يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«دواعش القوقاز» وخطر العودة إلى أوروبا

الجمعة 10/أغسطس/2018 - 11:21 م
المرجع
محمود رشدي
طباعة
برز الصراع السوري على الساحة الدولية كواحد من أكثر نماذج الحروب الأهلية الأكثر تعقيدًا وتشابكًا، نظرًا لتداخل أطراف دولية عديدة، وكثرة الميليشيات المسلحة. فمثلت الحرب السورية نسخة جديدة من الحرب الباردة بين الدول العظمى (الولايات المتحدة وروسيا)، وضربًا من الصراعات الدولية الإقليمية، التي مثلت إيران أحد الأطراف مع إسرائيل تارة، والدول العربية تارة أخرى.

«دواعش القوقاز» وخطر
وما زاد الصراع تعقيدًا تدويل الحرب الأهلية السورية، إذ باتت بعدها سوريا ساحة مفتوحة أمام الميليشيات الأجنبية؛ وتدفقت الميليشيات التابعة لإيران، والميليشيات القوقازية – نسبة إلى دول شمال القوقاز- وأصبحت سوريا أرضًا للجهاد العالمي بعد صبغة الصراع بـ«الطائفية».

ويعد مجاهدو القوقاز من أبرز الميليشيات التي اندمجت داخل الصراع السورى تحت مبدأ «الجهاد» ضد روسيا ونصرة تنظيم داعش، وسرعان ما اندمج مجاهدو القوقاز داخل التنظيمات الإرهابية الموجودة في سوريا، وعلى رأسها «داعش» وجبهة النصرة (فرع تنظيم القاعدة في سوريا). 

وبعد انحسار «داعش» في سوريا والعراق، بدأ الحديث عن مخاطر العائدين من التنظيم والوجهات القادمة لهم، فهناك عناصر توجهت إلى ليبيا بسبب الفراغ الأمني، واتساع المناطق الجبلية ووفرة مصادر النفط هناك، وتوجه آخرون إلى أفغانستان، حيث البيئة الأولى لاحتضان الجماعات الإرهابية، كما بدأ الحديث في تناول عودة المجاهدين إلى بلادهم، خاصة القادمين من أوروبا ودول القوقاز

«دواعش القوقاز» وخطر
- نشأة مجاهدي القوقاز

اعتُبِرَت الحرب السورية، واستقطابها لكل مجاهدي العالم، المرحلة الثانية من النموذج الأفغاني، إذ قام تنظيم داعش بحث المقاتلين على الهجرة إلى سوريا، لإقامة الخلافة الإسلامية المزعومة، الأمر الذي تمخض عنه زيادة عدد المقاتلين الأجانب داخل «داعش»، لاسيما القادمين من شمال القوقاز والشيشان؛ فقد مثلوا النسبة الأكبر من الأجانب

وتعبر إمارة القوقاز المصدر الرئيسي لإرسال المقاتلين إلى سوريا، والتي أنشئت على أنقاض الحركة الانفصالية الشيشانية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991م، وسعت إلى قيام دولة إسلاموية على غرار دولة إيران ذات الطابع الإسلاموي

جاء التحرك الشيشاني الأول للانفصال عن الاتحاد السوفييتي، في 2 نوفمبر 1991، عندما رفضت الشيشان البقاء تحت السيادة الروسية، ومن هنا اندلعت الحرب الأولى في جمهورية الشيشان ضد الدولة الروسية، عام1994، عندما زحف الجيش الروسي لوأد الاستقلال، الذي أعلنته الشيشان في نفس العام

كانت تلك هي بداية نشأة الحركات الانفصالية بجمهوريات روسيا، التي تحول عدد منها لجماعات إسلاموية رفضت الاستمرار تحت سيادة روسيا، ورأت أنها تدين بديانة (كاثوليكية) تختلف عن دين غالبية مواطني الشيشان وداغستان (الديانة الإسلامية). لذا سعت إلى الانفصال عن الدولة الأم، والعمل على قيام الخلافة الإسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية.

ومنذ تسعينيات القرن الماضي، يغلب الطابع الإسلاموي على الساحة السياسية في جمهوريات شمال القوقاز، وعقب الحركات الانفصالية في أوائل التسعينيات، انقسمت التيارات الإسلاموية على نفسها لروافد متعددة:
- تيار «الجماعة»: وهو تيار دعا إلى إعلان الدولة الإسلامية ورفض الهدنة مع روسيا وضم عمرو باساييف، أحد قيادات تنظيم إمارة القوقاز
- تيار «الإسلاميين المعتدلين»: والذي يؤيد أصلان مسخادوف، قائد التيار الليبرالي والمؤيد من قبل الدولة الروسية.
«دواعش القوقاز» وخطر
- تيار «الطرق الصوفية»

ونظرًا لأسلوب العنف الممنهج التي اتبعتته روسيا في تعاملها مع الحركات الانفصالية في منطقة القوقاز وداغستان، أدى لتحول الكثير من تلك الجماعات إلى أعمال العنف والإرهاب. فهناك سجالات ما بين المواجهة العسكرية ما بين الشيشان- كانت تسعى للاستقلال وإقامة حكم إسلاموي- وروسيا التي سعت لإقامة إمبراطوريتها بالقضاء على أي دعاوى استقلالية. وعلى جانب آخر حظى الجهاد القوقازي بتأييد تنظيم القاعدة في أفغانستان، فعلى سبيل المثال لا الحصر، قامت مواقع إلكترونية محسوبة على «القاعدة» بتمجيد أعمال مجاهدي الشيشان مثل أبو حفص الشيشاني، وأمير الإمارة دوكو عمروف

-مميزات مجاهدي القوقاز:
أكسبت سنوات الكر والفر مجاهدي القوقاز عدد من الخبرات القتالية في ساحة القتال، إذ قضت حوالي 17 عامًا للتحرر من القبضة الروسية، تخللتها حربين 1992، و1996. كما اكتسب عدد من عناصرها الخبرة العسكرية أثناء وجودهم داخل الجيش الروسي وجيوش جمهوريات شمال القوقاز، مثل الشيشان وداغستان

«دواعش القوقاز» وخطر
- دور مجاهدي القوقاز في سوريا
ظهر مجاهدو القوقاز بشكل جلي في الحرب السورية، في مايو 2013، وتوزعت أفرادهم في التنظيمات الإسلاموية المتطرفة كافة، وفي وقت لاحق انشق مجاهدو القوقاز عن التنظيمات الرئيسية لتشكل وحدها أول تشكيل جهادي أجنبي

وفي عام 2014، أذيع فيديو لشخص يدعى «سيف الله الشيشاني»، أعلن خلاله عن تشكيله لتنظيم مسلح يضم كافة مقاتلي القوقاز، بعد انشقاقهم عن «النصرة وداعش»، ليصل مجموعهم حوالي 800 فرد، وأورد الفيديو أن انشقاق القوقازيين عن «داعش والنصرة»، جاء بحجة المنهج التكفيري المتبع في كل منهما، موضحًا مناطق عمل التنظيم القوقازي الجديد في مدينة حلب وريفها

- انشقاقات التنظيمات القوقازية:
شكل مجاهدو القوقاز واحدة من أهم مجموعات المقاتلين الأجانب في سوريا، وبقدومهم -من منطقة عرفت على مدار عقدين بالتمرد والانفصال وعدم الاندماج داخل الدولة الأم- تكون أول فصيل جهادي شيشاني عرف باسم «كتيبة المهاجرين» (تشكلت عام 2012)، ومهدت لظهور «جيش المهاجرين والأنصار»، بقيادة أبي عمر الشيشاني، والذي انضم لفرع «القاعدة» بسوريا – جبهة النصرة- وقد كان ولاء مجاهدي القوقاز تابعًا لإمارة القوقاز التي تنتمي – كما ذكرنا آنفًا- لتنظيم القاعدة بأفغانستان

بدأت انشقاقات مجاهدي القوقاز، بعدما أعلن «أبو عمر» الانضمام لـ«داعش»، بينما ظل عدد كبير من أفراد كتيبته تحت لواء تنظيم القاعدة، وهنا توزعت الولاءات القوقازية ما بين «داعش والنصرة»، وانتهت فترة التشرذم بالإعلان عن تنظيمات جهادية مستقلة عن «داعش والقاعدة» وتضم مقاتلي القوقاز فقط؛ لذا أنشأ مقاتلو القوقاز مجموعات جهادية شيشانية، منها ما يسمى بـ«جند الشام»، و«أجناد القوقاز»، و«جيش العسرة»، وهناك تنظيمات أخرى انشقت عن التنظيمات القوقازية، مثل تنظيم «سيف الله الشيشاني»، الذي انفصل عن تنظيم «أبو عمرو الشيشاني».

وقد نجحت السلطات الروسية في إضعاف المقاومة المحلية في القوقاز من خلال السماح لهؤلاء الإرهابيين بنقل الصراع إلى سوريا؛ حيث سهلت لهم الخروج من شمال القوقاز إلى سوريا عبر البوابة التركية.

وقد شجع القوقازيون على الجهاد في سوريا عدة عوامل، تركزت حول صعوبة الجهاد في جمهوريات الشيشان وداغستان بسبب أسلوب البطش الذي استعمله الأمن الروسي تجاههم؛ حيث ذكر أحدهم أن الجهاد في شمال القوقاز صار «أصعب ألف مرة من الجهاد في سوريا».

«دواعش القوقاز» وخطر
مخاطر مجاهدي القوقاز العائدين:
بعد نجاح القوات العراقية والكردية، بمساعدة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، في القضاء على آخر معاقل تنظيم داعش في الموصل والرقة. فهناك مسارين لتحرك المجاهدين الأجانب، إما الرحيل لبلدان أخرى ذات رخوة أمنية، إذ تعتبر ملاذًا آمنًا لهم، مثل «ليبيا، أفغانستان، والصومال»، أو العودة إلى بلدانهم.

وتستغل التنظيمات الإرهابية، خاصة «داعش»، الأجانب في استخدامات مزدوجة، ففي الوقت التي يستفيد التنظيم من خدماتهم القتالية، فهو يحتاجهم ليكونوا ممثلين عنه عند العودة لبلادهم، وفيما يلي أبرز مخاطر مجاهدي القوقاز العائدين:

- صعوبة التحقق من الهوية:
تعتبر أولى مخاطر العائدين القوقازين سواء على أوروبا أو روسيا صعوبة التحقق من الهوية، ويرجع ذلك لعدة عوامل يمكن حصرها في عدم القدرة على تمييزه، لكونه على عكس المقاتلين الأجانب من الدول الأخرى، التي يمكن اكتشاف مقاتليها الأصليين ببساطة لاختلاف الأجناس البشرية في أوروبا وأي منطقة أخرى. وعلى سبيل المثال، يمكن ببساطة التعرف عن مواطني دول إفريقيا أو دول آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا من خلال الوجه. وما يفيدنا في هذا الأمر هو سهولة تتبع الأجانب من غير الأصل الأوروبي، أما من جهة مقاتلي القوقاز فمن الصعب التحقق من هويتهم أو تتبعهم إلا من خلال الشك في سلوك العائدين، أو امتلاك معلومات استخباراتية تفيد بتورطهم في أعمال إرهابية

وعلى الرغم من الكشف عن عدد كبير من العائدين قبل تورطهم في أعمال إرهابية عبر التعاون المعلوماتي والاستخباراتي مع دولة العبور، مثل تركيا، التي تعتبر البوابة الرئيسية لعبور الأجانب لداخل سوريا والعراق، وبوابة الخروج، بعد انتهاء معارك الرقة والموصل بالعراق، فإن عددا كبيرا من المقاتلين لا يزال مجهولا حتى هذه اللحظة. فعلى سبيل المثال كشفت وزارة الداخلية في المملكة المتحدة، في 2017، عن 400 مقاتل أجنبي بريطاني عادوا من سوريا والعراق، لكن 54 منهم فقط أدينوا.

ويقول بوب واينرايت، مدير اليوروبول: «إن الخطر لا يزال قائمًا على الأمن الأوروبي،إذ يظل عدد القادمين من سوريا والعراق من ذوات الأصل الأوروبي أو حاصلي الجنسية غير معروف بشكل دقيق، كون بعضهم لا يمر عبر دروب تقليدية لأوروبا، مما يجعل من الصعب تحديد هويته ومعرفة ما إذا كان قد دخل أحد البلدان الأوروبية أم لا». 
«دواعش القوقاز» وخطر
- تهديد الأمن الأوروبي:
لقد لعب الشيشان الأوروبيون دورًا رئيسيًا في كتائب المجاهدين القوقازيين في سوريا. ووفقًا لتقرير «يوروبول»، الذي تم نشره في عام 2015، فإن «غالبية الشيشان وغيرهم من شمال القوقاز الذين شاركوا في النزاع المسلح في سوريا، جاؤوا من أوروبا، بعد تلقي التلقين المبكر عبر الإنترنت».

ويشير التقرير إلى أن نحو 30 مقاتلًا ألمانيًا انضموا إلى جماعة «جند الشام» بقيادة مراد ماغو شفيلي، وكما أشرنا سابقًا فإن الكتيبة كانت مرتبطة بتنظيم النصرة من خلال «جيش المهاجرين والأنصار»، وانفصلت بعدها لتصبح كتيبة مستقلة، وتكونت صفوفها من مئات المقاتلين من القوقاز وألمانيا وتركيا والنمسا، تلقوا تدريبا مكثفا واكتسبوا خبرة من ماغي شفيلي

ومازال للعديد من المقاتلين القوقاز نشاط بارز في سوريا، حيث يوجدون في إدلب، ويعتمد مستقبلهم على تطور الأزمة السورية. ومع تضييق الهجوم الروسي- السوري على إدلب في الأونة الأخيرة وإعادة إحكام السيطرة على سوريا وتمكين الجيش السوري، قد تضطر المجموعات إلى الفرار أو الكفاح من أجل بقائها. كما هو الحال مع تنظيم داعش

وحتى هذه اللحظة، لم تحدث زيادة في الهجمات من قبل المقاتلين القوقاز. ومع ذلك، من الممكن حدوث سيناريو على غرار ما حدث في أعقاب حرب البلقان والحرب الأهلية الجزائرية. وبالتحديد، إنشاء شبكات جديدة وزيادة تطرف الأفراد عن طريق عودة المقاتلين الأجانب، بدعم من الروابط التي تشكلت في سوريا والعراق

- توظيف العائدين كحلقة وصل مع التنظيمات الخارجية
هناك تخوف من أن تسعى تنظيمات خارجية إلى تكوين تنظيمات محلية قوامها العائدين من سوريا والعراق، وبحيث يكون أولئك العائدين حلقة وصل بين التنظيمات بالخارج والأخرى بالداخل. إذ أصبح الأسلوب الحديث للتنظيمات الإرهابية هو فكرة اللامركزية والتعامل عبر طرق أخرى غير تقليدية يصعب على السلطات الأمنية تتبعها؛ وتتمثل في التراسل عبر وسائل التواصل الاجتماعي

«دواعش القوقاز» وخطر

خاتمة:

لعب المجاهدون الشيشان دورًا مهمًا في الحروب الأهلية السورية والعراقية، إذ ارتفع صيت القتال القوقازي داخل صفوف «داعش وجبهة النصرة»، وعلى رأسهم أبو عمرو الشيشاني، وقيل إن أبرز الخلافات بين «داعش النصرة» ويرجع للخلاف حول إيواء مقاتلي القوقاز، فقد حاول كل من التنظيمين الاستفادة من قدامى المحاربين في الشيشان

علاوة على ذلك، عززت الصراعات الأهلية بمنطقة الشرق الأوسط، من فكرة تدويل  «الجهاد» ليصبح قضية عالمية يحملها جميع المجهادين معلنيين العداء للدول الغربية وتدخلاتها في المنطقة، وتلك هو القاسم المشترك بين جميع التنظيمات الإرهابية التي تسابقت على تهديد الأمن الأوروبي ومواطنيه سواء داخل أوروبا أو خارج أراضيها باستهداف جاليتها ومصالحها في الدول الأجنبية.

وبالنظر إلى الصعوبات التي يواجهها المقاتلون الشيشان في الانخراط في حرب العصابات في بلادهم، والوجود الملحوظ للجهاديين الشيشان في سوريا والعراق، والصلات القائمة بين المسلحين في ساحة المعركة، تواجه أوروبا الآن تهديدًا كبيرًا حيث يعود بعض هؤلاء المقاتلين شواطئها. وكما رأينا في قضية بومباتالييف، فإن المقاتلين العائدين الذين يشتغلون بالتجنيد ويستمتعون بالوصول إلى كل من الشبكات القديمة والعلاقات الجديدة يمكن أن يكونوا خطرين بشكل خاص.

"