يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«كرامات الأولياء» و«طموحات السادات».. الوجه الصوفي لـ«حرب أكتوبر»

الأحد 07/أكتوبر/2018 - 03:35 م
المرجع
سارة رشاد
طباعة

>> «البدوي.. ولي المِحَن» يُشير على «السادات» باتخاذ قرار الحرب


>> شيخ الأزهر للرئيس الراحل: رأيت رسول الله يعبر القناة.. ويقود جند مصر


>> «السادات» اعترف بدور أقطاب الصوفية في تحقيق النصر عندما زار «السيد البدوي» قبل قراءة خطاب النصر

«كرامات الأولياء»

«الدور الصوفي في حرب أكتوبر»، وجه لم يتطرق إليه الكثيرون عند حديثهم عن هذه الملحمة الخالدة، بالرغم من أنه يتوارى خلفه عشرات من القصص والروايات؛ فبينما حرب أكتوبر تمثل للمصريين ذلك الانتصار الوطني الكبير، فهي عند الصوفية تعني -إضافة إلى ما سبق- شيئًا آخر، وهو أن أغلبهم يقتنع حتى اليوم في أن الأولياء كان لهم دور رئيسي قاد جنودنا إلى تحقيق الانتصار.

«كرامات الأولياء»

فمن السيد البدوي، وحتى  مسجد الحسين، وصولًا إلى حكايات الجبهة، يفنّد «المرجع» روايات المتصوفة المصريين حول حرب السادس من أكتوبر 1973، والسبب الذي دفع الرئيس الراحل محمد أنور السادات، للإقرار بمعتقدات الصوفية، والذهاب بعيدًا معها.


أكتوبر في العقل الصوفي.. كرامات ورؤى

منذ زمن بعيد (قبل 779 عامًا تقريبًا)، بدأت قصة المصريين مع السيد البدوي، وذلك حين جاء القطب الصوفي المغربي إلى دلتا مصر، ليستقر في طنطا بأمر إلهي كما يردد أتباعه، مستعرضًا بعد ذلك كرامته.


أبرز كرامات «البدوي»، التي تعلقت بالوجدان الشعبي المصري، هي تحريره للأسرى المصريين خلال الحروب الصليبية، وكان العامة يستقبلونه في ذلك الوقت على مشارف طنطا وهو قادم ومعه الأسرى المحررون، بأهزوجة شعبية تقول كلماتها: «الله الله يا بدوي جاب الأسرى»، ومع مرور الزمن حرفت هذه الكلمات وأصبحت: «الله الله يا بدوي جاب اليسرى».

«كرامات الأولياء»

وإن كانت الرواية السابقة تفتقد لأي سند تاريخي يؤكد صحتها؛ إلا أن هذا لا ينفي حقيقة ثابتة، وهي أن المصريين كانوا (ومازالوا) يعاملون «البدوي»، من منظور أنه «ولي المِحَن»، و«المنقذ في أوقات الأزمات»، والذي إليه يلجؤون كلما داهمتهم الخطوب.


إحدى هذه الأزمات التي يؤكد المتصوفة أن «البدوي» أنقذ المصريين فيها كانت قبل 45 عامًا؛ وذلك عندما توجه الرئيس الراحل محمد أنور السادات، إلى مسجد السيد البدوي بطنطا قبل حرب السادس من أكتوبر 1973، ليستقبله إمام المسجد، وكان يُدعى «أحمد حجاب»، وصاحبه إلى غرفة تُعرف بـ«غرفة السر»، وهي غرفة لا تفتح لزيارات العامة، ومحفوظ بداخلها مقتنيات القطب الصوفي.


وبحسب الرواية؛ فإن «السادات» دخل إلى «غرفة السر» حائرًا، فألبسه إمام المسجد، عباءة السيد البدوي، وبشره بالنصر، ويؤكد المتصوفة أن الرئيس الراحل جاء إلى القطب الصوفي طالبًا المشورة فيما هو عازم عليه من خوض الحرب ضد العدو الإسرائيلي.


المتصوفة ليسوا وحدهم مَنْ يرددون هذه الرواية؛ إذ نقلها شخص مقرب من الرئيس الراحل، وهو محمود جامع، في كتابه الذي حمل عنوان: «عرفت السادات»، وأكد فيه أن «السادات» كانت تربطه علاقة قوية بالقطب الصوفي، فقد كان دائم التردد على مسجد السيد البدوي.


ويُرجع «جامع»، بدايات هذه العلاقة إلى فترة سابقة لتوليه رئاسة مصر، وبالتحديد عندما كان «السادات» ضابطًا صغيرًا في الجيش المصري، ثم صدر قرار بفصله، فذهب إلى «البدوي» يبكي، وفي هذه اللحظة أقبل عليه إمام المسجد «أحمد حجاب» (نفس الإمام الذي بشره بنصر أكتوبر)، مناديًا إياه بـ«خديو مصر»، في بشرة بأنه سيصبح رئيسًا للبلاد.

«كرامات الأولياء»

الملمح الصوفي لم يستبقِ حرب السادس من أكتوبر فقط؛ بل تخللها، عندما توجه الرئيس السادات قبيل قراءة خطاب النصر إلى المسجد البدوي، بطنطا، معلنًا بصورة ضمنية دور القطب الصوفي في تحقيق النصر.


وبعد حرب أكتوبر بعامين، أمر «السادات» بتوسعة المسجد البدوي، وسأل «حجاب» عن أمنيته؟ فطلب الأخير أن يُدفن عند وفاته بجوار القطب الصوفي، وبالفعل توفي إمام المسجد في عام 1978 ودفن بجوار السيد البدوي.


الرسول يقود جند مصر

وهناك وجه آخر للمشاركة الصوفية في حرب السادس من أكتوبر، وهو تلك الرؤية المنامية التي شاهدها شيخ الأزهر الراحل الدكتور عبدالحليم محمود (ذو النزعة الصوفية)، ورأى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو يعبر قناة السويس، ويقود الجيش المصري؛ فما كان منه إلا أن ذهب إلى الرئيس السادات وقصَّ عليه الأمر، وبَشَّره بنصر مرتقب.


ويُقال إن اختيار شعار «الله أكبر» جاء بتوصية من شيخ الأزهر الراحل، الذي أخبر «السادات» بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعبر القناة، حاملًا راية مكتوبًا عليها هاتين الكلمتين.


اعتقاد الصوفية بالغيبيات، تجاوز كل ذلك إلى إيجاد تفسيرات غير واقعية لأحداث حرب السادس من أكتوبر؛ وفي ذلك تُروى قصة عن عمليات قصف كانت توجهها المدفعية المصرية، في اللحظات الأولى من الحرب، باتجاه أهداف إسرائيلية، إلا أنها كانت تُخطئ في كل مرة وتضرب تلًّا يُسمى هضبة «أبو خشيب».


وبحسب الروايات الصوفية؛ فإن المدفعية المصرية ظلت تكرر محاولاتها لإصابة الهدف الحقيقي، ولكن دون جدوى، لتكتشف بعد ذلك صعود دخان كثيف من مركز تشويش وتنصت إسرائيلي، ضُرب دون قصد، وكان يتمركز بالهضبة.


وترى الصوفية أن ما حدث ما هو إلا ببركات الأولياء، ورؤية شيخ الأزهر الصوفي عبدالحليم محمود، التي تحمل دلالات مسبقة على النصر.

«كرامات الأولياء»

صوفية السبعينيات.. حضور برعاية رسمية


>> الباحث مصطفى عبدالظاهر: المجتمع المصري وجد ضالته في التصوف بعد هزيمة 1967


>> «المتصوفة» يؤمنون بأن نصر «أكتوبر» تحقق ببركات الأولياء والصالحين


خلال تناوله لتداعيات هزيمة الخامس من يونيو 1967 على المجتمع المصري، ذهب مصطفى عبدالظاهر، الباحث في العلوم الاجتماعية وتاريخ الشرق الأوسط، إلى استنتاج رصد فيه صعودًا ملحوظًا للتيار الصوفي بعد هذه الهزيمة.


يستقر الباحث على تلك النتيجة، لينتقل بعدها (في الفصل الذي شارك به في كتاب «في تشريح الهزيمة»، الصادر في أغسطس من العام الماضي، عن دار المرايا) إلى استبعاد أن يكون الصعود الصوفي في بدايته قادمًا بتوجه من أي جهة قومية كانت أو دينية، مرجحًا أن الإحباط الذي مر به المجتمع بفعل الهزيمة كان الدافع، خاصة أن المجتمع وجد ضالته عند الفهم الصوفي للأمور، وهو فهم معتمد بالأساس على الغيبيات، وربط كل شيء بطبيعة العلاقة بالله.


«عبدالظاهر»، يؤكد في تصريحات خاصة لـ«المرجع»، أن الحقبة الساداتية عمدت إلى تغذية التوجه الصوفي الجديد للمجتمع، مبررًا ذلك برؤية كاملة للدولة المصرية خلال هذه الحقبة، كان يهدف من خلالها الرئيس الراحل محمد أنور السادات، لإيجاد بطانة تحميه من أنصار الشيوعية والناصرية، وفي الوقت نفسه تدعمه في قراراته الاقتصادية التي كان ينوي اتخاذها، وبناءً على ذلك كان توجه «السادات» لإفساح مجال الظهور في المشهد المصري أمام الجماعات الدينية بما فيها الصوفية.


«كرامات الأولياء»

نصر أكتوبر.. كرامة صوفية

في خضم هذا التبني الرسمي للصوفية، تأتي حرب السادس من أكتوبر، التي فتحت فيها الدولة الباب أمام الغيبيات الصوفية، حتى إن متصوفة مصريين يتعاملون مع هذه الحرب حتى الآن، على أنها نصر جاء ببركات الأولياء والصالحين.


وعقب تحقيق الجيش المصري لانتصارات متتالية، كانت تؤكد قرب حسم المعركة لصالحه؛ استبق «السادات» خطاب النصر بزيارة لمسجدي السيد البدوي بطنطا، والإمام الحسين بالقاهرة، وكأنه يقر بدور خفي لهما، وهو الدور نفسه الذي اعتمدت عليه الرؤية التي تتردد حتى اليوم وتقول: إن الجيشين المصري والسوري لم يكونا يحاربان بمفردهما، بل حارب إلى جوارهما جنود لم يعرف من أين أتوا، ويقصد بهم الملائكة.


«الغيبيات الصوفية» التي أحاطت بحرب السادس من أكتوبر، لم تعجب مفكرين مصريين، آنذاك، ومن هؤلاء فؤاد زكريا، أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، الذي انتقد في مقال له، تلك الروايات التي اعتبرها غير عقلانية، وتهدر دور الجندي المصري في الحرب؛ قائلًا: «إننا بذلك نقر بأن الجيش انتصر في الحرب؛ لأن شيخ الأزهر بشّر بالرؤية، وليس لمجهود مبذول وجنود حاربت».


النقد الذي قدمه المفكر المصري، يبدو أنه لم يكن كافيًا لإقناع الدولة المصرية بالكف عن السير في طريقها، إذ أمر «السادات» بتوسعة مسجد السيد البدوي في العام التالي للحرب، وفي 1976، أمر بتعديل أوضاع الصوفية، فكان قانون 118 الذي نظّم الهيكل الإداري للصوفية داخل طرق يديرها مجلس أعلى، وفي مايو 1979 أمر بإصدار مجلة «التصوف الإسلامي»، التي استهلت افتتاحيتها بمقال للرئيس الراحل، سبقه مقدمة كتب فيها: «يسر مجلة التصوف الإسلامي أن تتوج عددها الأول بهذا المقال للرئيس المؤمن محمد أنور السادات، والذي يتحدث فيه عن رسالة التصوف حديث العالم ببواطنها، الغيور على تعاليمها، الحريص على تطهيرها، والسمو بها إلى مكانها الأول في صدر الإسلام، وقد شاء الله أن يحقق كل ما كانت تصبو إليه نفسه الكبيرة نحو رسالة التصوف».


وخلال تلك الفترة، استقر في العقل الصوفي قناعة بأن الرئيس السادات كان ذا نزعة صوفية، حتى إن البيان الصادر عن المجلس الأعلى للطرق الصوفية في ذكرى حرب أكتوبر لعام 2016، جاء ليصفه بـ«الرئيس الزاهد».


ويرى الباحث مصطفى عبدالظاهر، أن ذلك مؤشر على نجاح «السادات» في خطة استيعاب الصوفية، قائلًا: «السادات أراد الظهور كشخص متدين، لأغراض واضحة».

«كرامات الأولياء»

دور «سيد الشهداء» في الحرب

بدا وكأنه يربط على القلوب، كان ذلك  فجر ليلة خريفية دافئة، حين صعد مقرئ شاب يُدعى محمد أحمد شبيب، إلى المنبر الخشبي بمسجد الحسين تاليًا آيات من سورة آل عمران، تذكّر بأن الشهداء «أحياء عند ربهم يرزقون».


الواقعة التي تعود إلى فجر السادس من أكتوبر لعام 1973، لم تكن اعتباطية، إذ كانت جزءًا من حملة تعبوية أعدتها إدارة الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة، لتهيئة الشعب لقرار الحرب.


وكان مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، منبرًا مهمًّا لهذه الحملة وذا دلالة، إذ كانت إذاعته مسخّرة طوال أيام الحرب لبث آيات قرآنية وأسانيد شرعية؛ تأييدًا للجيش وتهيئة للشعب.


وقبيل قراءة الرئيس الراحل محمد أنور السادات، لبيان النصر، وفي الثلاثاء 16 من أكتوبر 1973، توجه وهو يرتدي زيه العسكري، إلى ضريح الإمام الحسين، لقراءة الفاتحة والتبرك به.


لماذا «الحسين»؟

القصة تعود في الأساس إلى الاستلهام، فبينما كانت الدولة تكثف جهودها في ساعات ما قبل الحرب، على تحفيز الجنود وتهيئة ذويهم، اختارت آيات عن الشهادة تُتلى من مسجد الإمام الحسين الذي يُلقب بـ«سيد الشهداء».


ويبدو اختيار مسجد الإمام الحسين، ضمن خطة «الشؤون المعنوية» موفقًا؛ إذ يحتفظ «سيد الشهداء» بمكانة عالية في الوجدان الشعبي للمصريين.


واللافت أن علاقة مسجد الحسين بحرب أكتوبر لم تتوقف حتى اليوم، رغم مرور كل هذا الوقت؛ إذ يظل المسجد أبرز الجهات التي تشارك في الاحتفالات السنوية بذكرى الحرب.


وعن ذلك، يقول إمام المسجد، عمر أحمد عبدالمغيث، إن مسجد الإمام الحسين، على مدار تاريخه كان محطة مهمة في الأحداث السياسية.


وأوضح «عبدالمغيث»، في تصريحات خاصة لـ«المرجع»، أن المسجد ظل شاهدًا على احتفالات النصر منذ الذكرى الأولى للحرب، مشيرًا إلى أن الاحتفالات المعتادة في ذكرى أكتوبر تبدأ منذ يوم السادس من أكتوبر وتستمر أسبوعًا، بحيث تضع إدارة المسجد برنامجًا مكثّفًا يتضمن دروسًا دينية تُلقى عقب صلاة العصر، وتدور محاورها حول خدمة الوطن والأخذ بتجربة أكتوبر كنموذج.

"