يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

روسيا في مصيدة العقوبات.. وأوروبا تظهر العين الحمراء لـ«بوتين»

الجمعة 10/أغسطس/2018 - 10:35 ص
المرجع
آية عبد العزيز
طباعة
مع تغير النظام العالمي تسعى روسيا بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين لاستعادة مكانتها القديمة، باعتبارها فاعلًا دوليًّا محوريًّا في القضايا العالمية كافةً؛ ما دفع الدول الغربية للتحرك في الاتجاه المضاد تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، لتحجيم روسيا والتصدي لطموح بوتين.

وعليه؛ فقد أولى «بوتين» أهمية استراتيجية لعمقه الجغرافي ومحيطه الإقليمي، تمثل ذلك في تدخله في الأزمة الأوكرانية باعتباره فاعلًا دوليًّا مهمًّا في إداراتها؛ لأنها تؤثر بشكل كبير على الأمن القومي الروسي، علاوةً على ضم شبه جزيرة القرم لتكون جزءًا من الأراضي الروسية، وهو ما رفضته دول الغرب بشدة، معتبرةً ذلك تهديدًا للأمن الأوروبي، بل للأمن والسلم العالميين. 


روسيا في مصيدة العقوبات..
عقوبات جديدة على «كيرتش ستريت»

اتخذت الدول الغربية بتعاون مع واشنطن عددًا من الإجراءات الرادعة للتحركات الخارجية لموسكو، تجسدت في فرض عقوبات اقتصادية في يوليو2017، وتم تفعيل العقوبات بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا وشركاء آخرين، للضغط على موسكو للتراجع عن سياساتها المعادية من وجهة نظر الغرب لمصالحهم الاستراتيجية.

تجلت العقوبات في تجميد الاتحاد الأوروبي أرصدة 6 شركات روسية؛ لمشاركتها في بناء جسر جديد للطرق والسكك الحديدية يربط بين روسيا وشبه جزيرة القرم؛ حيث أمر الكرملين ببناء الجسر «كيرتش ستريت» في 2016 بقيمة 3.6 مليار دولار، ويبلغ طوله 19 كم، ويمتد فوق مضيق كيرتش الواصل بين بحري آزوف والأسود، واستغرق تشييده 27 شهرًا(1).

وشملت لائحة العقوبات الأوروبية الجديدة ضد روسيا شركة «ستروي غاز مونتاج موست»، والشركة الهندسية «فاد»، ومصنع بناء السفن «زاليف»، وشركة «موستوترست»، و«غيبرستروي موست»، ومجموعة «ستروي غاز مونتاج»، وجميعها شركات شاركت في بناء جسر القرم.
روسيا في مصيدة العقوبات..
الموقف الروسي

جاء الرد الروسي متوازنًا ومدركًا السبب الحقيقي لهذا العقوبات، وهو تطويق النفود الروسي في عمقه الاستراتيجي، فلم تكن دول الاتحاد الأوروبي على وفاق مع التوجهات الخارجية للرئيس «بوتين» التي اعتبرتها في بعض الأحيان مصدر تهديد مباشر للمصالح الأوروبية.
 
لذا فقد انتقدت موسكو العقوبات الأوروبية الجديدة التي استهدفت الشركات المشاركة في عملية البناء باعتبارها استهدافًا واضحًا وتقويضًا موجهًا ضد سكان القرم.

جدير بالذكر؛ أن عدد الكيانات التي فرضت عليها عقوبات من قبل مجلس الاتحاد الأوروبي بلغ 44 كيانًا، إضافة إلى ذلك فرض الاتحاد الأوروبي حظرًا على السفر، وتجميد أصول 155 شخصًا بموجب نظام العقوبات.

وأوضحت وزارة الخارجية الروسية أن العقوبات الجديدة ما هي إلا مبرر لتدخل آخر في الشؤون الداخلية لروسيا. كما أعربت في بيان «أن القرار الأوروبي الصادر في 30 يوليو 2014 والقاضي بفرض عقوبات أحادية وغير مشروعة على عدد من الشركات الروسية التي شاركت في بناء جسر القرم قرارًا مؤسفًا»(2).


روسيا في مصيدة العقوبات..
موسكو في مصيدة العقوبات

واجهت موسكو منذ ضم القرم في 2014 عددًا من العقوبات الاقتصادية المتزايدة، التي كان من المقرر أن تفرض عليها خلال الفترة من يوليو 2014 وإلى يوليو 2015 إلا أن الاتحاد الأوروبي قام بتمديدها إلى يناير 2016، فيما مددت واشنطن وكندا إلى أجل غير محدد. وهنا لابد من الإشارة إلى أن العقوبات الاقتصادية انقسمت إلى 3 أنواع تبلورت على النحو التالي: 

1- النوع الأول؛ يفرض على إمكانية الوصول إلى الأسواق والخدمات المالية الغربية، خاصة فيما يتعلق بالمؤسسات الحكومية في قطاعات الصرافة والدفاع.

2- النوع الثاني؛ وهو نظام خاص بفرض حظر على عملية تصدير الأجهزة الخاصة بالتنقيب عن النفط إلى موسكو. 

3- النوع الثالث؛ منوط به فرض حظر على الصادرات إلى موسكو من بضائع عسكرية وبضائع ثنائية الاستخدام معينة.

وفي المقابل؛ ردت موسكو على هذه العقوبات بفرض عقوبات على الواردات الغذائية من الدول الغربية، ومن الملاحظ أن مسار العقوبات كان بعيدًا عن الطاقة(3)؛ حيث امتنع الغرب عن استهداف قطاعات كاملة للاقتصاد الروسي؛ ما أدى إلى إمكانية التعاون في قطاع الطاقة مع الشركاء الغربيين(4).
روسيا في مصيدة العقوبات..
«الغاز» سلاح روسي في وجه أوروبا

تعد الطاقة أهم ركائز الاقتصاد الوطني والداعم للبنية التحية الأوروبية، فبالرغم من عدم التوافق الأوروبي مع موسكو في إدارة عدد من الملفات الإقليمية والدولية فإنها مازالت شريكًا اقتصاديًّا مهمًّا يعول عليه في تلبية احتياجات العواصم الأوروبية من الطاقة، وخاصة من الغاز(5). 

فيما تتزايد حاجة أوروبا إلى الغاز الطبيعي بشكل سريع، فعلى سبيل المثال زاد استهلاك ألمانيا من 2014 إلى 2017 بنسبة 22 %، كما يتم تشغيل 80٪ من المنازل في لندن التي تصل عددها ما يقرب من 25 مليونًا بالغاز؛ ما يعني أن الغاز يلعب دورًا رئيسيًّا في مزيج الطاقة داخل العواصم الأوروبية.

في المقابل؛ تعد موسكو المورد الفعلي؛ حيث تزودها بنحو 40 % من حجم واردات دول الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي، وبناءً على ذلك بدأت بتكثيف التعاون معهم، من خلال زيادة واردات الغاز عبر تدشين خطوط نقل جديدة، مثل إنشاء خط أنابيب «نورد ستريم 2» لتوريد الغاز إلى ألمانيا وباقي الدول الأوروبية عبر بحر البلطيق(6).

لذا فحتى الآن لا توجد استراتيجية أوروبية واضحة تجاه سياسات موسكو الخارجية؛ نتيجة عدم التوافق الأوروبي حول موسكو هل هي شريك اقتصادي حقيقي أم عدو؟ فمازال البحث عن بديل يمكن أن يلبي احتياجاتهم من الطاقة.


روسيا في مصيدة العقوبات..
التباين الأوروبي تجاه موسكو

يدرك الساسة في أوروبا مدى الفرص والتحديات التي ستنتج عن استعادة موسكو لمكانتها في النظام العالمي كقوى عظمى بقيادة «فلاديمير بوتين»؛ لذا تحاول التصدي لها بكل قوة؛ حيث تسيطر الذاكرة التاريخية لسياسات الاتحاد السوفييتي تجاه هذه الدول على توجهاتها نحو موسكو وخاصةً في ما يتعلق بهيمنة «بوتين» على الطاقة كسلاح سياسي واقتصادي يتم استخدامه ضدهم، فبالرغم من العقوبات المفروضة على موسكو فإنها استطاعت التحاليل عليها، وتعاملت معها بكفاءة وفاعلية.
 
وعليه فقد تجسد التباين الأوروبي بشكل واضح في تعاطي الدول معها؛ حيث انتقدت بولندا الاستمرار في الاستيراد الغاز من موسكو، معربةً عن توقفها عن استيراده بحلول عام 2022، كذلك أعربت أوكرانيا ودول البلطيق عن معارضتها للجسر الجديد الذي يربط بين القرم وموسكو، بجانب موقف فرنسا الداعم لاستمرار العقوبات. 

يأتي الموقف الإيطالي على الصعيد الآخر ليوضح رئيس الوزراء الإيطالي عقب لقائه الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، أن بلاده مهتمة بالحوار مع موسكو؛ لضمان تحقيق نتائج إيجابية على المدى البعيد، معربًا عن موقفه من العقوبات، ورافضًا أن يمتد تأثيرها إلى المجتمع المدني في روسيا واقتصاد المشروعات الصغيرة والمتوسطة، كما أوضح أن العقوبات لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، علاوةً على أن روما تدعم الاتصالات الاقتصادية المكثفة مع روسيا(7).

على جانب آخر اعترضت ألمانيا على زيادة العقوبات؛ لأنها ستنعكس على التعاون الاقتصادي بين برلين وموسكو؛ إذ بلغت الصادرات الألمانية إلى روسيا 38 مليار يورو عام 2013، فيما تعتمد برلين على أكثر من 30% من واردتها من الطاقة على موسكو.

ختامًا؛ مازالت العلاقات الأوروبية الروسية تشهد حالةً من الضبابية، رغم توافق جميع الأطراف حول عدد من الملفات الدولية، وخاصة فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب، فإن العلاقات الدبلوماسية تشهد حالةً من التوتر من آنٍ إلى آخر؛ نتيجة التوجهات الروسية.

لذا فمن المحتمل أن تحدث انفراجة في العلاقات ولكن في شكل ثنائي، خاصةً في ظل ما تواجهه العواصم الأوروبية من تحديات وتهديدات غير تقليدية، علاوةً على مطالبة بعض الدول الأوروبية فتح حوار مع موسكو، باعتبارها شريكًا مهمًّا في مواجهة البعض الآخر بقيادة فرنسا الداعمة لاستمرار العقوبات، مع إمكانية فتح حوار سلمي مع موسكو، لكن في سياق المصالح الأوروبية، وتراجع الهيمنة الروسية. 



روسيا في مصيدة العقوبات..
المراجع:
1- «الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات على شركات روسية بسبب أطول جسر في أوروبا»، روسيا اليوم، 3172018. https:arabic.rt.combusiness960479-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A-%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%AC%D8%B3%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%85
2- «بقي شهر على افتتاح جسر القرم، مضيق كيرتش، روسيا موسكو: العقوبات الأوروبية الجديدة بسبب جسر «القرم» حجة للتدخل في شؤون روسيا»، سبوتنيك عربي، 3172018. https:arabic.sputniknews.comrussia201807311034262917-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D8%AC%D8%B3%D8%B1-%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%AA%D8%B4%D9%8A%D9%86%D8%B3%D9%83
3- «العقوبات بعد شبه جزيرة القرم: هل نجحت؟»، مجلة الناتو. https:www.nato.intdocureview2015Russiasanctions-after-crimea-have-they-workedARindex.htm
4- «ما مدى تأثير العقوبات الأوروبية والأمريكية على روسيا؟»، هيئة الإذاعة البريطانية، 2272014. http:www.bbc.comarabicworldnews201407140722_eu_russia_sanctions
5- آية عبدالعزيز، «تصعيد مبكر.. مآلات اغتيال «سكريبال» على العلاقات البريطانية الروسية»، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 542018. https:elbadil-pss.org20180405%D8%AA%D8%B5%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D9%85%D8%A8%D9%83%D8%B1-%D9%85%D8%A2%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84-%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A8%D8%A7%D9%84-%D8%B9%D9%84%D9%89
6- «هل يقوض أمن أوروبا اعتمادها على الغاز الروسي؟»، الشرق الأوسط، 482018. https:aawsat.comhomearticle1352216%D9%87%D9%84-%D9%8A%D9%82%D9%88%D8%B6-%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%AF%D9%87%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%9F
7- «ترامب يؤكد إبقاء العقوبات ضد روسيا وكونتي يدعو لوضع حد لها»، روسيا اليوم، 3072018. https:arabic.rt.comworld960443-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A8-%D9%8A%D8%A4%D9%83%D8%AF-%D8%A5%D8%A8%D9%82%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%B6%D8%AF-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D9%83%D9%88%D9%86%D8%AA%D9%8A-%D9%8A%D8%AF%D8%B9%D9%88-%D9%88%D8%B6%D8%B9-%D8%AD%D8%AF-%D9%84%D9%87%D8%A7
"