يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«التدين التركي».. «أنقرة» تستدرك خسارتها في سوريا بمعاونة الإخوان

الأربعاء 17/أكتوبر/2018 - 10:40 م
المرجع
سارة رشاد
طباعة

يبدو أن الترجيحات التي وضعها مراقبون بخصوص فشل ينتظر حلم الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان في عودة الخلافة العثمانية، بفعل المشهد السوري الذي يسير نحو استعادة الدولة السورية لعافيتها على حساب الفصائل المدعومة تركيًا، لن تلقى نصيب كبير من الصواب، إذ استبقت أنقرة المشهد السوري المعقد في مدينة إدلب (آخر مناطق نفوذ المتطرفين)، بخلق حضور ديني يوازي حضورها العسكري.

«التدين التركي»..

بدأ ذلك منذ أعلنت تركيا سيطرتها على منطقة «عفرين»، شمالي سوريا في مارس 2018، عقب مواجهات عسكرية دارت مع الأكراد، السكان الأصليين بالمدينة، ضمن معركة عرفت بـ«غصن الزيتون»، بدأت في يناير من نفس العام.


ولم تكتف تركيا بسيطرتها الإدارية على المدينة، إذ بدأت في تنفيذ سياسة تصدير مفاهيم دينية مستنسخة من «التدين التركي» (أحلام عودة الخلافة العثمانية)، الذى يمهد ذلك نفوس السوريين في الشمال لتقبل فكرة عودة الخلافة، معتمدة في ذلك على تبعية الأئمة لـ«هيئة الشؤون الدينية»، الجهة الدينية الأولى في تركيا وتعرف اختصارًا بـ«ديانت»، وإنفاقها على المساجد المهدّمة بفعل الحرب.


السياسة التي تسميها وسائل إعلام سورية بـ«تتريك الهوية»، لم تتوقف عند مناطق النفوذ المباشر لتركيا، بل امتدت إلى مناطق النفوذ غير المباشر، والمقصود بها مدن الشمال التي تسيطر عليها الفصائل المسلحة المدعومة أغلبها تركيًا، إذ كثّفت أنقرة فيها من الفعاليات الدينية والدورات الشرعية، معتمدة في ذلك على المجلس الإسلامي السوري، الإخواني المكون في 2014، برعاية تركية، إلى جانب «هيئة الشؤون الدينية».


وعلى عكس السهولة التي وجدتها تركيا في تصدير هذه المفاهيم في مناطق مثل «عفرين»، كانت الأزمة في مناطق سيطرة الفصائل وتحديدًا «إدلب» التي يوجد فيها أكبر حشد من الميليشيات المتشددة.


ويتناقض الخطاب الديني الذي تحاول تركيا تصديره إلى الشمال السوري مع خطاب الفصائل التي تتعامل مع تركيا كدولة علمانية كافرة لا يجمعها معهم إلا المصالح، من أجل ذلك ترصد تقارير، سعي تركيا نحو تضييق الخناق على الخطاب الديني لـ«هيئة تحرير الشام»، كبرى الفصائل العاملة في إدلب، مقابل إتاحة الفرصة أمام المجلس الإسلامي السوري.


وتحت مبرر يبدو في ظاهره خيريًا وهو تعويض الانهيار التعليمي في الشمال السوري، يقيم المجلس الإخواني عبر هيئاته ممثلة في (هيئة علماء حمص، رابطة خطباء الشام، اتحاد خريجي العلوم الشرعية، رابطة العلماء السوريين، رابطة علماء إدلب، هيئة الشام الإسلامية، مؤسسة زيد بن ثابت، المجلس الشرعي في حلب)، فعاليات تتراوح بين تقديم دروس علمية مقدمة الفهم التركي للدين، وافتتاح معاهد لتحفيظ القرآن، إلى جانب عقد دورات شرعية ومسابقات.


وإن كان استهداف عقول سوريّي الشمال هدفًا تركيًّا، عبر خضوع  كل المؤسسات التعليمية والدينية والصحية في أغلب مدن الشمال لسيطرة «هيئة الشؤون الدينية» التركية، فثمة لاجئون سوريون يقيمون في تركيا منذ أعوام، وتمارس عليهم أنقرة عملية غسيل أدمغة.


وتتحمل الهيئة التركية الدينية ومعها المجلس الإسلامي السوري، العبء الأكبر من هذه المهمة، إذ لا تكف عن تنظيم مسابقات لهم ، وبناء المدارس الدينية المقدمة لمضامين دينية تطابق التدين التركي.

أردوغان
أردوغان

ماهية هذا «الهيئة»

طوال الفترة التي سبقت قدوم الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى الحكم، ظلت «هيئة الشؤون الدينية» التركية، مجرد جهة دينية تأسست 1924م، لا تسعى إلى أكثر من تقويم السلوك الديني للأتراك، وبقى الوضع على هذا الشكل إلى أن حل أردوغان بحلمه في عودة الخلافة العثمانية في السلطة، فاستحدث دورًا جديدًا للهيئة هو خدمة الحلم العثماني، بتصدير التدين التركي، فيما يعرف بـ«القوة الناعمة».


وتعكس قناعة الرؤساء المتوالين على هذه الهيئة، المهمة الموكلة لهم، إذ يُنسب إلى الرئيس السابق للهيئة، محمد جورماز (2010: 2017) إنه عندما حل زائرًا على القدس، تحدث إلى المقدسيين عن الدور العثماني في حماية المدينة، وكيف حلت عليها الكوارث منذ سقطت خلافتهم، في تلميح إلى أن تحرير المدينة يتم عقب عودة «العثمانية».


ولا يتوقف دور الهيئة على المشهد السوري، إذ يرصد عقدها لفعاليات في المجتمعات الغربية، مستهدفة منها الجاليات المسلمة، لاسيما استقبال رئيسها لوفود دينية طلابية ورسمية من دول أفريقية وآسيوية. وبخصوص دور الهيئة في أوروبا أعلن مجلس الاتحاد الأوروبي،قبل يومين، فتحه تحقيقًا حول رسائل وتمويلات «هيئة الشؤون الدينية» التركية، بدول الاتحاد، للتيقن ما إذ كان لها علاقة بالتطرف أم لا.


ألمانيا بدورها كانت سبّاقة في هذه التحقيقات، إذ أعلنت في يناير 2017، عن ورود معلومات لديها تفيد بتورط  أئمة من «هيئة الشؤون الدينية» في تبليغ القنصليات التركية هناك، عن 28 تركيًّا، اعتقدوا في انتمائهم لحركة «خدمة»، التابعة للمعارض التركي، فتح الله كولن.

 للمزيد..التصوف في ألمانيا.. تركي الهوى ونقشبندي المنهج

  

وتتقاطع المفاهيم الدينية التي تعكف الهيئة على توصيلها من حيث دور تركيا في خدمة الإسلام، وإنها «حاملة شعلة إحياء الأمة» مع الرسائل التي تتبناها جماعة الإخوان، الأمر الذي يفسر اعتمادها على أئمة يعتقد ارتباطهم بالتنظيم الدولي للإخوان.


لهذا الأمر يعتقد أن هذه الهيئة تتلقى تمويلات ليس من الدولة التركية فقط، بل من جماعة الإخوان.


ويفسر ذلك المعلومات التي نشرتها صحيفة «الزمان» المعارضة، هذا الشهر، وقالت فيها إن الدولة التركية تتجه نحو رفع مخصصات الهيئة في ميزانية 2019، من 7.7مليار ليرة تركية، إلى 10.5 مليار ليرة، ما يعني تجاوز نصيبها لكلٍ من وزارة الاستثمار وجهاز الاستخبارات.


ويعكس ذلك مدى الأهمية التي تتمتع بها الهيئة ليس فقط في محاربة المعارضين أمثال فتح الله كولن، ولكن أيضًا تقديم خطاب ديني مغلف بالقومية التركية، والدفاع عن سياسات الرئيس التركي، كما فعلت أثناء محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا، يوليو 2016، إذ أمرت الهيئة المساجد بترديد الصلاة على النبي لتحفيز المواطنين بالنزول والدفاع عن النظام الحاكم. فيما كان لها دور في الأزمة الاقتصادية التي مرت بها تركيا مؤخرًا، إذ طالبت الأتراك بشراء المنتجات التركية.


وتعبّر صحف سورية عن خشيتها من اعتماد الهيئة في إدارة مدن الشمال، حال ما لم يحدث أي تحرك عسكري سوري لتطهيره من الإرهابيين، على مجموعة السوريين الذين يعملون داخل أجهزتها وتضمن ولاءهم لها. وتذهب الصحف إلى أن تركيا لو استعانت بهؤلاء السوريين ستكون ضمنت استمرار مسلسل «تتريك» الشمال.

"