يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«الإخوان» وإيران.. جذور واحدة وفروع متشابكة وعلاقات بلا مستقبل

الثلاثاء 14/أغسطس/2018 - 08:07 م
المرجع
محمد الدابولي
طباعة
شكل سقوط الخلافة الإسلامية (الدولة العثمانية 1299 هـ ــ 1924مـ) صدمة كبرى في أذهان العديد من مفكري وشخصيات العالم الإسلامي؛ حيث كان يُنظر إلى الخلافة باعتبارها حافظة الدين والداعية له؛ لذا بعد سقوطها انبرى عدد من الشخصيات الإسلامية في محاولة إحياء الخلافة الإسلامية؛ من أجل الحفاظ على الدين والتمسك به، وفي تلك الأجواء السياسية الملبدة بغيوم التعقيدات العالمية وتغيير موازين القوى، أُسست جماعة الإخوان في عام 1928؛ من أجل إحياء تلك الفكرة.(1)

الإمام الخميني
الإمام الخميني

على نهج جماعة الإخوان نشأ العديد من حركات الإسلام السياسي في كل الدول الإسلامية، خاصةً إيران التي سرعان ما انتشر فيها تيار الإسلام السياسي في خمسينيات القرن العشرين على يد «السيد مجتبى ميرلوحي» المعروف باسم «نواب صفوي» زعيم منظمة «فدائيان إسلام»، فقد حاكى «صفوي» في تأسيسه لمنظمته شكل ومنهج جماعة الإخوان، ولم يكن «صفوي» هو نقطة الالتقاء الأولى والمبكرة بين تياري الإسلام السياسي في مصر وإيران، فقد سبقه أيضًا «السيد روح الله مصطفى موسوي»، المشهور بالإمام الخميني؛ حيث زار مصر عام 1938 والتقى مؤسس جماعة الإخوان «حسن البنا».


ورغم التناقض المذهبي بين تياري الإسلام السياسى في مصر وإيران فإنهما يشتركان في العديد من القواسم الفكرية، مثل رؤيتهما العديد من المفاهيم الدينية والسياسية كمفاهيم «الدولة» و«الحاكمية»، واستخدام «العنف في مواجهة أعداء الأمة» و«أستاذية العالم» ومفهوم «الآخر» لديهما، وغيرها من المفاهيم والقواسم الفكرية المشتركة.


شهدت العلاقات بين جماعة الإخوان وتيار الإسلام السياسي في إيران مراحل فارقة عديدة، ففي البداية كانت جماعة الإخوان في مصر بمثابة الطريق الأوحد، الذي تعين على التيار الإسلاموي الإيراني سيره للوصول إلى هدفه، وهو ما تجلى في تأسيس «منظمة فدائيان إسلام» والتي تعد البذرة الأولي للثورة الإيرانية في عام 1979 ونظام «الولي الفقيه» فيما بعد.


في مرحلة لاحقة بعد تدشين نظام «الولي الفقيه» في إيران على يد «الخميني» اتخذت العلاقات بين الطرفين أشكالًا متعددة من التعاون والتأييد المتبادل بين الجانبين في الكثير من المواقف إلى التوتر في بعض الأوقات، خاصةً مع تنامي المكون السلفي داخل الجماعة الرافض تمامًا فكرة التعاون مع الشيعة، باعتبارهم أعداء الأمة يجب تجنبهم والحذر منهم، وحاليًّا نجد أن العلاقة بين الجانبين يكتنفها بعض الغموض في ظل المتغيرات الحالية التي تمر بها الجماعة، وكذلك المتغيرات الإقليمية التي تفرض على الجماعة أنماطًا معينةً من العلاقات؛ لذا سوف يدور البحث حول تساؤل رئيس وهو ما مستقبل علاقة جماعة الإخوان بنظام الولي الفقيه في ظل المتغيرات التي شهدتها مصر خلال السنوات الخمس الأخيرة؟ وأيضًا المتغيرات السياسية التي تحيط بالمنطقة؟ وستتم الإجابة عن التساؤل السابق من خلال المحاور التالية:


المحور الأول: المنطلقات الفكرية المشتركة بين الجانبين:

يشترك نظام ولاية الفقيه مع جماعة الإخوان في العديد من القواسم الفكرية نتيجة للتأثير الكبير الذي مارسته الجماعة على الحركة الإسلاموية الإيرانية منذ «نواب صفوي» وحتى الخميني، ومن دلائل تأثر الحركة الإسلاموية الإيرانية بفكر الإخوان هو قيام المرشد الحالي للثورة الإسلامية «على خامنئي» بترجمة كتابي «في ظلال القرآن» و«المستقبل لهذا الدين» واللذين يعدان من أحد أهم مؤلفات المفكر الإخواني «سيد قطب» إلى اللغة الفارسية(2).

سيد قطب
سيد قطب

أولًا ـ اقتباس مفهوم ولاية الفقيه:

نشأت الدولة الحديثة (الدولة القومية) بعد صلح «وستفاليا 1648» على يد مفكري العقد الاجتماعي «توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو»، ولعل أهم ما يميز هذا المفهوم(3) هو ابتعاد السلطة الروحية (الكنيسة) عن ممارسة السلطة السياسية، كما حُدد العديد من الوظائف التي ينبغي على الدولة القيام بها وهي توفير الخدمات الاقتصادية والاجتماعية ودعم التقدم والرفاهية للمواطنين(4).

بالانتقال إلى الكتابات الإسلامية عن الدولة نجد شبه إجماع بين كل المفكرين الإسلاميين على مر العصور بأهمية وجود الدولة كوسيلة للحفاظ على الدين، وأن مهمتها تسيير حياة المواطنين وتسهيلها؛ من أجل تفرغهم لعبادة رب العباد؛ حيث اعتبرها «ابن تيمية» بأنها أحد واجبات الدين ولا قيام للدين دونها، وأن من مهام الولاية هي إصلاح دين الخلق وإقامة الصلاة.

وطبقًا للنسق الفكري السابق جدد مفكروا تيار الإسلام السياسي في بداية القرن العشرين أفكار ابن تيمية فيما يخص مفهوم الدولة، فمثلًا مؤسس جماعة الإخوان «حسن البنا» في رسائله أكد أهمية إقامة الدولة الإسلامية التي تعمل على تطبيق شرع الله في الأرض في كل المجالات الاجتماعية والاقتصادية والدفاعية؛ من أجل استعادة مجد المسلمين، وإحياء الجهاد، وتحقيق السعادة بتطبيق تعاليم الإسلام، وأوضح أن الدولة يجب أن تشمل وتعم كل المسلمين في الأرض، متجاوزًا بذلك فكرة الدولة القومية الحديثة التي لها شعب محدد يعيش على إقليم محدد، أي أن الدولة الإسلامية دولة كبرى عالمية.(5).

نقل «الخميني» وضع رجال الدين في السياسة من كونهم جزءًا من السلطة كأهل مشورة وعقد إلى ممارسة السلطة بأنفسهم بتوليهم الولاية؛ حيث أكد في كتابه «الحكومة الإسلامية» ضرورة تشكيل حكومة إسلامية يتولاها الفقهاء؛ كي لا تتعطل أحكام الإسلام، مستلهمًا في ذلك أفكار ومقولات «حسن البنا» عن الدولة الإسلامية؛ حيث عاد «الخميني»، وأكد على أن الدولة هي الدولة الإسلامية التي تشمل كل عموم المسلمين، وغير مقتصرة فقط على مسلمي إيران، وشدد على ضرورة الجهاد في سبيل الله؛ من أجل التخلص من سطوة المستعمر الذي فرض على المسلمين حالة التفكك والتشرذم(6).

وما يعضد مقولات الخميني ما ورد في الدستور الإيراني الصادر في عام 1979؛ حيث أكد في العديد من مواده على دور الدولة في تنمية مكارم الأخلاق، وصياغة أسس السياسة الخارجية بناء على معايير وشرائع الإسلام، وتوفير الدعم الكامل لكل المستضعفين في الأرض، ولعل المادة ((11)) من الدستور الإيراني رسخت بالفعل مقولات «البنا، والخميني» عن الدولة؛ حيث أكدت على أن المسلمين أمة واحدة، وينبغي على الحكومة العمل على تحقيق التضامن بين المسلمين؛ من أجل تحقيق الوحدة السياسية والاقتصادية والثقافية في العالم الإسلامي(7).

يعود السبب في اقتباس الخميني فكر الدولة الإسلامية من حسن البنا إلى عدد من الأسباب، من أهمها على الإطلاق:

             التواصل المبكر: بين جماعة الإخوان والتيار الإسلاموي الإيراني، فبعد مرور فترة على انطلاق الجماعة التقى «البنا» العديد من القيادات والمرجعيات الشيعية مثل «القمي، وآية الله كاشاني»، ما ترك له بالغ الأثر في تشكيل فكر الخميني(8).

             محاكاة جماعة الإخوان في إيران: ففي منتصف الخمسينات تم تأسيس منظمة «فدائيان إسلام» على يد الشيعي «نواب صفوي» الذي التقي «سيد قطب» وغيره من قيادات الإخوان في القاهرة وتأثر بشدة بأفكار الإخوان حتى إنه في إحدى خطبه دعا أتباع المذهب الشيعي الجعفري، بالانضمام إلى جماعة الإخوان، وكان ذلك في حضور مراقب الإخوان في سوريا «مصطفى السباعي»، وتجلى تأثير جماعة الإخوان في منظمة «فدائيان إسلام» في اتباع أسلوب الاغتيال كإحدى الأدوات التي تلجأ إليها، مثل الجماعات في تصفية خصومها ومعارضيها، فمثلًا حكم «صفوي» على المفكر العلماني «أحمد كسروي» بالضلال؛ ما أدى إلى اغتياله على يد اثنين من أتباعه(9).

             البراجماتية الفكرية: يتبع الإخوان أسلوب البراجماتية الفكرية فمثلًا يتم التغافل عن البعد المذهبي حين يتم التعامل مع الشيعة؛ وذلك من أجل تحقيق مصالح الجماعة، وتوسيع انتشارها.

البنا
البنا

بعد الاستعراض السابق لمفهوم الدولة لدى البنا والخميني يمكن استنتاج النتائج الآتية:

1.            «الخميني» لم يكتف فقط بنقل أفكار «البنا» عن الدولة إلى المذهب الشيعي، بل عمل على تطوير الفكرة، وتطبيقها على أرض الواقع عبر اتباع سياسة تصدير الثورة الإسلامية إلى دول الجوار الإسلامي، خاصةً دول الخليج والعراق.

2.            محاولة الطرفين بشتى الطرق إسقاط البعد المذهبي؛ حتى لا يكون عائقًا أمام التواصل وإفساد المشروع الإسلامي، فكلا الطرفين كان له محاولات في إشكالية التقريب بين المذاهب، كما أن العديد من الكتابات المحسوبة على الإخوان روجت الثورة الإيرانية وفكرة تصديرها إلى الدول العربية، فمثلًا راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة التونسية أكد أن نجاح الثورة الإيرانية يعد نقلةً حضاريةً إسلاميةً، وأن اتجاهات الحركة الإسلامية هي «جماعة الإخوان في مصر»، والجماعة الإسلامية في باكستان والخمينية في إيران.

3.            نجح الجانبان في استثمار درجة التقارب الفكري والحركي بينهما في تطوير خطاب مشترك يعادي كل التوجهات المعارضة لهما، فمثلًا تم تبني خطابٍ معادٍ للغرب، خاصةً الولايات المتحدة وإسرائيل، كما تم تبني الإخوان- خاصةً في مصر- خطابًا معاديًا للعراق أثناء الحرب العراقية الإيرانية.

ومن خلال الاستعراض السابق لمفهوم الدولة عند الطرفين، نجد أن الدولة بكل بساطة تتميز بـ3 مميزات رئيسية، هي: أولًا عالميتها بمعنى أنها عابرة للقوميات ولا تعترف بمسألة الأوطان، فكل المسلمين يجب أن ينطووا تحت لوائها. 

ثانيًا: حدودها، فلا حدود لتلك الدولة العالمية، فكل أرض يقبع عليها مسلم فهي ضمن إطار الدولة الإسلامية. 

ثالثًا: غايتها تحقيق سعادة المؤمنين بتطبيق شرع الله في الأرض، فالدولة تسهر على راحتهم وتعمل من أجل تذليل الحياة لهم؛ لكي يتفرغوا لعبادة الرب.


ثانيًا ـ تكفير المجتمع والدعوة للعنف

يعد مفهوم الحاكمية وجاهلية المجتمع من أهم المفاهيم العنصرية التي أنتجها الفكر الإسلاموي في كل من مصر وإيران، ففي كتاب «في ظلال القرآن» لسيد قطب الذي ترجمه للفارسية المرشد الإيراني الحالي آية الله خامنئي، كرر مفهوم الحاكمية نحو 77 مرة، في حين كرر مفهوم الجاهلية في الكتاب نحو 555 مرة، وهو ما يدل على أهمية المفهومين وترابطهما في الفكر الأصولي(10).

باختصار، يُقصد بمفهوم الحاكمية هو أن الحكم لله وحده في الأرض، أي أن كل كبيرة وصغيرة تمس أمور المجتمع والحكم يجب أن تكون مطابقة للشريعة الإسلامية، وأن مخالفة الشريعة الإسلامية تعد كفرًا بالتعاليم الإسلامية وعودة إلى مرحلة الجاهلية الأولى، وطبقًا لذلك نجد أن الجماعات الأصولية قسمت العالم إلى فسطاطين، هما دار الهجرة والإسلام، ودار الكفر والحرب، فدار الإسلام هي التي تطبق شرع الله في الحكم والسياسية وتصريف أمور المجتمع، أما دار الحرب والكفر فهي الدار التي لا تطبق شرع الله، وتستعيض عنه بالقوانين الوضعية التي من صنع البشر(11).


«الإخوان» وإيران..

ويوضح الشكل السابق ثالوث العنف داخل الجماعات المتطرفة، ففيه يتم الحكم على المجتمع بالجاهلية؛ لعدم ارتكانه إلى الشريعة الإسلامية في معاملاته اليومية، ولاحقًا يتم تكفير النظام السياسي باعتباره لا يدعو للدين ولا يحافظ عليه، والنتيجة تكون الجهاد القتالي ضد المرتدين والكفار في المجتمع؛ من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية.

ومن جانبه طبق التيار الأصولي الإيراني أفكار سيد قطب عن الحاكمية والجاهلية على المجتمع الإيراني، وكانت البداية عام 1945 حين حكمت حركة «فدائيان إسلام» بزعامة «نواب صفوي» المحسوب على جماعة الإخوان على المفكر الإيراني «أحمد كسروي» بالكفر والضلال؛ نتيجة كتاباته العلمانية؛ ما أدى إلى مقتله في 11 مارس 1946، وفي عملية أخرى حاولت المنظمة المتطرفة اغتيال رئيس الوزراء الإيراني الأسبق «حسين علاء»؛ ما أدى إلى الحكم على «صفوي» بالإعدام في عام 1956.

وبعد الثورة الإيرانية 1979 عمل «الخميني» وأنصار نظرية ولاية الفقيه على تكفير المجتمعات والحكومات الإسلامية، ودعم العنف والتطرف فيها، فمثلًا أيدت إيران الخمينية عملية اغتيال الرئيس المصري الراحل «أنور السادات» باعتباره أحد الطواغيت(12)، كما دعمت الحركات المتطرفة الإرهابية في الدول العربية، مثل حزب الله في الكويت وحزب الله في السعودية، فضلًا عن دخولها في حرب نظامية ضد العراق(13).


 محمد مرسي
محمد مرسي

المحور الثاني ـ مراحل تطور العلاقة بين الجانبين:

تمتد العلاقات بيت التيارين الأصوليين في مصر وإيران لأكثر من 80 عامًا، أي منذ لقاء المرشد الأول للجماعة «البنا»، والمرشد الأعلى للثورة الإيرانية «الخميني» في عام 1938، ومنذ ذلك التاريخ شهدت العلاقات أنماطًا كثيرةً تدل على درجة التقارب بينهما، ومنها:

المرحلة الأولي ـ التأثر والانبهار (1938 ـ 1956): شهدت تلك الفترة التأثر الشديد للتيار الأصولي الإيراني بنظيره المصري، خاصةً بعد زيارة «نواب صفوي» للقاهرة للخمسينيات ولقائه أبرز قادة جماعة الإخوان وعليه رأسهم «سيد قطب» وتأسيسه لمنظمة «فدائيان إسلام» والتي تعد محاكاة للتنظيم السري لجماعة الإخوان من حيث تنفيذ عمليات الاغتيال للشخصيات المعارضة للتيار الأصولي مثل القاضي أحمد الخازندار في مصر والمفكر أحمد كسروي في إيران، ويعد صفوي من أبرز الداعمين لجماعة الإخوان في تلك الفترة؛ حيث سبق أن دعا أتباع المذهب الشيعي الجعفري إلى الدخول في الجماعة، كما نادي بالتقريب بين المذاهب الإسلامية، ونبذ التقرفة والتعصب المذهبي، كما هاجم الرئيس المصري جمال عبدالناصر؛ بسبب خلافه مع جماعة الإخوان في عام 1954.(14)

يذكر أن مؤسسي جماعة "الإخوان" و"فدائيان" تشابها تقريبًا في نهايتيهما، فمؤسس الجماعة اغتيل في فبراير 1949 بعد عملية اغتيال رئيس الوزراء النقراشي باشا، في حين حكم على نواب صفوى بالإعدام في عام 1956 بعدما اتهم في محاولة اغتيال رئيس الوزراء الإيراني حسين علاء.

المرحلة الثانية ـ النقل والترجمة (1956 ـ 1979):

تعد تلك المرحلة من أخصب المراحل في تاريخ علاقة الإخوان بالتيار الأصولي الإيراني خاصة من الناحية الفكرية ففيها تمت ترجمة أهم أعمال «سيد قطب» في «في ظلال القرآن» للفارسية على يد المرشد الإيراني الحالي «خامنئي» كما أنها شهدت الكتابات السياسية للإمام «الخميني» في بداية الستينات والتي كانت متأثرة بدرجة كبيرة بكتابات حسن البنا وسيد قطب عن الدولة الإسلامية وهو ما تجلي بوضوح في كتاب «الحكومة الإسلامية» للخميني.

المرحلة الثالثة ـ الدعم والتأييد (1979 ـ 2011):

اتسمت تلك المرحلة بطابع التأييد المتبادل بين الجانبين والتي بدأت في خضم الثورة الإيرانية حيث ذكر القيادي الإخواني يوسف ندا في لقاء له على قناة الجزيرة بأنه تم تشكيل وفد لزيارة «الخميني» حينما كان في باريس لدعم موقف الثورة الإيرانية وأن ثالث طائرة تهبط في مطار طهران بعد طائرة الخميني كانت طائرة خاصة بوفد جماعة الإخوان من أجل التهنئة بنجاح الثورة الوليدة، كما عينت إيران ضابط اتصال لها في مدينة لوجان فور الثورة مباشرة للاتصال بقيادات الإخوان في الخارج(15).

تعددت التصريحات الإخوانية المؤيدة للثورة الإيرانية فمثلا أكد مرشد الإخوان الأسبق «عمر التلمساني» تأييده الكامل للثورة، كما أن زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي أكد أنه "بنجاح الثورة في إيران تبدأ دورة حضارية جديدة للإسلام"(16).

استمر التأييد الإخواني لمواقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال حرب الخليج الأولى ضد العراق حيث أصدر الاخوان بيانًا يصف النظام البعثي العراقي بالملحد والكافر وأن هذه الحرب ليست حربا لتحرير المستضعفين في الأرض ولا لتحرير القدس وأن الهدف منها هو ضرب الحركة الإسلامية الوليدة وتحقيق أهداف المستعمر الأمريكي والصهيوني، وعلى جانب آخر أيد الإخوان إيران في ملف البرنامج النووي وأكدت الجماعة أحقية إيران بامتلاك البرنامج النووي الذي يلبى طموحاتها(17).

وفي المقابل لم تتوان إيران عن تقديم الدعم الكامل والمطلق للتنظيم في مصر ففي البداية ناصبت الثورة الإيرانية النظام المصري في عهد الرئيس الراحل أنور السادات العداء لاستضافته شاه إيران كما أنها احتفت بقاتلي الرئيس السادات، وقدمت المساعدات المالية واللوجستية والفنية لتنظيم حماس الفلسطيني خلال حروبه مع إسرائيل وأزماته المتعددة مع السلطة الوطنية الفلسطينية والنظام المصري خلال فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك.

المرحلة الرابعة ـ التذبذب في العلاقة (2011 ـ الآن):

اتسمت تلك المرحلة ببعض التوتر في العلاقة نتيجة متغيرات جديدة جدت على سطح العلاقات بين الجانبين رغم أنها شهدت في بداياتها ذرورة التقارب الإيراني الإخواني فخلال خطبة الجمعة في طهران بتاريخ 4 فبراير 2011 وصف المرشد الإيراني بأن ما يحدث في مصر هو نموذج من الثورة الإيرانية إلا أن العلاقات سرعان ما شابها بعض التوتر في بعض الملفات ومنها:

             الملف السوري: يعد الملف السوري من أهم الملفات التي شهدت خلافا كبيرا بين الجماعة ونظام الولي الفقيه في إيران حيث تخندقت إيران خلف النظام البعثي السوري بزعامة الأسد في مواجهة التنظيمات المسلحة التي كان يقودها إسلاميون منتسبون لجماعة الإخوان، في حين حظيت الأزمة السورية خاصة التنظيمات الإسلامية بدعم كبير من جماعة الإخوان وتجلى ذلك في خطاب الرئيس المعزول محمد مرسي قبيل عزله بأيام قليلة حين رفض الوجود الإيراني المتمثل في حزب الله في سوريا(18).

             إحراج الجماعة: تعرضت الجماعة- اكثر من مرة- لحالة من الإحراج سببتها بعض السياسات الإيرانية في القاهرة، فمثلا زيارة الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد للأزهر الشريف على هامش حضوره القمة الإسلامية في فبراير 2013 سببت بعض الإحراج للجماعة نظرًا لرمزية الجامع الأزهر في الفكر الشيعي حيث أسسه الفاطميون(19)، كما تعرضت الجماعة للإحراج مرة أخرى بعدما تداولت تقارير صحفية عن لقاءات بين مسئولين إيرانيين كقاسم سليماني، زعيم فيلق القدس، وقيادات إخوانية بغية مساعدة الإخوان في مصر لتحقيق التمكين(20)، فيما شكلت الرسالة التي وجهها بعض علماء الشيعة في إيران إلى «مرسي» بضرورة الاقتداء بمنهج الإمام الخميني وولاية الفقيه في بناء الدولة المصرية إحراجًا كبيرا للجماعة وقتها.

             سيطرة المكون السلفي داخل الجماعة: يوجد داخل جماعة الإخوان تيار سلفي يرى ضرورة وقف العلاقات مع إيران نهائيا وقطع العلاقات معها باعتبارها خطر على المسلمين.

             الاستقطاب التركي: بعد نجاح ثورة 25 يناير حدث استقطاب تركي إيراني لجماعة الإخوان، إلا أنها أرتأت أن التعامل مع تركيا سيكون أكثر مرونةً من التعامل مع إيران؛ حيث إن النظام السياسي التركي وقتها كان يحظي بإعجاب الكثير من القوى السياسية الثورية في مصر، على عكس النموذج الإيراني «ولاية الفقيه»؛ لذا كان في ذهن قادة الجماعة استيراد النموذج التركي وتطبيقه في مصر.

وما يؤكد على توتر العلاقات بين نظام ولاية الفقيه وجماعة الإخوان في مصر هو موقف إيران من ثورة 30 يونيو وعزل مرسي؛ حيث صنف الموقف الإيراني من ضمن المواقف الحيادية رغم ما يشاع عن قوة العلاقات بين الجانبين في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي؛ حيث قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية «عباس عراقجي»: «بالتأكيد ستحمي الأمة المصرية الصامدة استقلالها وعظمتها من الانتهازية الخارجية وانتهازية العدو أثناء الظروف الصعبة التي تعقب ذلك»(21)، كما أن إيران لم تكن من الدول التي استقطبت جماعة الإخوان الفارين من مصر بعد 30 يونيو مثل تركيا وقطر وإنجلترا.

 الإخوان
الإخوان

المحور الثالث: السيناريوهات المستقبلية للعلاقات:

في ذلك المحور سيتم مناقشة السيناريوهات المستقبلية للعلاقات بين نظام الولي الفقيه وجماعة الإخوان، في ضوء ما سبق من المنطلقات الفكرية المشتركة وتاريخ العلاقات الممتد لنحو 80 عامًا، وتأثير ذلك على الوضع السياسي المصري سواء في الداخل أو في الخارج، وفيما يلي سيتم استعراض السيناريوهات المطروحلة للعلاقات بين الجانبين:

             الأول «الاستمرارية»: يعد من السيناريوهات المرجحة خلال الفترة الحالية خاصةً من جانب الإخوان، فالجماعة حاليًّا تحاول عزل نفسها عن كل الأزمات الإيرانية في المنطقة، خاصة التدخلات الإيرانية في سوريا والعراق واليمن ودول الخليح، وتحاول استثمار قضية القدس لتكون رأس حربة في استمرار العلاقات بين الجانبين، ولعل استمرار الدعم الإيراني لحركتي حماس والجهاد خير دليل على ذلك.

             الثاني «فك الارتباط مؤقتًا»: قد تلجأ إيران إلى فك الارتباط مع الجماعة مؤقتًا، وعدم دعمها كخطوة تكتيكية؛ من أجل رفع أسهم الجماعة من جديد، وإظهارها بمظهر المدافع عن السُّنة في مواجهة التمدد الإيراني، خاصةً في منطقة الخليج ومصر من ناحية، ومن ناحية أخرى من أجل كسب ود النظام السياسي المصري لتأييده في بعض المواقف الدولية كالوضع في سوريا.

             الثالث «استنساخ جماعات مؤيدة لإيران»: قد تلجأ إيران إلى استنساخ جماعات أخرى موالية لها لتكون تابعة لها في حال فك الارتباط مع الإخوان، وما يدل على ذلك محاولات التمدد الشيعي المستمرة في مصر، ورغم عدم وجود أرقام دقيقة حول عدد المتشيعيين في مصر فإنهم في ازدياد متواصل.

وختامًا يعد موضوع العلاقات بين جماعة الإخوان في مصر ونظام ولاية الفقيه من الموضوعات الشائكة نسبيًّا نظرًا للتداخل الفكري الكبير بينهما والتعارض المذهبي الكبير، رغم جنوح الجانبين في أوقات كثيرة للسمو على النعرات الطائفية منذ عهد نواب صفوي وحتى الآن، فإن العامل المذهبي والطائفي سيظل أحد المحددات التي من شأنها التأثير على تلك العلاقات، فالإخوان يجيدون المراوغة والمناورة السياسية ففي الوقت الذي يتقربون فيه إلى إيران يتقربون أيضًا إلى دول الخليج التي تتسم علاقتها مع إيران بالقطيعة؛ لذا من المرجح في ظل الأوضاع السياسية الحالية فشل تلك الاستراتيجية الإخوانية القائمة على بناء التوازن في العلاقات بين الجانبين خاصةً مع نجاح كل من مصر والسعودية والإمارات والبحرين في تكوين تحالف مشترك ضد الجماعات الإرهابية والدول التي تدعمها كإيران وقطر وتركيا ومن ثم سيكون نتيجة ذلك خسران الجماعة لكل قواعدها الشعبية في دول الخليج، وارتماؤها في الحضن الإيراني.

وفي ظل المعاناة التي تعيشها الجماعة حاليًّا؛ حيث تم إدراجها على قوائم الإرهاب في دول التحالف الرباعي لمواجهة الإرهاب من المفترض أن تتقرب الجماعة نحو إيران بدرجة كبيرة غير مسبوقة قد ينتج عنها ابتلاع نظام الولي الفقيه للجماعة.

الهوامش:

1 ـ اعتمده مجلس الشورى العالمي الخاص بالجماعة في يوليو 1982 «النظام العام للإخوان»؛ حيث يؤكد في المادة الثانية منه أن «جماعة الإخوان هي هيئة إسلامية جامعة تعمل لإقامة دين الله في الأرض وتحقيق الأغراض التي من أجلها جاء الإسلام الحنيف»، ولتحقيق هذا الغرض أوردت المادة الثالثة من النظام العام أن لتحقيق هذا الغرض ينبغي «إعداد الأمة إعدادًا جهاديًّا لتقف كجبهة واحدة في وجه الغزاة والمتسلطين من أعداء الله تمهيدًا لإقامة الدولة الإسلامية الراشدة».

2 ـ ثروت الخرباوي، الإخوان والخميني، الوطن الكويتية، 3132013. متاح على الرابط التالي:

اضغط هنا

3 ـ تعرف الدولة بأنها «ظاهرة من ظواهر الاجتماع الطبيعي، وتأخذ حكم المجتمع البشري العامي، بمعنى أن للدولة وجودًا موضوعيًا، حيث يتم سلب كل القيم ووضعها في الدولة كي تصبح وعاء القيم الغائية في الوجدان البشري» من كتاب مفهوم الدولة لعبدالله العروي.

4 ـ عبدالله العروي، مفهوم الدولة (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، الطبعة التاسعة، 2011) ص 17، 18.

5 ـ للمزيد راجع «رسائل الإمام الشهيد: حسن البنا» ص 124؛ حيث أوضح البنا أن «الدولة التي تقود الدول الإسلامية، وتضم شتات المسلمين، وتستعيد مجدهم، وترد عليهم أرضهم المفقودة وأوطانهم المسلوبة وبلادهم المغصوبة، ثم تحمل علم الجهاد ولواء الدعوة إلى الله، حتى تسعد العالم بتعاليم الإسلام».

6 - أحمد يوسف، الإخوان المسلمون والثورة الإسلامية في إيران جدلية الدولة والأمة في فكر الإمامين البنَّا والخميني (بيت الحكمة للدراسات والاستشارات، 2010).

7 ـ راجع الدستور الإيراني المادة 7.

8 ـ للمتابعة اقرأ: توجهات النخبة من «الإخوان المسلمين» نحو إيران ودورها في المنطقة

9 ـ للمتابعة:رشيد خيون، «نواب صفوي»... وخطة «الإخوان» لإنقاذه، الاتحاد الإماراتية

10ـ فاروق حمادة، «الحاكمية» في فكر «الإخوان».. منطلق التطرف والعنف، موقع العربية، متاح على الرابط: https:www.alarabiya.netarpolitics20160803-الحاكمية-في-فكر-الإخوان-منطلق-التطرف-والعنف.html

11ـ راجي يوسف، قراءة في مفهوم الحاكمية عند سيد قطب، إضاءات، 

12ـ معتز ممدوح، الدور المجهول لإيران في حادث اغتيال السادات ـ التاريخ غير المروي للعلاقات بين إيران والحركات الجهادية في العالم العربي، موقع إضاءات، 2أغسطس 2017، 

13ـ بالصور.. سجل إيراني حافل بالإرهاب، موقع العربية، متاح على الرابط التالي: http:www.alarabiya.netariran20160120بالصور-إيران-تدعم-الإرهاب.html

14ـ رشيد خيون، «نواب صفوي»... وخطة «الإخوان» لإنقاذه، مرجع سابق

15ـ يوسف ندا يعترف: العلاقات قديمة بين الإخوان وإيران

16ـ الإخوان وإيران.. تحت عباءة الخميني، موقع حفريات، متاح على الرابط: http:www.hafryat.comblogالإخوان-وإيران-تحت-عباءة-الخميني600

17 ـ محمد قواص، إيران والإخوان المسلمين: أصول الطلاق!، موقع ميدل ايست أونلاين:

18 ـ محمد مرسي: على حزب الله أن يترك سوريا وقررنا اليوم قطع العلاقات مع سوريا وإغلاق السفارة، 

19ـ الإمام الأكبر يستقبل الرئيس الإيراني في زيارته لمشيخة الأزهر، صحيفة الوطن المصرية، 

20 ـ لقاء «آراكي» و«منير» ليس الأول.. علاقات متينة بين الإخوان وإيران، موقع دوت مصر، متاح على الرابط التإلى:

لقاء-آراكي-و-منير-ليس-الأول-علاقات-متينة-بين-الإخوان-وإيران

21 ـ المواقف الدولية من 30 يونيو، البوابة نيوز،

-

"