يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

بين تورا بورا وجلال آباد.. داعش يخطف «حصن بن لادن» للاستفادة من إرثه

الأحد 29/يوليو/2018 - 01:27 م
المرجع
شيماء حفظي
طباعة
رمال بيضاء توجد في جبال تورا بورا، لكنها تسمى «الكهف الأسود»، كانت ملاذًا آمنًا لمقاتلي تنظيم «القاعدة»، وقت زعامة أسامة بن لادن، إلا أن تهديدات القوات الأمريكية أفقدتها مزاياها، فطلب «بن لادن» من عناصره مغادرتها إلى جلال آباد (تقع في شرق أفغانستان).

قرار زعيم «القاعدة» السابق بالعودة إلى جلال آباد لم يكن غريبًا، فهناك بدأ «بن لادن» نشاطه قبل أن ينتقل إلى قندهار(تقع في جنوب أفغانستان)، وينضم إلى الملا عمر (القائد والزعيم الروحي لحركة طالبان)، لتكون قندهار عاصمة حكومة «طالبان»، قبل أن ينطلق منها مرة أخرى إلى تورا بورا. 

المنطقة التي كانت حصنًا لـ«بن لادن»، أصبحت الآن معقل تنظيم «داعش» الإرهابي، الذي يحاول سحب البساط من «القاعدة» في أفغانستان.

وينفذ «داعش»، في جلال آباد، عمليات إرهابية ضد مواطنين مدنيين، أو قوات أفغانية، أو أمريكية، إضافةً إلى تنفيذه عمليات على الحدود الباكستانية.

بين تورا بورا وجلال

◄ عمليات «داعش» في جلال آباد:
وفي يوم السبت 28 يوليو 2018، هاجم مسلحان مركزًا لتدريب القابلات في المدينة، وتبادلوا إطلاق النار مع قوات الأمن لساعات عدة؛ ما أسفر عن مقتل 3 موظفين، كما قُتل المهاجمان. ورغم أن «داعش» لم يتبن هذا الحادث، فإن مراقبين دوليين رجحوا تنفيذه له؛ حيث سبق وأعلن مسؤوليته عن هجمات في الآونة الأخيرة، إضافةً إلى وجود معقل للتنظيم في إقليم ننكرهار المجاور، على الحدود مع باكستان.

وفي وقت سابق من الشهر ذاته، أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عن تفجير انتحاري، أسفر عن مقتل 19 شخصًا على الأقل، قائلًا: «إن صاروخًا استهدف مجمعًا للإعلام تم افتتاحه من قِبل الرئيس الأفغاني أشرف غني في عاصمة إقليم ننكرهار».

فيما قال المتحدث باسم محافظ الإقليم، عطا الله خوجياني: إن الانفجار الذي وقع بالقرب من ساحة المدينة كان بسبب تفجير انتحاري، وليس عبر إطلاق صاروخ بحسب ما نقلته وكالة «رويترز».

ونقلت «روسيا اليوم»، في يوليو الجاري أيضًا، عن مسؤولين أفغان قالوا: إن مسلحين هاجموا مكتبًا لإدارة التعليم في مدينة جلال آباد في شرق أفغانستان، واشتبكوا مع قوات الأمن، ليكون ثالث أكبر هجوم في جلال آباد، خلال أقل من أسبوعين، تبنى «داعش» اثنين منهم.

وفي يناير 2018، تبنى «داعش» عملية اقتحام لهيئة إنقاذ الطفولة في مدينة جلال آباد؛ حيث بدأ الهجوم بتفجير انتحاري عبر سيارة ملغمة خارج المكتب، ثم اقتحم مسلحون المجمع، وقاموا بتبادل إطلاق النار مع قوات الأمن الأفغانية لنحو 10 ساعات؛ ما أسفر عن مقتل 5 أشخاص على الأقل، وإصابة 25، قبل أن تتمكن القوات من سحق الهجوم في نهاية الأمر.

وقال «داعش» حينها، في بيان نشرته وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم: «إن الهجوم استهدف مؤسسات بريطانية وسويدية وحكومية أفغانية». 

يُشار إلى أن هيئة إنقاذ الطفولة أسست في بريطانيا، ويوجد مكتب لمنظمة مساعدات سويدية ومبنى لإدارة شؤون المرأة الأفغانية قرب المجمع الذي شهد الهجوم.

ومدينة جلال آباد، هي عاصمة إقليم ننكرهار ومركز تجاري مزدحم على بعد نحو 70 كيلومترا من المعبر الحدودي الرئيسي مع باكستان، الذي تمر من خلاله معظم واردات السلع الأفغانية.

ويوجد في الإقليم العديد من الجماعات الإرهابية، بما في ذلك حركة «طالبان» الباكستانية وحركة «طالبان» الأفغانية، وفي السنوات الأخيرة أصبح معقلًا لتنظيم «داعش»، الذي صار أحد أخطر الجماعات المتشددة في أفغانستان، منذ بداية ظهوره فيها مطلع 2015.

بين تورا بورا وجلال

◄ تورا بورا.. وسر «بن لادن» معها وجلال آباد:
تقول هدى الحسيني، الكاتبة والمحللة السياسية اللبنانيّة، في مقال بعنوان «القاعدة تحاول العودة مع حمزة بن لادن»، نشر في سبتمبر 2017: «إن أسامة بن لادن، بعد أحداث 11 سبتمبر، أمر زوجاته وأصغر أبنائه بالخروج من قندهار، حيث كان مقيمًا، وطلب منهم التوجه إلى جلال آباد، التي تبعد 350 كلم شمال شرقي أفغانستان».

وتورا بورا، بلغة الباشتون المحلية، هو أحد جبال إقليم ننكرهار الأفغاني، والذي يتحدث معظم سکانه لغة «الباشتو» وتعد معقل البشتون، ويعني اسم الجبال بالعربية «الكهف الأسود»، وهو عبارة عن منطقة «غائمة» تقع ضمن الجبال البيضاء، وتحتوي بداخلها على مداخل وطوابق عديدة.

ووفقًا لطبيعة المنطقة، التي يسهل الاختفاء داخلها، استخدمها أسامة بن لادن للاختباء وقت الغزو الأمريكي لأفغانستان في 2001، وبينما كان يختبئ «بن لادن» في منحنيات تورا بورا، كان يملك منزلًا في جلال آباد – مازالت بقاياه قائمة – إضافة إلى تملكه أراضي هناك.

وعن معارك «بن لادن» في تورا بورا وجلال آباد، تحدث عصام دراز (مصور بن لادن)، في حوار مع صحيفة الشرق الأوسط، في 2015، قائلًا، إنه رافق بن لادن في جبال تورا بورا بأفغانستان خلال سنوات القتال ضد الروس.

ويتابع دراز – المصري الأصل –: أن الأمر تطلب منه الجلوس في الكهوف والمغارات لنحو عام ونصف العام، حتى يوافق «بن لادن» على تصوير أول لقطة فوتوغرافية له، وأن أهم الصور التي التقطها لـها كانت في مايو 1989 في مواقع جلال آباد، أثناء القتال، خلال 4 سنوات كاملة من التغطية الشاملة.

ويضيف «مصور بن لادن»: «في جلال آباد كان أول حديث تلفزيوني له في العالم، وصورت له 25 صورة».

لكن مع اشتداد الهجمات التي تستهدف «بن لادن»، فر زعيم «القاعدة» إلى باكستان، وهناك بدأ إدارة شؤون التنظيم، حتى 2 مايو 2011، وهو تاريخ مقتل أسامة بن لادن على أيدي مجموعة من قوات المارينز الأمريكية تضم فرقة «نافي سيل»، في مجمعه السكني في مدينة أبوت آباد في باكستان.

بين تورا بورا وجلال

◄ «داعش» يجمع مقاتليه في حصن بن لادن:
ووفقا لما ذكرته صحيفة «الحياة»، في يونيو 2017، قال مسؤولون: إن مسلحي «داعش»- رغم تعرضهم لضغوط من القوات الأمريكية والأفغانية- سيطروا على معقل جديد في تورا بورا.

وفي تصريح نقلته وكالة «رويترز» عن أحد قادة «داعش» في أفغانستان، يسمى «أبوعمر الخرساني»، قال، إنهم سيطروا على تورا بورا، وإن هذه ليست النهاية».

وجود «داعش» في جلال آباد، ربما مازال مُقنعًا لأطماع التنظيم في «حصن بن لادن»؛ حيث يحاول «داعش» جذب مزيد من المقاتلين، مستفيدًا من ذاكرة المكان.

ففي مارس 2018، نقل مركز «سايت» الأمريكي مقطع فيديو نشره تنظيم «داعش»، يدعو خلاله المسلمين للتوجه إلى إقليم ننكرهار وولاية غوزجان.

25 دقيقة -هي مدة الفيديو- أظهرت مقاتلي «داعش» في جبال تورا بورا، وحملت رسالة من عنصر في التنظيم يتحدث باللغة العربية، قائلًا: يجب أن يهاجر المسلمون من كل مكان في العالم إلى ما وصفها بـ«دولة الإسلام»، ليعيشوا في ظلها وينعموا بحكم الشريعة وعدلها، علمًا بأن الكفار باتوا أشد عنفًا».

وأضاف العنصر الداعشي، في حديثه عبر الفيديو: «نجحنا في السيطرة على مناطق جبرهار وتورا بورا وزيرتنكي وغوزجان شمال أفغانستان».

وفي تصريح للمتحدث باسم حكومة إقليم ننكرهار، عطاء الله خوجياني، قال: إن قوات الحكومة بدأت عمليات جديدة تستهدف تنظيم «داعش»، لكنه يجنّد المزيد من المقاتلين. وأضاف: «يتم تجنيدهم أو يعبرون الحدود من باكستان.. نقتل مقاتلًا من داعش فيأتي 10 غيره عبر الحدود، أو يجندون من هنا».

وفي تقرير لمرصد الأزهر، في فبراير 2017، قال: إنه -وفقًا لشهود عيان- من المتوقع أن يسيطر «داعش» على الإقليم بالكامل، خاصة مع الزيادة المطردة في أعداد عناصر «طالبان» التي تعلن مبايعة التنظيم تحت إغراء الأموال الطائلة التي يمتلكها «داعش» مقارنة بـ«طالبان».

وذكر موقع «Afghanistan times» أن تنظيم «داعش» ارتكب انتهاكات كثيرة ضد الأبرياء في أفغانستان؛ منها اختطاف العشرات من النساء والفتيات، وإجبارهن على الزواج من مقاتليه، واقتحام المنازل واختطاف الأطفال؛ من أجل ضمهم للتنظيم، وغيرها من الجرائم الإرهابية التي استهدفت المدنيين والعسكريين على السواء، بحسب التقرير.

وفي أفغانستان بشكل عام، يتبادل تنظيم «داعش» وحركة «طالبان» تنفيذ العمليات الإرهابية –ضد المدنيين أو ضد بعضهما– حيث يسعى «داعش» للحصول على مأوى مناسب لطبيعة العمل الإرهابي على حساب الحركة التي تحاول الحفاظ على إرثها.
"