يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«برونسون».. ورقة تفاوض بين «ترامب» و«أردوغان»

الأحد 29/يوليو/2018 - 11:17 ص
المرجع
نورا بنداري
طباعة

تصاعدت أخيرًا نبرة التهديد الأمريكية في تصريحات ترامب لتركيا؛ بسبب اعتقال قس أمريكي في تركيا؛ حيث هدد «ترامب» الرئيس التركي «أردوغان» من خلال تغريدة له على موقع «تويتر» في 26 يوليو الجاري، بفرض عقوبات كبيرة على تركيا إذا لم تبادر بإطلاق سراح قس أمريكي يدعى «أندرو برونسون»، تتهمه أنقرة بارتكاب جرائم إرهابية، بينما يرى «ترامب» بأنه إنسان عظيم ورائع ومؤمن ومفيد لعائلته وبلاده، وسبق هذا تهديد آخر من قبل نائب الرئيس الأمريكي «مايك بنس»، أعلن فيه فرض عقوبات على النظام التركي حال عدم الإفراج عن القس.


وردت تركيا على هذه التهديدات ببيان رسمي، على لسان «إبراهيم كالن»، المتحدث باسم الرئاسة التركية، قال فيه: «على الإدارة الأمريكية أن تفهم أنها لن تحصل على النتيجة التي تريدها بتهديد تركيا»، كما كتب وزير الخارجية التركي «مولود جاويش أوغلو» على موقع تويتر: «لا أحد يمكنه إصدار أمر لتركيا، ولن نقبل أبدًا التهديدات مهما كان مصدرها، وإن دولة القانون تنطبق على الجميع من دون أي استثناء».


في سياق هذا؛ نجد أن الفترة المقبلة ستشهد أحداث توتر في العلاقة بين واشنطن وأنقرة؛ ما يثير العديد من التساؤلات، حول ما إذا كانت الولايات المتحدة جادة في تهديداتها وستعمل على فرض العقوبات؟ وإذا حدث ذلك فما العقوبات المحتمل فرضها؟ أم سيستجيب «أردوغان» ويطلق سراح القس الأمريكي، وينهي هذه الأزمة المتصاعدة.

القس الأمريكي أندرو
القس الأمريكي أندرو برانسون

سبب الأزمة

بدأت القضية في 9 ديسمبر 2016، حينما أصدر القضاء التركي أمرًا باعتقال القس الأمريكي «أندرو برانسون» الذي يعيش في تركيا منذ أكثر من 20 عامًا، بتهمة التجسس والإرهاب وارتكاب جرائم لصالح جماعة المعارض التركي «فتح الله جولن» (المتهم بتدبير محاولة الانقلاب في 2016)، ومسلحي حزب العمال الكردستاني المحظور؛ الأمر الذي نفاه «برانسون»، وفي 18 يوليو الجاري، قام القضاء التركي بتمديد فترة حبس القس الأمريكي، إلا أن محاميه «إسماعيل جم هلافورت» اعترض على القرار؛ بداعي تردي حالة موكله الصحية.


ولهذا اتخذت المحكمة التي انعقدت في ولاية «إزمير» غرب تركيا في 25 يوليو الجاري، قرارها بفرض الإقامة الجبرية على «برانسون»، بدلًا من الحبس؛ بشرط عدم مغادرة «برانسون» منزله في إزمير أو السفر خارج تركيا؛ لذلك سيتم تثبيت سوار مراقبة إلكتروني على كاحل «برانسون»، أو أي جهاز مراقبة آخر لمنعه من مغادرة تركيا.


وأدت هذه القضية إلى تفاقم الخلاف بين واشنطن وأنقرة؛ حيث كل مرة تعقد فيها جلسة للنظر في هذه القضية؛ يطالب الرئيس الأمريكي من نظيره التركي بالعمل على إخلاء سبيل «برانسون»، إلا أن تركيا رفضت الإفراج عنه، وأصرت على محاكمته، بل أعلن القضاء التركي أن موعد الجلسة المقبلة سيكون في 12 أكتوبر المقبل، وفي حال إدانة القس، فقد يطاله حكم بالسجن لمدة 35 عامًا.

المعارض التركي فتح
المعارض التركي فتح الله غولن

مساومة مرفوضة

تعنت تركيا في عدم الإفراج حتى الآن عن القس الأمريكي يرجع إلى إصرارها على استخدام هذا القضية كورقة سياسية تقايض بها الولايات المتحدة؛ لكي تسلمها المعارض التركي «جولن»، ففي سبتمبر الماضي؛ اقترح الرئيس التركي الإفراج عن «برونسون»، إذا سلمت واشنطن «غولن»، في صفقة تبادلية؛ حيث أشار «أردوغان» في تصريحه: «إنهم يقولون لنا أعطونا القس، لكن أنتم عندكم رجل دين أيضًا، سلموه لنا وسنحاكم القس ونعيده إليكم».

 

إلا أنه في 20 يوليو 2018، أعلنت واشنطن على لسان تصريح لمسؤول أمريكي نشرته وكالة «فرانس برس»، أن «بلاده ترفض الربط بين الإفراج عن القس الأمريكي المسجون في تركيا وتسليم الداعية «جولن»، موضحًا أن أحد جوانب التوتر في العلاقة بين أنقرة وواشنطن ظهر عندما يربط أشخاص خصوصًا في الحكومة التركية بشكل مباشر بين «غولن» والقس «برونسون»، وعلق المسؤول الأمريكي حول تصريح «أردوغان»، قائلًا: «هناك حالتان متباينتان ضمن منظومة قانونية مختلفة. إن المسألة ليست بهذه البساطة، مثل القول، خذوا رجل دين وأعطونا رجل دين».

 رئيس الوزراء الإسرائيلي
رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو»

مساعٍ أمريكية

نشرت صحيفة «هارتس» الإسرائيلية تقريرًا في 27 يوليو الجاري، أفادت فيه أن «ترامب» مارس ضغوطًا على رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو»، بشأن الإفراج عن فتاة تركية تدعى «إبرو أوزكان» المحتجزة منذ شهر؛ لاتهام السلطات الإسرائيلية لها بالتواطؤ مع حركة «حماس»، وأوضحت الصحيفة أن هذا يأتي ضمن الجهود الأمريكية التي تهدف إلى إطلاق سراح القس الأمريكي المحتجز لدى أنقرة؛ حيث أجرى «ترامب» محادثات هاتفية مع «نتنياهو» في 14 يوليو، أدت إلى قيام السلطات الإسرائيلية بإخلاء سبيلها في اليوم اللاحق.


وفي وقت سابق، أشارت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، أن «ترامب» ونظيره التركي، توصلا إلى صفقة بخصوص الإفراج عن القس الأمريكي، أثناء لقاء بينهما على هامش قمة حلف الناتو في 11 يوليو، إلا أن تركيا خيبت آمال واشنطن في الصفقة المبرمة، وفرضت الإقامة الجبرية على القس؛ ما جعل الرئيس الأمريكي يدلي بتصريحات شديدة اللهجة توعد فيها أنقرة باتخاذ إجراءات عقابية ملموسة.

دونالد ترامب
دونالد ترامب

خلافات متراكمة

يعكس التصعيد الأمريكي ضد أنقرة على خلفية استمرارها في اعتقال القس «برونسون»؛ وجود أزمة ثقة كبيرة بين البلدين، وأن الأمر نتاج لتراكم من الخلافات حول ملفات مختلفة؛ حيث إن العلاقات بينهما تمر في الفترة الحالية بأسوأ مراحلها، فمن الملفات التي تسببت في توتر العلاقات، الملف السوري، وملف حقوق الإنسان والسياسة الخارجية، ووصولًا إلى محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا عام 2016، وصفقة صواريخ « S-400» بين موسكو وأنقرة، وغيرها.

 

وكانت أنقرة قد اعتقلت بعض الموظفين المحليين العاملين في البعثات الدبلوماسية الأمريكية في تركيا، بناءً على أدلة لا أساس لها من الصحة، تقول إنهم على صلة بالانقلابيين؛ ما أدى إلى غضب الولايات المتحدة، التي علقت منح التأشيرات للمواطنين الأتراك، وردت تركيا باتخاذ الإجراء نفسه، وظهرت تقارير أشارت إلى أن الولايات المتحدة ستشكل قوةً حدوديةً جديدةً في سوريا تتألف في الأساس من مقاتلين أكراد؛ ما يضر بأنقرة، فضلًا عن إصرار تركيا بالتقارب مع إيران، إضافة إلى عدد من القضايا الأخرى، التي توضح بشكل لا جدال فيه أن هناك توترًا في العلاقات بين البلدين.

البيت الأبيض
البيت الأبيض

عقوبات وسيناريوهات محتملة

يأتي من أهم العقوبات الأمريكية المحتملة على تركيا حال رفضها الإفراج عن القس، رفض واشنطن تسليم أنقرة طائرات «إف 35»؛ حيث إن أنقرة تواجه بعض الصعوبات في الاختيار بين أنظمة صواريخ «S-400» الروسية ومقاتلات «F-35» الأمريكية؛ إذ تهددها واشنطن بعدم تسليمها هذه المقاتلات التي تعاقدت على شرائها منذ سنوات، في حال مضيها قدمًا بصفقة الصواريخ مع موسكو؛ ما قد يترتب عليه إذا تمت الصفقة مع روسيا، فرض حظر على الشركات والبنوك التركية التي لعبت دورًا في هذه الصفقة بالتعاون مع الشركات والبنوك الأمريكية؛ ما قد يؤدي إلى تقليص أو منع الاستثمارات الأمريكية في تركيا، بيد أنه قد تفرض عليها عقوبات على بعض الوزراء والأشخاص المقربين من النظام التركي؛ نتيجة دعمهم بعض التنظيمات الإرهابية في المنطقة.

 

وبالفعل؛ بدأت واشنطن تلوح بتنفيذ بعض تهديداتها؛ حيث وافقت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، أمس 26 يوليو، على مشروع قانون يقيّد حصول تركيا على قروض من المؤسسات الدولية، مثل (البنك الدولي والبنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية وصندوق النقد الدولي)، وجاء قبول اللجنة بعد تهديد «ترامب» فرض عقوبات ضد تركيا، ويحتاج اعتماد مشروع القانون إلى مصادقة مجلسي النواب والشيوخ وتوقيع رئيس البلاد؛ ولهذا فإن لجوء الولايات المتحدة إلى العقوبات سيدفع بالرئيس التركي إلى مراجعة خطابه التصعيدي، مثلما حصل مع روسيا في نوفمبر 2015 على خلفية إسقاط مقاتلة روسية حين اضطر «أردوغان» لتلافي التصعيد إلى الاعتذار العلني لنظيره الروسي «بوتين».

 

ونتيجة لذلك؛ يجب الإشارة إلي أن تركيا يجب عليها الاستجابة للضغوط والتهديدات الأمريكية؛ لتفادي هذه العقوبات؛ لأنه من الواضح أن واشنطن عازمة على الوصول لنهاية المطاف والإفراج الكامل عن القس، كما أن أنقرة تعلم جيدًا أن «ترامب» قادر على تنفيذ تهديداته؛ ولذلك فإن خطوة الإفراج الشرطي عن القس ووضعه تحت الإقامة الجبرية، تعد رضوخًا من جانب تركيا لأمريكا بالفعل، إضافةً إلي أن القضاء التركي يتحرك بأوامر من «أردوغان»، وأن احتجاز رجل دين مسيحي بتهم تتعلق بالانتماء إلى جماعة دينية مسلمة أمر ينافي العقل؛ لذلك من المحتمل أن تفرج تركيا عن «برونسون» في جلسة محاكمته في أكتوبر المقبل.

"