يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

مستقبل التيار السلفي في تركيا

الخميس 04/أكتوبر/2018 - 03:47 م
المرجع
ياسمين حمدي أبو عيشة
طباعة
ظهر الخطاب السلفي في تركيا بعد انقلاب 1980؛ حيث تقاربت وقتها مع السعودية بهدف تعزيز تعاليم الدين الإسلامي الصحيح؛ لتقويض «الإسلام السياسي» لأربكان، ثم بدأت تظهر مفردة «السلفية» في كتابات بعض المفكرين الأتراك مع بدايات تسعينيات القرن العشرين، فتحدث بعضهم عن كونها «مدرسة شرعية ضمن الإسلام السني»؛ حيث أشار حلمي ديمير أستاذ الإلهيات في أحد مقالاته إلى دخول السلفية بوصفها تقليدًا سنيًّا له احترامه، وفي عام 1999 اعترفت مؤسسة الشؤون الدينية التركية «ديانت» بالسلفية كونها مدرسة دينية سُنية، ثم بدأ دعاة سلفيون مع بداية الألفية الثالثة يأخذون طريقهم إلى المجتمع التركي، ومن أهمهم عبدالله يولجو، وأصبح هناك شيوخ بارزون ينشطون تحت مسمى الدعوة السلفية، ومنهم أبوأنس.
مستقبل التيار السلفي

وتُعد دار الغرباء للنشر هي أهم معاقل السلفية التي تنشر فكرهم، وتقع في منطقة السلطان أحمد في إسطنبول.


خريطة التيار السلفي في تركيا

وتُعد الشخصية المركزية المعبّرة عن الاتجاه السلفي في تركيا الآن هو عبدالله يولجو، وهو من مواليد كركوك من تركمان العراق، ويُعرف في العالم باسم عبدالله الأثري.


ويتحدث علنًا، أنه جاء إلى تركيا بمهمة من الحركة السلفية؛ من أجل أسلمة المجتمع، ولديه دور نشر، وينظم مؤتمرات، وحلقات نقاش، ويطبع الكتب التي تدعو للجهاد، وتُطبع كتبه عادة باللغة العربية، وتوزع وقت الحج على الحجاج، ويتمتع أيضًا بعلاقات وثيقة مع حزب العدالة والتنمية ويدعمه، كما أن له علاقات تنظيمية مع مسلحي تنظيم القاعدة من ذوي الأصول الكردية، ولـه دور مهم للغاية في تجنيد الإرهابيين وإرسالهم للقتال في سوريا والعراق، ومنهم من أصبحوا قادة لكتائب «داعش» في الرقة وعدة مدن سورية أخرى.

       

ويرى «الأثري»، أن مشكلة الدولة الإسلامية في تركيا  قيامها على المذهبية، فنجد فيها المذهب الحنفي والعقيدة الماتريدية وأفكارًا صوفية، ونشرتها في جميع أرجائها، وفي المقابل لم نجد في تركيا خلال الخمسمائة أو الستمائة سنة في عهد الدولة العثمانية أي مصلح على طريقة أهل السنة والجماعة.

مستقبل التيار السلفي

ومن رموز السلفية التقليدية أيضًا -كما ذكر الباحث مصطفى زهران، في مقاله عن السلفية في تركيا- «أبوأنس»، وهو داعية تركي درس الشريعة في المملكة العربية السعودية، ويُنظر إليه أنه رسول السلفية الأبرز في المشهد الديني التركي، لم تخرج خطبه ودروسه عن تناول البدع والخرافات كما هو معروف عن السلفيين التقليديين، ويُعدُّ من المعارضين الحازمين للتصوف والصوفية، خاصة في قضايا الشفاعة وزيارة القبور، ويرى أنه قد تم تحريف المذهب الحنفي والشافعي، كما يرى أن أكبر خطأ للمسلمين هو انتسابهم للطائفة الماتريدية بعد مائتي عام من وفاة أبي حنيفة، ويؤمن بأن رؤية كل المذاهب الفقهية تتقاطع رغم اختلاف الفترات الزمنية، ولكن يرى أن المشكلة الحقيقية تتمثل في سوء فهم المسلمين للتراث الإسلامي، وبالتالي نخلص إلى أنه كسائر شخصيات الدعوة السلفية التركية، يمتلك الصفات الجدلية، ومن ذلك جداله مع أحمد محمود أونلي حول موضوعات تقليدية كالتصوف وزيارة القبور.

       

وهناك أيضًا، «أبو زرقاء»، وهو داعية سلفي معتدل؛ ولذلك يتعرض في أحيان كثيرة للانتقادات الحادة من السلفيين المتشددين والتكفيرين، يؤمن بانتقاد الأفكار المخالفة للمبادئ الأساسية للدين وليس الأشخاص، ويُعدُّ من تابعي السلفية العلمية، وينتقد السلفية الجهادية ومنطق التكفير حتى الشيعة والمعتزلة، ومن رأيه أن ادعاء بعض علماء الشيعة بأن القرآن محرف هو نظريات شاذة لا يمكن قبولها.

مستقبل التيار السلفي

من رموز السلفية التقليدية كذلك، «محمد بالجي أوغلو»، وهو من أهم شخصيات التيار السلفي في تركيا، وولد في أنطالية الواقعة في المنطقة الجنوبية بتركيا؛ ولكنه يقيم في إسطنبول، ويرى أن قيام الدارسين لعلوم الشريعة القادمين من دول المشرق بنقل نقاشات تدور في الدول إلى تركيا يؤدي لتصدير الحالة التكفيرية من بلدان المشرق لتركيا.


ويرى السلفيون أنفسهم أن مشكلة الدعوة السلفية في تركيا تتمثل نشأتها بطريقة غير طبيعية، بمعنى أن الدولة العثمانية لم تشهد ظهور مصلحين سُنيين، أما في تركيا الحديثة فإنها لم تشهد ظهور أي من هؤلاء الدعاة المبتعدين عن الدعوة إلى الصوفية أو الماتريدية أو غيرهما، ولكنها نشأت علي يد «الأثري» وأتباعه وانتشرت بين الناس.


طبيعة نشاط التيار السلفي في تركيا

ويستخدم التيار السلفي سياسة لينة في نشاطهم؛ حيث يرى أن الأتراك لديهم رد فعل مبالغ فيه، إضافة إلى نظرتهم المتعالية، وهو ما يتطلب معرفة كيفية التأثير على أنفسهم وإقناعهم بالأدوات السلمية، كما يعهد السلفيون إلى استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة، خاصة وسائل التواصل الاجتماعي.  

      

وتحسنت بيئة العمل الدعوي السلفي في تركيا؛ حيث يرى السلفيون أنهم يعيشون العصر الذهبي في سياسة تركيا منذ سقوط الدولة العثمانية، ومن أبرز مظاهر نجاحها افتتاح مدرستين لـ«تدريس العقيدة السليمة»، ويتجاوز عدد أتباع التيار السلفي الألف شخص، وذلك على خلاف ما كان سائدًا في الماضي.


علاقة التيار السلفي في تركيا بالجماعات السلفية في العالم

وفي إطار الحديث عن علاقة سلفيي تركيا بالجماعات السلفية في مختلف أنحاء العالم، نجد أنهم على تواصل دائم معهم، ففي 2011 احتضنت مدينة إسطنبول مؤتمر «السلفيون وآفاق المستقبل»، وحضره عدد كبير من رموز السلفية في العالم، كما تتم الاستعانة بجهود السلفيين القادمين من الدول الأخرى للتأثير في المجتمع التركي، ومنها جهود السلفيين القادمين من الكويت، والتي نتج عنها تأسيس «مؤتمر الأمة للتعاون العربي التركي» كمظلّة لبعض المشروعات، ومن أبرز الأنشطة التي يقوم بها المؤتمر دعم القضية الفلسطينية وقضايا العالم الإسلامي من خلال ندوات ولقاءات تجمع أعضاءه بممثلين عن حزب العدالة والتنمية وغيره من الناشطين السياسيين والإعلاميين الأتراك.

      

وتستخدم السلفية في تركيا وسائل عدة مختلفة للانتشار في المجتمع ومن أهمها: الدروس التي يقدمها «يولجو»، عادة في دار الغرباء أو في بعض البيوت؛ حيث السعي لاستهداف أفراد من المجتمع المحلي التركي لنشر أفكارهم، وكذلك الاعتماد على الرموز السلفية الوافدة من الخارج، والاعتماد على بعض الأتراك الذين عادوا من الخارج بعد الدراسة، مثل من درسوا في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، أو في الأزهر، ومن قاموا بأعمال جهادية في الثمانينيات والتسعينيات في أفغانستان أو البوسنة والهرسك، والتقوا هناك مع عرب سلفيين، ثم نقلوا تلك الأفكار، والاعتماد على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

       

ومنذ عام 2015 وكلمة سلفية تثير الكثير من الهواجس عند الأتراك، خاصة بعد تنامي «السلفية الجهادية»، وتنفيذها عددًا من عملياتها ضد الأتراك.

التحديات المواجهة للتيار السلفي في تركيا

 من أهم التحديات التي تواجه التيار السلفي في تركيا:

·        الطبيعة التركية المُتمسكة بتراثها الفكري والمذهبي.

·         ظهور السلفية «الجهادية»، وارتباطها بالسلفية «الدعوية» في العقل الجمعي.

·        التحديات المصاحبة لوضع سياسي مضطرب يجعل الدولة التركية أكثر حرصًا على السلام الداخلي.

·         الطبيعة السلفية التي تنتهج التدرج والهدوء في النشاط الدعوي.

 ولكن نجد أننا أمام حالة سلفية مستقرة تزداد انتشارًا ببطء على الأقل طالما استمرت الظروف كما هي.


علاقات التيار السلفي بالإخوان

طبيعة العلاقة بين الإخوان والسلفيين في تركيا عامة عدائية للغاية، ويصف الإخوان التيار السلفي بأنه يتاجر بالدين ويتلاعب به، أما السلفيون فيصفون الإخوان بالفشل، وأنهم فقدوا دعم المنتمين للتيار الإسلامي.

      

ولكن حدث تحول في طبيعة العلاقة ما بين السلفيين والإخوان بعد مؤتمر «السلفية في إسطنبول»؛ حيث يمثل طفرة نوعية في تشكيل أرضية مشتركة بين تيارات الإسلام السياسي،  نتيجة نجاح التيار السلفي في إيجاد مسافة بينه وبين تنظيم الإخوان، ويرى بعض المتخصصين في شؤون الجماعات الإسلامية، أن التوجه الجديد لجماعات الإسلام السياسي هو الاختباء تحت عباءة التنظيمات السلفية.

      

وتعتقد بعض التيارات العليمة بواقع الخطاب الديني المعاصر، أن السلفية بشكلها الإعلامي أو السياسي هي مستقبل الإسلام السياسي، ولكن السؤال المطروح الآن والذي سيكشف عنه أحداث المستقبل هو: ما طبيعة العلاقة بين أردوغان والسلفيين؟ لأن «أردوغان» ربما لا يتصالح مع التيار السلفي مستقبلًا، وذلك نظرًا للعداء التقليدي ما بين النظام والسلفيين، خاصةً أن أغلبهم يتبعون السلفية الجهادية التقليدية، كما أنه قد تم سجن أغلب أتباع التيار السلفي بعد الأزمة الاقتصادية الأخيرة في تركيا ومن أشهرهم عبدالله يولجو وأبو أنس.


 سيناريوهات مستقبلية   

يبدو من العرض السابق أنه ربما لا تتم المصالحة ما بين النظام التركي والسلفيين، نظرًا لطبيعة النظام الذي لا يقبل التيار السلفي داخل البرلمان والسلطة التنفيذية فيها، وكذلك عدم تَقَبل الشارع التركي لهم؛ حيث يظهر عزوفهم عن التعامل مع أتباع التيار السلفي في المعاملات اليومية، نظرًا للموروث الثقافي الراسخ لديهم عن التيار وفكره، ولكنهم مازالوا يسعون لأن يكون لهم قدم في تركيا، وهناك احتمالية لتحقيق ذلك بعد الهجرة المحتملة من قِبَل الخليجيين إلى تركيا وفقًا لما ذكره متخصصين في شؤون التيارات الإسلامية في تركيا.


ومصير المصالحة ما بين النظام التركي والسلفيين هو ما يحدد مستقبلًا مدى نفوذهم السياسي والاقتصادي، وكذلك قدرتهم علي التأثير في قرارات الدولة من عدمها.

"