يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

جزرة الاقتصاد وعصا السياسة تُحددان مستقبل العلاقات الأمريكية التركية

الأربعاء 15/أغسطس/2018 - 06:38 م
المرجع
أحمد سامي عبدالفتاح
طباعة
لم يكن أكثر السياسيين تشاؤمًا في المجتمع التركي يتوقع أن تسوء العلاقات الأمريكية ببلاده إلى هذا الحد الذي وصلت إليه مؤخرًا، بسبب فرض أنقرة الإقامة الجبرية على القس الأمريكي أندرو برانسون؛ ما دفع الولايات المتحدة -من جهتها- للردِّ على الإجراء التركي «المتعسف» حسب وصف البيت الأبيض، بفرض عقوبات اقتصادية على وزيري العدل والداخلية التركيين في بداية الشهر الحالي.
جزرة الاقتصاد وعصا
تَطور الأمر بعد ذلك بفترة وجيزة لتقوم الولايات المتحدة الأمريكية بفرض عقوبات اقتصادية جديدة في 10 أغسطس من العام الحالي، تمثلت في مضاعفة التعريفة الجمركية على الصادرات التركية من الحديد والألومنيوم، الأمر الذي دفع الليرة التركية للانهيار إلى مستويات غير مسبوقة أمام الدولار؛ حيث بلغ الدولار الواحد 6.4 ليرة تركية في يوم 12 أغسطس، لتتراجع الليرة التركية إلى أدنى مستوياتها أمام الدولار.
 
على صعيد متصل، تفتح هذه الأزمة باب الحديث عن مستقبل العلاقة بين واشنطن وأنقرة، خاصة بعد أن وصلت الخلافات بين الطرفين إلى مستويات غير مبشرة.
جزرة الاقتصاد وعصا
وبصفة عامة، يمكننا حصر السيناريوهات المستقبلية المتوقعة للعلاقة الأمريكية التركية، على النحو التالي:
1-المزيد من التأزم: وفقًا لهذا السيناريو، فإن تركيا سوف تقوم بفرض مجموعة من العقوبات على شخصيات وكيانات أمريكية في إطار محاولتها إثبات نفسها كقوة إقليمية صاعدة تتعامل بمبدأ «الند بالند» مع القوى الدولية، إلا أن هناك ما يجعل هذا المحور بعيدًا عن التحقيق، وهو أن تركيا سوف تتضرر بشكل كبير من خروج الشركات الأجنبية من أسواقها؛ لأن ذلك يعني تقلص النقد الأجنبي، ومن ثم المزيد من النزيف للعملة التركية مقابل الدولار، الأمر الذي سوف يُسهم في تراجع معدلات النمو الاقتصادي التي يتباهى حزب العدالة والتنمية في تحقيقها، فضلًا عن المزيد من التراجع في التصنيف الائتماني لتركيا دوليًّا، الأمر الذي قد يدفع الشركات الأجنبية للبحث عن موطن بديل لاستثماراتها.
 
ورغم تعهد الخارجية التركية بالرد وفق مبدأ المعاملة بالمثل بعد العقوبات التي فرضتها الخزانة الأمريكية على وزيرين تركيين، فإنه ليس من المرجح أن تتحول هذه التهدديات لواقع ملموس. 

وفي الإطار ذاته، سوف تتمسك تركيا بموقفها المطالب بتسليم فتح الله غولن -زعيم حركة الخدمة التي تدعي تركيا تدبيره محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016- مقابل تسليم القس الأمريكي المحتجز.

 وفي هذا، يرى حزب العدالة والتنمية ممثلًا في الرئيس التركي رجب طيب أرودغان أن رضوخه للمطالب الأمريكية سوف يسهم في تدني شعبيته، على عكس تمسكه بمواقفه، الأمر الذي يسعى الإعلام الحكومي التركي لتسويقه بصفته «مقاومًا» للمحاولات الغربية والأمريكية لفرض الوصاية والنيل من استقلال تركيا. 
جزرة الاقتصاد وعصا
2- التوافق والتراجع: من الممكن أن يعمل الطرفان على حل الأزمة وديًّا، على أن يعقد الطرفان اجتماعات مكثفة بهدف التوصل لحل يفك تشابك الأزمة، وفي سبيل ذلك، سوف ترفع الولايات المتحدة إجراءاتها الاقتصادية بحق تركيا، مقابل الإفراج عن القس الأمريكي لاحقًا، وفي الوقت ذاته، سوف تتمسك تركيا بتحقيق عدد من المنافع الاقتصادية من وراء هذه الصفقة، خاصة أنها قد ترافق بغضب شعبي عارم.
 
بعبارة أخرى، ربما تشترط تركيا قيام الولايات المتحدة بتوجيه حزمة استثمارية؛ من أجل دعم الاقتصاد التركي وتحفيزه على النمو، علاوة على مساعدة الليرة التركية على إيقاف النزيف المتواصل أمام الدولار.

إبرام هذه الصفقة بين الطرفين، قد يورط حزب العدالة والتنمية في إشكالية أخلاقية تضرب مصداقيته السياسية في مقتل، وتقلل من مدى قدرته على إقناع الناخب التركي بتنفيذ وعوده بشأن استقلالية سياسة تركيا الخارجية. 

كما أن ذلك قد يدفع دولًا أوروبية أخرى تعاني من خلافات مع تركيا للضغط على أنقرة اقتصاديًّا، مستغلة (أي الدول) المديونية الكبيرة للقطاعين الحكومي الخاص، خاصة مع إدراك تلك الدول أن الاقتصاد التركي قد نما بشكل رئيسي، معتمدًا عن المديونيات الخارجية والاستثمارات الأجنبية. 
جزرة الاقتصاد وعصا
3- بقاء الوضع كما هو عليه: من المستبعد أن تقدم الولايات المتحدة على اتخاذ أي إجراءات إضافية بحق تركيا حتى لا تدفعها إلى التوجه نحو المعسكر الروسي وحلفائه من دول الشرق، خاصة إيران التي تعاني من العقوبات الأمريكية هي الأخرى.

وفي سبيل ترسيخ الوضع القائم، سوف تعمد وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) بزيادة كل أوجه التعاون الاستخباري واللوجستي مع تركيا في سبيل إقناعها بتنحية التعاون العسكري عن الخلافات السياسية والدبلوماسية بين البلدين.
 
من الأهمية أن نشير هنا إلى أن وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس كان قد حذر الكونجرس من عواقب إيقاف تسليم مقاتلات F 35 لتركيا، لأن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف إنتاج الطائرة وتأخير تسليم المقاتلة التي تُشارك شركات تركية في إنتاج بعض أجزائها. 

بالمقابل، ربما تعتمد تركيا سياسات اقتصادية خاصة بها من أجل التقليل من تأثير الدولار على الاقتصاد المحلي، بما في ذلك استخدام العملة المحلية في التعاملات الخارجية مع دول مثل روسيا والصين التي تعاني عملتاهما من التراجع أمام الدولار، وقد يكون ذلك مدخلًا لتتشكيل الخريطة الإقتصادية العالمية، خاصة إذا تمكنت تركيا من إنشاء وكالات تصنيف ائتمانية جديدة بهدف تقديم معطيات مغايرة لتلك التي تقرها المنظمات الاقتصادية الدولية. 
"