يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

انفصال «نهضة تونس» عن «الإخوان» بين الحقيقة والمناورة

الجمعة 19/أكتوبر/2018 - 04:54 م
المرجع
شريف أبو الفضل
طباعة

تزعمت حركة «النهضة» التيار الإسلاموي في تونس، وجسدت التطور التاريخي لحركة الإسلام السياسي في إحدى محطاته في شمال أفريقيا، ذات الموقع المتميز القريب من الجماعات الإسلاموية في منطقة الشمال والغرب الأفريقي، فضلًا عن قربها من حدود أوروبا؛ حيث ظهرت الحركة في أوائل سبعينيات القرن الماضي، وأعلنت عن نفسها بشكل رسمي في 1981.


اتخذت العلاقة بين حركة النهضة والنظام الحاكم في تونس حالات من المد والجزر، وصل الأمر فيها إلى المواجهة والصدام، لاسيما إبان عهد الرئيس التونسي الأسبق «زين العابدين بن علي»، مفضلًا التعامل معها من خلال الاقتراب الأمني - باعتباره رجل أمن في المقام الأول- على غيره من الاقترابات، وبعد رحيل «بن علي» تصدرت المشهد السياسي مستغلة حالة الفوضى والارتباك التي أصابته.


انفصال «نهضة تونس»

انتمت حركة النهضة فكرًا وتنظيمًا لجماعة الإخوان المسلمين؛ حيث بايع أحميدة النيفر، أحد قادة «النهضة»، المرشد العام للإخوان المسلمين في موسم الحج عام 1973 وكان «حسن الهضيبي» آنذاك([1])، ورغم محاولات النهضة المتكررة النأي بنفسها عن كونها فرعًا للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين في تونس، فإن تحركاتها وأدبياتها تشي بأنها فرع التنظيم الدولي لجماعة الإخوان في تونس، كما أنها لم تقم بأي قطيعة معرفية مع جماعة الإخوان، وكل ما تقوم به لا يعدو أن يكون نوعًا من أنوع التمويه والمراوغة، وهو ديدن الإخوان في كل مكان؛ من أجل تحقيق هدف «التمكين» والوصول إلى مرحلة «أستاذية العالم».


 تتميز «النهضة» عن غيرها من الجماعات التي تندرج تحت لواء «الإخوان» في امتلاكها القدرة على التلون والتكيف طبقًا للمعطيات والظروف سواء الخاصة بالداخل التونسي أو الخارجي الإقليمي والدولي، وكان لجماعة الإخوان المسلمون في مصر عظيم الأثر على المسار التنظيمي والحركي وحتى الفكري على إخوان تونس.


 وتتضمن الورقة عدد من النقاط كالآتي:

أولًا: العمل السياسي للحركة.

ثانيًا: علاقة الحركة بالإخوان.

ثالثًا: موقف حركة النهضة من الإطاحة بإخوان مصر وتداعيات ذلك على الحركة.

رابعًا: هل دعاوى انفصال الحركة عن الجماعة الأم صادقة؟

انفصال «نهضة تونس»

أولًا: العمل السياسي للحركة

ترجع بدايات الحركة إلى عام 1969؛ حيث التقى كل من راشد الغنوشي وعبدالفتاح مورو، وغيرهم من القيادات المؤسسة للحركة، وتم الاتفاق على تأسيس ما سُمي وقتئذ بـ«الجماعة الإسلامية»، واتخذت الجماعة في البداية موقفًا مؤيدًا للحكومة ومرحبًا به من قِبَل الحزب الحاكم آنذاك (الحزب الاشتراكي الدستوري)، الذي رأى في التيار الإسلاموي منافسًا للتيار اليساري الذي كان يهيمن على المعارضة، وفي السنة نفسها، أسس «عبدالقادر سلامة» أحد قيادات الحركة مجلة «المعرفة»، التي بدأت عام 1972 في نشر أفكار الجماعة بطريقة غير مباشرة، وفي عام 1974 أصبحت «مجلة المعرفة» المنبر الفعلي لأفكار الحركة[2].


تواصلت تحركات الإسلاميون خلال تلك الفترة؛ حيث أقيم بشكل سري المؤتمر الأول المؤسس للجماعة الإسلامية في «منوبة» عام 1972 بحضور 60 شخصًا، وجرت فيه المصادقة على قانونها الأساسي الذي انبنت على أساسه هيكلة التنظيم[3]، غيرت الجماعة اسمها إلى «حركة الاتجاه الإٍسلامي» وظلّت طوال فترة حكم الرئيس الراحل «الحبيب بورقيبة» بهذا الأسم.


للمزيد.. «الجناح العسكري» لـ«النهضة» .. هل يحبط فرص إخوان تونس في انتحابابات 2019


دخلت الحركة في صدامات متكررة مع الحكومة إبان فترة الثمانينيات، باستثناء عام 1985 الذي شهد تحسن في علاقة الحركة بالحكومة التي سمحت بإنشاء الاتحاد العام التونسي للطلبة المقرب منها، واستغلت الحركة هذه الفرصة وسافر بعض قياداتها إلى الخارج؛ من أجل تلقي الدعم السياسي والمادي للحركة، ومنها زيارة عبدالفتاح مورو، إلى فرنسا ولقائه الرئيس ميتيران، ومستشار ألمانيا هلموت شميت، وفي كلا اللقائين عبر الرئيسان عن أنهما لا يستطيعان تجاوز القضاء لمنح اللجوء السياسي لمورو[4].


وبعد انقضاء حكم «بورقيبة» وتولي «بن علي» استغلت «الحركة» فترة الانفتاح السياسي المؤقت الذي دشنّها «بن علي»  في بداية حكمه،  فلجأت إلى تغيير مسماها إلى حركة «النهضة» في فبراير 1988؛ من أجل ترخيصها كحزب سياسي؛ حيث كان يحظر قيام أحزاب على أساس ديني وهي محاولة بائت بالفشل ولم يتم الترخيص للحركة التي كانت تطمح بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية أبريل 1988[5].


كما وقعت الحركة على وثيقة الميثاق الوطني الذي دعا إليها «بن علي»، كنوع من مداهنة السلطة والتي ما لبثت وانقلبت عليهم، ووجهت تهم للحركة بمحاولة الانقلاب على نظام «بن علي» واغتياله في 1991، وهو الأمر الذي أدى إلى تعقب الجماعة وعناصرها في الفترة اللاحقة وحتى 2011.


وبعد العرض التاريخي الموجز لعمل حركة «النهضة» في تونس ما قبل 2011، يمكن استخلاص بعض سمات العمل السياسي لدى حركة «النهضة»:


1- التمويه: عمدت حركة «النهضة» إلى استخدام أساليب التلون والتمويه في مسارها الحركي منذ نشأتها، شأنها في ذلك شأن الجماعات الإسلاموية التي تخفي عكس ما تظهر؛ من أجل الوصول لأهدافها، فقد غيرت الحركة اسمها من «الجماعة الإسلامية» إلى حركة «الاتجاه الإسلامي» إلى «النهضة»، لكي تتفادى النقد والعقوبات التي قد تُفرض عليها.


2- السعي نحو التمكين: يُمثل «التمكين» الهدف الأسمى لحركة «النهضة»؛ ومن أجل هذا «التمكين» يمكن أن تداهن الجماعة السلطة كما حدث في بعض المراحل في عهد «بورقيبة» و«بن علي».


3- التكيف مع معطيات الداخل والخارج: استفادت «النهضة» مما أصاب حركات الإسلام السياسي في الدول التي أصابتها احتجاجات الربيع العربي، ولاسيَّما ما تعرض له إخوان مصر من ضربة قاسمة أدت بـ«النهضة» إلى اتخاذ كل التدابير اللازمة؛ من أجل الحيلولة دون الوقوع بالمصيرنفسه، كما استوعبت الحالة المزاجية للشعب التونسي، وكونه يطمح إلى تحقيق متطلباته الاقتصادية والسياسية في المقام الأول وليس شعارات دينية لا تشبع نهمه لحياة كريمة حرة.

انفصال «نهضة تونس»

ثانيًا: علاقة الحركة بالإخوان المسلمين

مع تأسيس التنظيم العالمي لجماعة الإخوان رسميًّا سنة 1982 على يد المرشد الخامس للجماعة مصطفى مشهور، أضحت حركة الاتجاه الإسلامي (الاسم القديم لحركة النهضة) عضوًا ناشطًا في التنظيم، يمثلها راشد الغنوشي الذي عمل كحلقة وصل بين التنظيم الدولي وبين أوروبا والمغرب العربي أيضًا، وفي شهادة قدمها الشيخ عبدالكريم مطيع الحمداوي، مؤسس الحركة الإسلامية بالمغرب الأقصى ونشرت في مارس 2013، اتهم فيها الغنوشي بالعمل على اختراق الحركة الإسلامية في المغرب بتكليف من جماعة الإخوان نهاية السبعينيات[6].


وهنا يمكن الإشارة إلى بعض النقاط التي تثبت انتماء الحركة بشكل كامل لجماعة الإخوان المسلمين:

1- ظروف النشأة: تتفق حركة النهضة في تونس في أسباب نشأتها مع أخواتها من جماعات الإخوان المسلمين في غيرها من الدول، فتزعم الحركة أنها رد فعل لسياسات القهر السياسي والتردي الاقتصادي وعمليات التغريب وطمس الهوية الإسلامية.


2- تشابه المرجعية الفكرية: اتخذت الحركة في بداياتها مسارًا مقاربًا للمرتكزات والمناهج الصوفية والسلفية التي صاغها «مالك بن نبي» [7]، إلا أن هذا كله ذهب أدراج الرياح مقابل التمسك بأدبيات جماعة الإخوان المسلمين التي لا تمانع من اتخاذ الأساليب العنيفة في التعامل مع الواقع الذي يرونه واجب التغيير، واعتمدت الحركة أفكار سيد قطب وحسن البنا والمودودي.


للمزيد.. «حركة النهضة» .. ذراع إخوان تونس للسيطرة على المشهد السياسي

 

3- تشابه السياسات والمنهجيات: يتفق على أن علاقة حركة النهضة التونسية بالتنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين هي علاقة الفرع بالأصل، ومارست الحركة السياسات والمنهجيات نفسها التي اتخذتها الجماعة في مصر، فركزت على مخطط تكوين الفرد والجماعة ونظام الأسر لتكوين «ظهيرًا مجتمعيًّا» يكون مساندًا وداعمًا ومغذيًا للحركة، كما اهتمت بسياسة «الاندساس» داخل أجهزة الدولة؛ لتكوين ظهير إداري لها بجانب الظهير المجتمعي.


4- إخفاء الهوية: تتفق حركة «النهضة» التونسية مع أخواتها من الجماعات الإسلاموية بشكل عام، في أسلوب إخفاء الهوية وإدعاء الانفتاح على المجتمع المدني كإحدى الحيل؛ من أجل الوصول إلى مرحلة «التمكين»، فمثلًا اتخذت «النهضة» عدد من الأسماء لنفسها؛ من أجل الحيلولة دون الإيقاع بها في شرك القانون والقضاء والحل والتعقب.


5- التربيطات والتحالفات المدنية: كما الحال في مصر عندما لجأت جماعة الإخوان المسلمين للتحالف مع الأحزاب المعارضة من اليسار واليمين والحركات المناوئة لحكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، وبعد أحداث يناير 2011 من التحالف مع القوى السياسية المختلفة؛ من أجل الوصول لمرحلة «التمكين»، فإن حركة النهضة احتذت نفس الحذو، وأقامت شبكة علاقات مع القوى المدنية فى تونس وجماعات الضغط.



6- أسلوب الحل وإنكار الانتساب للجماعة: تلجأ الجماعات الإسلاموية دائمًا إلى حل نفسها بغية تفادي المواجهة التي قد تجلب لها المضرة أكثر من المنفعة تطبيقًا لاستخدامهم للقاعدة الشرعية التي تقول «درء المفاسد أولى من جلب المنافع»، فمثلًا لجأت الحركة لحل نفسها في 6 يونيو 1981 في ذروة المواجهة مع نظام الرئيس الأسبق «بورقيبة»؛ حيث كشفت قوات الأمن التونسية التنظيم الخاص لحركة الاتجاه الإسلامي (النهضة فيما بعد)؛ ما أدى إلى تشديد القبضة الأمنية على الحركة وأعضائها، الأمر الذي دفع أعضاءها إلى عقد مؤتمر الحركة الثاني بشكل سري في «سوسة» في أبريل 1981[8].
انفصال «نهضة تونس»

ثالثًا: موقف حركة النهضة من الإطاحة بإخوان مصر وتداعيات ذلك على الحركة

عبرت حركة «النهضة» ورئيسها راشد الغنوشي بشدة عن تنديدها الكبير بعزل الرئيس المعزول محمد مرسي بعد ثورة يونيو 2013 في مصر، ووصفت ما وقع في مصر بالانقلاب، وقالت: إن الشرعية في مصر واحدة يمثلها مرسي، ورفض الغنوشي في كلمة له في معهد السلام الأمريكي في 28 أكتوبر 2015 وصف الإخوان المسلمين بالإرهاب، وقال إنهم يرفضون بأي شكل اللجوء إلى العنف.


كما أن الشيخ عبدالفتاح مورو، نائب رئيس «النهضة»، وأحد قادتها التاريخيين، شارك في الاجتماع الذي عقده التنظيم العالمي للجماعة في أحد فنادق مدينة لاهور، عاصمة إقليم البنجاب الباكستاني، والذي بحثت خلاله قيادات الإخوان أسباب انتكاسة حكم الجماعة في مصر وتداعياتها[9].


مثل الإطاحة بحكم جماعة الإخوان في مصر هزة عنيفة لدى فكر وحركة أغلب التيارات الإسلاموية، وفي القلب منها حركة النهضة لظروف التشابه المبدئي بين مصر وتونس من حيث اندلاع أحداث 2011 التي أدت إلى الإطاحة بالنظم الحاكمة في كلا الدولتين «مبارك في مصر» و«بن علي في تونس» وأيضًا التقارب الفكري والتشابه العملي الكبير بين الحالتين، مع احتفاظ كلًا منهم بخصوصية محلية واضحة.


وإزاء حالة التخبط التي أصابت التيار الإخواني بعد عزل مرسي لم تشارك النهضة في الانتخابات الرئاسية التونسية 2014 في محاولة لتفادي آثار الغضب الشعبي ضد الإخوان، ولم تدعم أي مرشح في الدورة الأولى وكذلك بقيت على الحياد في الدورة الثانية بين المرشحين الإثنين (الرئيس السابق منصف المرزوقي والباجي قايد السبسي)، ولكن ذكرت مصادر عدة، أن قواعد حركة النهضة صوتت بكثافة للرئيس المنتهية ولايته المنصف المرزوقي في الدورتين، على اعتبار أنه أتاح لهم الفرصة للمنافسة والدخول في معترك السياسة والتمكين، ومع ذلك فاز الباجي قائد السبسي بالرئاسة[10].


كان تراجع «النهضة» خطوة للوراء وعدم تصدرها المشهد السياسي التونسي عام 2014 من النتائج المباشرة للنكسة التي تعرض لها إخوان مصر وارتداداتها على حركة النهضة والشعور الشعبي تجاه جماعات الإٍسلام السياسي بشكل عام، و لتدارك آثار انخفاض شعبية الإخوان عمدت الحركة إلى النفي مرارًا وتكرارًا انتسابها لإخوان مصر بغية منها في التنصل وتفادي السيناريو الكارثي الذي تعرضت له الجماعة في القاهرة من الإطاحة برئيسهم محمد مرسي وتعقب قياداتهم قضائيًّا وهروب آخرين إلى قطر أو تركيا أو بريطانيا، حتى وصل الأمر بالغنوشي أن هاجم التنظيم الدولي للإخوان وليس فقط إخوان مصر في محاولة منه للتبرؤ التكتيكي من الجماعة[11].


كما قامت الحركة بشكل مفاجىء بالإعلان عن فصل العمل الحزبي عن العمل الدعوي، نتيجة للمتغيرات الإقليمية واستجابة لمتطلبات المرحلة الراهنة التي فرضت عليها، ولا يعدو هذا الإجراء كونه مناورة سياسية من الجماعة، ولعل هذا القرار أثار حفيظة بعض العناصر المتشددة داخل الحركة وفي غيرها من الجماعات كإخوان مصر الذين اعتبروا أن قرار الحركة فصل الدعوى عن الديني تخلي على المبادىء لا أساس له.

انفصال «نهضة تونس»

رابعًا: هل دعاوى انفصال الحركة عن الجماعة الأم صادقة؟

عقدت حركة «النهضة» مؤتمرها العام في 20 مايو 2016 وأعلنت فيه انفصال الحركة عن الإخوان من خلال تأكيدها فصل السياسي عن الدعوي في عمل الحركة، وتدشين حزب سياسي جديد يحمل اسم الحركة «حزب النهضة»، وقد رحبت إخوان الأردن بالخطوة في حين قوبلت بتجاهل وفتور من إخوان مصر والتنظيم الدولي للإخوان، ويمكن رصد عدد من الأسباب الحقيقية والخفية التي دفعت بالحركة لمثل هذا الإعلان (الادعاء):


1- تفادي المواجهة مع الدولة والمجتمع: أدت رغبة حركة النهضة في تفادي الدخول في مواجهة مع الدولة والمجتمع والحيلولة دون الوصول لما آلت إليه حال الجماعات الإسلاموية في بلدان ما سُمي بـ«الربيع العربي» إلى الإقدام على هكذا خطوة؛ لأن تعلم أن المواجهة سواء مع الدولة والتي ستفقدها شرعيتها ومشاركتها في السلطة وتعقبها أمنيًّا وقضائيًّا.


2- المتغيرات الإقليمية لحركات الإسلام السياسي: منيت حركات الإسلام السياسي في المنطقة، بانتكاسات ضخمة سواء في مصر أو سوريا أو ليبيا فضلًا عن المنحي الدموي الخالص للأحداث في سوريا، وهذه الانتكاسة دفعت إخوان تونس للتراجع خطوة للوراء وتقييم الأمور وإحداث المراجعات.


3- السياق التونسي السياسي والاجتماعي: الخصوصية السياسية والاجتماعية لتونس حيث إن المجتمع التونسي أكثر انفتاحا واحتكاكًا بالثقافة الغربية والتعليم الأجنبي، ما حال دون تمكن حركة «النهضة» من استخدام شعارات رجعية أو تطبيق سياسات تتعارض وتلك الثقافة المجتمعية المتمدينة.


4- تغير الخريطة السياسية في المنطقة والعالم: كان للأحداث التي أعقبت الانتفاضات التي انطلق في 2011 عظيم الأثر على تغير شبكة العلاقات والتوازنات الموجودة بالمنطقة وارتباطاتها بالعالم الخارجي؛ حيث تزعمت دول (مصر، السعودية والإمارات والبحرين والكويت) محور الدفاع عن الدولة الوطنية والحفاظ على أمنها واستقرارها، في مقابل تبنت دول أخرى (تركيا وقطر وإيران) محور دعم الجماعات المتطرفة وزعزعة استقرار الدول والسعي لإحداث فوضى وإعادة ترتيب للأوضاع بما يتوافق مع أجنداتهم الخاصة، لذا ارتأت حركة النهضة ضرورة إبداء المرونة والمراوغة السياسية من خلال إبداء انفصالها عن جماعة الإخوان إرضاء للمعسكر الأول الذي بات يتمتع بقوة إقليمية ودولية كبرى.


وعلى المستوى الدولي، كان لصعود التيار اليميني الشعوبي في العالم أثرًا بالغ على الجماعات الإسلاموية؛ حيث أفرز هذا التيار عن صعود رؤساء لا يميلون لهذه التيارات من الناحية الفكرية ويرحبون بوسمها بالجماعات الإرهابية الأمر الذي الدفع النهضة في مناسبات عدة لتبرؤها التكتيكي من جماعة الإخوان حتي لا تقع تحت طائلة عقوبات الجماعات الإرهابية.


وأخيرًا.. يمكن القول بأن إعلان حركة «النهضة» عن انفصالها عن التنظيم الدولي، خطوة أولية متفق عليها بين قيادات التنظيم الدولي والحركة؛ من أجل تنفيذ مناورة التعويم السياسي والاجتماعي للحركة وتعميق الانخراط داخل المجتمع التونسي سياسيًّا واجتماعيًّا، كما أن هذا الإجراء من جانب حركة «النهضة» يعد تراجعًا خطوة للوراء، وليس مراجعة تُحدث قطيعة معرفية وسياسية بالماضي، فهي مجرد إجراء تكتيكي لا ينفي عن الحركة مبادىء الجماعة الأم التي يصعب فيها الفصل التطبيقي بين الدعوي والسياسي.


ومما يعزز فرضية الانفصال التكتيكي هو إيمان الجماعات الإسلاموية بمحورية «التمكين» ووصولهم لمرحلة «أستاذية العالم»، وهو الهدف الأسمى لدى هذه الجماعات، وفي سبيله يضحون بالمبادىء ويبررون التلون والتكيف مع الظروف؛ من أجل هذا الهدف، وهو ما يفسر احتفاظ التيار المتشدد داخل الحركة بأدبيات وأفكار الإخوان التقليدية رغم إعلان الانفصال وفك الارتباط، وبذلك سيكون إعلانهم الانفصال عن الجماعة الأم مجرد «تراجع تكتيكي»، ما يلبث أن ينكشف ويلفظه التونسيون كما لفظه المصريون من قبل.

 

للمزيد.. «النهضة التونسية» من التخفي إلى السلطة .. قراءة في تكتيكات الصعود السياسي


[1] https://bit.ly/2RQ7q99

[2] https://bit.ly/2PANoOm

[3] https://bit.ly/1Hf6SkE

[4] https://bit.ly/1EN9UFS

[5] https://bit.ly/2pRyYya

[6] https://bit.ly/2RQ7q99

[7] https://bit.ly/1lfPBve

[8] https://bit.ly/2pRyYya

[9] https://bit.ly/2RVxZd5

[10] https://bit.ly/2CoWsSZ

[11] https://bit.ly/2OwNGcE

"