ومهارةً من الرجل»؛ ذلك أن الوظيفة الأساسية لها -كما تحدد الوثيقة- هي أن «تبقى في المنزل مع زوجها وأطفالها»؛ أما خروجها من المنزل فهو مشروط -وفقًا للوثيقة- بالظروف الاستثنائية، كالجهاد في حال عدم وجود الرجال، وهو ما نلاحظ تحققه على أرض الواقع مع تتبع مسيرة تنامي دور المرأة في التنظيم. 

ومع النجاحات التي حققها التنظيم في مراحله الأولى؛ لم تتحمس قياداته -في ذلك الوقت- لأمر مشاركة النساء في ميدان القتال؛ حيث طلب زعيم داعش «أبوبكر البغدادي»، الإبقاء على النساء خلف صفوف المقاتلين، واقتصار دورهن على رعاية الشؤون الأسرية، ولم يكن التنظيم -آنذاك- يعاني من النقص العددي، كما هو الحال اليوم جرَّاء الهزائم التي تعرض لها خلال السنوات الأخيرة، والتي أجبرت «البغدادي» أن يتراجع عن موقفه، ويُصدر فتوى تنص على: «في حال وجود نقص في أعداد المقاتلين، فمن الممكن تدريب النساء للمشاركة مع أزواجهن في المعارك»، وهي الفتوى التي عُدِّلت من قِبَل التنظيم في أكتوبر من العام 2017؛ حيث أصبح قتال النساء واجبًا وليس اختيارًا. 

دوافع الانضمام 
هناك العديد من الأسباب التي تدفع النساء للانضمام إلى تنظيم «داعش»، نذكر منها: 

أولًا؛ حب المغامرة والإثارة: إذ تبحث غالبية النساء المنضمات إلى التنظيم عن تصورات رومانسية، ورغبة في العيش بشكل فريد من نوعه، كما أن التفكير يجنح بمعظمهن إلى ترسيخ قناعة أن الانتماء إلى التنظيم سيضفي عليهن عظمة تاريخية، وذلك على خلفية التأثر الشديد بالآلة الدعائية لـ«داعش» الذي يستقطب «عرائس الجهاد» عن طريق إغرائهن بالحياة الكريمة التي يدعي أنه يوفرها لهن، لاسيما أولئك اللواتي لديهن ميل للفرار من الخلافات الأسرية والواقع الاجتماعي المليء بالإحباطات. 

ثانيًا؛ المال: وهو من المغريات القوية التي يستقطب بها «داعش» النساء؛ فعلى سبيل المثال المرأة المنضمة إلى «كتائب الخنساء» تحصل على راتب شهري يصل إلى 160 ألف ليرة سورية- ما يعادل 160 دولارًا. 

ثالثًا؛ الآلة الدعائية للتنظيم: لعبت دورًا مهمًّا في استقطاب الكثير من النساء، خاصة الوافدات من المجتمعات الأوروبية، وهو ما يتجسد بوضوح في قصة الفتاتين نمساويتي الأصل «سامرا كيزينوفيتش» البالغة من العمر 16 عامًا، وصديقتها «سابينا سلموفيتش» ذات الخمسة عشر ربيعًا، واللتين أعلنتا في مطلع العام 2014 الانضمام إلى صفوف المقاتلين بتنظيم «داعش»، عقب تأثرهما بأفكار الشباب الشيشاني المقيمين في العاصمة «فيينا»، وقد تركت الفتاتان -قبل مغادرتهما إلى سوريا- رسالة قالتا فيها: «نحن على الصراط المستقيم، سافرنا لنقاتل في سوريا من أجل الإسلام، ولا جدوى من البحث عنَّا، سنجاهد في سبيل الله، ونموت من أجله، نراكم في الجنة»، وهو ما يوضح دور الآلة الدعائية للتنظيم في استغلال الروح المثالية، وبراءة المرحلة العمرية للمنضمين إليه. 

كتيبة الخنساء 
تشكلت كتيبة الخنساء عام 2014 بمدينة الرقة السورية، بعد العمليات التي نفَّذها الجيش السوري الحر (فصيل تأسس في 29 يوليو 2011 من قِبَل كبار الضباط في القوات المسلحة السورية بهدف إسقاط حكومة الأسد) ضد التنظيم، وترتدي عناصر «الخنساء» زيًّا مميزًا، ويُعرفن بحملهن السلاح، إضافة إلى قيود -كلبشات- وقبضات من نوع خاص، وأغلب عناصر هذه الكتيبة من الأجنبيات اللاتي لا يُجدن تحدث العربية  ، ويتراوح عددهن ما بين 800 و1000 مقاتلة، وتصل الرواتب التي تتقاضاها كل مقاتلة بالكتيبة إلى ما يزيد على 1500 دولار أمريكي. 

وتُعد «أم المقداد» -سعودية الجنسية، المعروفة بـ«أميرة نساء داعش»، والبالغة من العمر 54 عامًا- من أبرز قادة الكتيبة، وهي مسؤولة عن تجنيد الفتيات والسيدات بمحافظة الأنبار العراقية، وأُلقي القبض عليها في يناير من العام 2014 . 

كما أن هناك «أم مهاجر»، وهي تونسية الجنسية، وأُوكل إليها مسؤولية كتيبة الخنساء في الرقة السورية، وتم عزلها بسبب عدم تطبيقها تعليمات التنظيم الإرهابي بجلد النساء في أسواق مدينة تلعفر العراقية. 

وهناك –أيضًا- «سجى الدليمي»، زوجة زعيم «داعش» «أبوبكر البغدادي»، وهي تنتمي لعائلة يتبنى أغلبها أفكار التنظيم، وكان والدها أحد أهم ممولي ومؤسسي التنظيم، وقُتل في عملية دير عطية سبتمبر 2014، وفقًا لتصريحات وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق؛ تزوجت «الدليمي» ثلاث مرات، الأولى من شخص عراقي يُدعى «فلاح إسماعيل جاسم» -قتل في معارك الأنبار عام 2010-، وفي المرة الثانية تزوجت من أبي بكر البغدادي، وكان ذلك في العام 2008 وانفصلا بعد 3 أشهر من زواجهما، وهي متزوجة حاليًّا من شخص فلسطيني الجنسية. 

أما عضو كتيبة الخنساء المعروفة بـ«أم حارثة»، فهي مسؤولة عن نشر صور انتصارات «داعش»، خاصة تلك الصور التي التُقطت لعناصر التنظيم وهم يستبيحون فصل رؤوس الجنود السوريين عن أجسادهم في عيد الفطر، وقت استيلائهم على عدد من المدن السورية. 

وتأتي «ندى معيط القحطاني»، على رأس قائمة النسوة اللاتي يضطلعن بمهام قيادية في كتيبة الخنساء؛ حيث إنها أول مقاتلة سعودية تنتمي لـ«داعش»، وكان ذلك برفقة شقيقها، وتقول عن هذا الأمر: «سبب انضمامي لداعش هو تخاذل الرجال عن تلبية دعوة التنظيم، وهو ما يقتضي دخول النساء لدعم صفوفه.« 

ومن ضمن النساء القياديات في كتيبة الخنساء «عائشة عثمان»، المعروفة بـ«الأميرة عائشة العراقية»، ذات الثلاثين ربيعًا، وهي من محافظة ديالى شمال العراق، وعملت مُدَرسة للتمريض، ولديها صلات قوية مع ضباط بالجيش العراقي المنحل، واعتُقلت وأُودعت بمعتقل أبوغريب عام 2004. 

وهناك –أيضًا- التوأمتان بريطانيتا الجنسية «سلمى» و«زهرة»، اللتان تعود جذورهما إلى الصومال، ووفقًا لصحيفة «ديلي ميل» البريطانية فإنهما تعهدتا بعدم العودة إلى بريطانيا؛ حيث تتدربان على استخدام الأسلحة، خاصة القنابل اليدوية، وبنادق «كلاشينكوف.« 

أما إنجليزية الأصل «أقصى محمود»، والمعروفة بـ«أم ليث»؛ فقد انضمت إلى صفوف «داعش» وهاجرت إلى سوريا، ووفقًا لتصريح أُدلى به إلى قناة العربية فإن «أيون نيل» بوحدة مكافحة الإرهاب والتطرف بوزارة الداخلية البريطانية، يصفها بأنها من أخطر نساء بريطانيا تبنيًا لأيديولوجية التطرف، وأكثرهن دعمًا لتنظيم داعش في سوريا والعراق. 

وتقوم «أم ليث» بتشجيع النساء على أن يكُنَّ زوجات للشهداء، فضلًا عن ترويجها لُخطب «البغدادي»، وأدبيات التنظيم ووثائقه، كما تقوم باستقطاب الفتيات البريطانيات، وضمهن إلى تنظيم «داعش»، ومن أبرز الفتيات اللاتي استقطبتهن المراهقات البريطانيات الثلاث: «شميما بقيوم»، و«أميرا عباس» البالغتان من العمر 15 عامًا، و«خديجة سلطان» ذات الستة عشر ربيعًا، والفتيات الثلاث التحقن بصفوف التنظيم مطلع فبراير من العام 2015، وسهلت «أم ليث» سفرهن إلى سوريا عبر تركيا؛ بغرض تزويجهن من مُسلحي التنظيم. 

ومن النساء صاحبات الدور القيادي في صفوف «كتيبة الخنساء» «سالي جونز» البالغة من العمر 54 عامًا، وهي مغنية راب سابقة، وأم لطفلين، وانضمت لـ«داعش» في سوريا، وأصبحت في فترة وجيزة أشهر نساء التنظيم، وأُسند إليها مسؤولية تجنيد عناصر جديدة، وقُتلت بالقرب من الحدود العراقية السورية في غارة أمريكية يونيو من العام 2017 مع ابنها البالغ من العمر 12 عامًا، وذلك أثناء محاولتها الهرب من الرقة باتجاه بلدة «الميادين» شرقي سوريا. 

أوروبا ونساء «داعش» 
تُعد أوروبا بيئة خصبة ومصدرًا حيويًّا أمدَّ «داعش» بالنساء، ولعلَّ نجاح التنظيم في استقطاب نساء أوروبا، يرجع في المقام الأول إلى آلته الدعائية النشطة في العديد من الدول الأوروبية، خاصة تلك التي توفر ملاذًا آمنًا للتيارات المتطرفة، مثل: بريطانيا وألمانيا والنمسا، والتي ينشط على أراضيها دور الجماعات الإرهابية، وفي مقدمتها جماعة «الإخوان» ذات الوجود التاريخي في كل من ألمانيا وبريطانيا، ووفقًا لعدة تقارير نشرها موقع «دويتش فيلله» الألماني، وقناة «فرانس 24» الفرنسية؛ فإن ما يقارب 60 فتاة فرنسية انضموا إلى داعش في سوريا ، فضلًا عن 500 فتاة بريطانية نجح التنظيم في استقطابهن. 

وفي مقابلة مع صحيفة «راينيشه بوست» الألمانية، أشار هانز جيورج ماسن -رئيس هيئة حماية الدستور (جهاز المخابرات الداخلية في ألمانيا)- إلى أن أربع قاصرات ألمانيات توجهن إلى العراق وسوريا من أجل «الجهاد»، بعد أن تعرفن على أزواجهن عبر شبكة الإنترنت، فضلًا عن المغريات المادية التي يقدمها التنظيم إلى هؤلاء النساء. 

وبجانب ذلك فإن حالة الاغتراب التي يعاني منها الكثير من النساء في المجتمعات الأوروبية، تقف خلف تفضيل الكثير منهن الانضمام للتنظيم، وفي السياق نفسه فإن الفتيات اللواتي تربين على القيم الغربية كالعدالة والمساواة، واحترام حقوق الإنسان يرفضن –بالطبع- ما يتعرض له الشعب السوري من مجازر يومية، وصور بشعة للجرحى والقتلى من الأطفال؛ نتيجة التناحر السياسي، وهو ما تتخذ منه الآلة الدعائية لـ«داعش» سبيلًا لمغازلة المشاعر الإنسانية بين الفتيات الأوروبيات. 

تحديات تواجه «الخنساء» 
على الرغم من المأزق الذي يعانيه تنظيم داعش؛ بسبب التفوق النسبي للرجال من حيث المهارات القتالية والقوة البدنية على النساء، في الوقت الذي تتوالى عليه الهزائم، وما يترتب عليه من نقص عددي، تبقى محاولات هروب النساء من التنظيم أهم التحديات التي تواجهه، خاصة مع تعرض غالبيتهن للصدمة الكبرى مع انكشاف حقيقة التنظيم، وتعرض أغلبهن للاغتصاب من مقاتليه؛ فضلًا عن الخوف والرعب الذي يُلازم بقاءهن نتيجة مقتل مَنْ حاولت منهن الهرب. 

فبعد أن سافرت الفتاتان النمساويتان «سامرا» و«سابيا»، وتعرضتا للصدمة، أرسلت «سامرا» -التي كانت تُلقَّب بملكة جمال داعش- رسالة إلى أهلها تشكو فيها من تعرضها للاغتصاب أكثر من مئة مرة وأنها حامل، إلى أن أعلنت وزارة الداخلية النمساوية أنها تلقت خبر مقتل «سامرا» في ظروف غامضة. 

وبجانب تعرض أغلب نساء التنظيم للاغتصاب؛ فإنهن يعانين من عدم وجود وثائق هوية معترف بها رسميًّا لأبنائهن، وهو ما عبَّرت عنه الكثير من الحالات التي تمكنت من الفرار، ولجأت لسلطات الدول المجاورة لتوثيق شهادات تثبت هوية أبنائهن. 

إن تعدد مثل هذه الحالات يكشف عن حقيقة أخطر التحديات التي تواجه كتيبة الخنساء بل والتنظيم كله؛ فبجانب الهزائم المتتالية التي يتعرض لها التنظيم؛ فضلًا عن انحسار الدعم المالي والتضييق السياسي المحيط به، خاصة بعد تضييق الخناق الإقليمي والدولي على القوى الداعمة له ماليًّا وإعلاميًّا وسياسيًّا، مثل: قطر وتركيا، حيث تكشف أغلب الحالات التي تم القبض عليها أنهن وصلن إلى سوريا عبر الأراضي التركية. 

إن كل ذلك يضفي المزيد من الخناق على الجناح النسائي الذي مثَّل بدوره البديل لانحسار دور الرجال بالتنظيم، وهو ما يُلقي بالمزيد من الأعباء المستقبلية على أخطر التنظيمات الإرهابية في العالم بالقرن الحادي والعشرين.

الكلمات المفتاحية

"