يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

العثمانيون الجُدد والإسلاميون العرب.. ملامح خلافة مخيفة تهدد أوروبا

الأربعاء 18/يوليو/2018 - 08:08 م
المرجع
هشام النجار
طباعة

أوصت دراسات صدرت قبل الربيع العربي دوائر صُنع القرار الغربية بضرورة دمج الإسلاميين مقابل القبول بتسليم السلطة بالتشارك مع العلمانيين، وهو ما تَطلَّب تدريبهم على القبول بقواعد الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان والحريات، وصرفهم عن استخدام العنف، وقبول تنويع مصادر التشريع القانوني، واحترام حقوق المرأة، وحقوق الأقليات الدينية.

احتاج الغربيون إلى قوة إسلامية تقوم بالمهمَّة، وتصبح بمثابة جسر تواصل بين الشرق والغرب؛ وصولًا لهدف عزل التطرف والإرهاب، وضمان علاقات إسلامية- غربية هادئة، وفرض الاستقرار في الشرق الأوسط، وتحقيق المصالح الغربية على مختلف المستويات.

بُذلت الثقة الغربية لأردوغان ليتقدم بزعم كونه الأقدر على ترويض جماعة الإخوان، على خلفية تقديمه لنفسه في بدايات صعوده السياسي كشريك إسلامي قوي يعكس روح الحداثة الديمقراطية بثوب إسلامي.

تعكس محصلة هذا المسار اليوم بعد عقدين تقريبًا من انطلاقه خللًا في التقديرات والاختيارات، وعجزًا معرفيًّا بطبيعة التيارات الدينية بالشرق؛ فبدلًا من أن تكون تركيا -كما كان مؤملًا- عامل امتصاص للنقمة الإسلامية على الغرب، حَوَّلها أردوغان وحلفاؤه داخل الإسلام السياسي إلى ناقل للتوتر والاحتقانات، بل تتبلور أمامنا ملامح «خلافة» دينية قوامها العثمانيون الجُدد والإسلاميون العرب، تجسِّد عنصر إثارة وتهديدًا لمصالح دول أوروبا.

الآن يُغَذِّي تيار الإسلام السياسي تحت زعامة أردوغان نزعات الكراهية والتطرف ضد الغرب، بعكس ما كان مأمولًا، علاوة على تحولات تركيا الحادة ضد المصالح الغربية عبر التحالف مع منافسين لحلف الأطلسي والولايات المتحدة مثل روسيا وإيران.

وقطعت تركيا الأردوغانية أشواطًا تصعيدية في وجه الغرب، فهي تستغل أزمة اللاجئين وترعى إدخال الإرهابيين إلى أوروبا؛ من أجل تحقيق مصالحها، لكونه من ناحية بمثابة صفعة ثأرية عبر إشهار الدين، فضلًا عن القومية في وجه أوروبا، ومن الناحية الأخرى محاولة للخروج من ورطة سقوط مشروع الإسلام السياسي في المنطقة العربية.

ويرتبط تدفق الإرهابيين إلى أوروبا باستدعاء أردوغان وجماعة الإخوان صراعات الماضي بين الغرب والشرق، حيث يعجزون عن رؤية أوروبا كونها قد تجاوزت الحروب الصليبية، خاصة بعد استمرار رفض انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.

وهو ما حذَّر منه الملك عبدالله الثاني الذي نقلت صحيفة الجارديان البريطانية شهادته ضمن نص محادثات مع كبار المشرعين الأمريكيين، بمن فيهم رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ جون ماكين، التي جرت من 11 إلى 17 يناير من العام 2016م، ويرى العاهل الأردني أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان «يعتقد أن مشكلات المنطقة يمكن حلُّها عن طريق أساليب الإسلام الراديكالي»، معترفًا لأعضاء الكونجرس الأمريكي بقوله: «إن تركيا هي التي تُرْسِل الإرهابيين إلى أوروبا».

تثير هذه التطورات المخاوف في اتجاه إشعال المزيد من الصراعات بين الشرق والغرب، وبين العالم الإسلامي والحضارة الغربية، فالعالم بصدد شخص مهووس بالزعامة، يُغذي الأتراك بكراهية الغرب، ويسعى لتحويل تركيا إلى ولاية فقهية سنية، ويستهدف أمن أوروبا والمنطقة العربية، ويتسبب في سفك دماء مئات الآلاف من البشر؛ لإعادة أمجاد أجداده العثمانيين.

 


العثمانيون الجُدد

أردوغان.. غازٍ عثماني جديد

طور أردوغان -بصحبة الإسلاميين الأتراك والعرب- رؤية جانحة للماضي العثماني، معتبرين أن المسلمين في أنحاء الشرق الأوسط العثماني القديم والبلقان يشاركونهم رغبة الانضواء للزعامة الإسلامية التركية؛ بهدف إعادة المجد الإسلامي، وانتشال العالم الإسلامي من التبعية للغرب.

واستغل أردوغان تحالفاته مع تنظيمات الإسلام السياسي والجهادي لتصفية حساباته مع أوروبا التي اتهمها بالمشاركة في المحاولة الانقلابية، ودعم جماعة فتح الله جولن، ولم يُرد أن يظلَّ نشاطه الجديد في سياق ثأري مرحلي، إنما ضمن مشروع استراتيجي مدروس، تتضح فيه معالم الصراع بين محورين متناقضين.

واعتبر أردوغان أن أوروبا تُمَثِّل تهديدًا مباشرًا لأمن تركيا، وهذا انعكس على قناعات الأتراك، ففي مسح أجراه أحد المراكز البحثية اتفق 87.6 في المائة من المشاركين مع المفهوم القائل: «إن الدول الأوروبية ترغب في تقسيم تركيا مثلما فعلت مع الإمبراطورية العثمانية في الماضي».

واعتقد 77.3 في المائة أن أوروبا تساعد منظمات انفصالية في تركيا، بينما أعرب 87.5 في المائة عن اعتقادهم بعدم وجود اختلاف بين الإصلاحات التي يشترطها الاتحاد الأوروبي لعضويته وبين الامتيازات الأجنبية، وهي اتفاقيات تجارية غير منصفة أبرمتها الإمبراطورية العثمانية مع الدول الأوروبية، وقال 77.6 في المائة إنهم يتفقون مع من يقولون «إن روح الصليبيين ترقد في نهج الأوروبيين المناهض لتركيا».

ورَوَّج أردوغان لمؤامرة تستهدف الإسلام مصدرها أوروبا، ملوحًا بوجود سيناريو غربي يهدف للقضاء على وحدة العالم الإسلامي ومستقبل وجوده، سعيًا لحشد المسلمين وراء السلطان التركي دفاعًا عن الدين والهوية والمقدسات، وهو ما أنتج في خطاباته تصنيفًا للعالم على طريقة تنظيم القاعدة مؤسسًا على ثنائية «دار الإسلام ودار الحرب».

بمراجعة خطابات أردوغان في مناسبات مختلفة تبين حرصه على تهييج العاطفة الدينية لدى العالم الإسلامي، وتركيزه على الصراعات التاريخية بين الدولة العثمانية والدول الأوروبية، وادعاؤه تمثيل العالم الإسلامي في مواجهة خطر غربي مفترض، طارحًا نموذج الوحدة الإسلامية خلف زعامته كضامن وحيد لإنقاذ الهوية الإسلامية ومقدسات المسلمين من مؤامرة دولية تستهدفها، قاصدًا بعث مشاعر الكراهية وإثارة ردود الأفعال العنيفة.

ومن نموذج هذا الخطاب قوله: «يجري تنفيذ سيناريو قذر لتدمير وحدة العالم الإسلامي ومستقبله، وروح العيش المشترك والثراء الذي يمتلكه»، متهمًا العالم الغربي بـ«تصدير كل أمراضه التاريخية إلى العالم الإسلامي، لضمان مستقبله».

ومنها اعتبار فوز حزبه في الانتخابات البرلمانية نصرًا للمسلمين في العالم عندما قال: «بقدر ما انتصرت إسطنبول انتصرت سراييفو، وبقدر ما انتصرت أزمير انتصرت بيروت، وبقدر ما انتصرت أنقرة انتصرت دمشق، وبقدر ما انتصرت ديار بكر انتصرت رام الله ونابلس وجنين والضفة الغربية والقدس وغزة، وبقدر ما انتصرت تركيا انتصر الشرق الأوسط والقوقاز والبلقان وأوروبا».

ويفسر أردوغان الأحداث تفسيرًا تآمريًّا، ومن ذلك ما قاله بعد محاولة الانقلاب في يوليو 2017م: «واجهنا هجومًا بدا في صورة محاولة انقلابية، ولكنه كان يستهدف استعبادنا، وقد حاربنا نفس الأشخاص كما فعل آلب أرسلان».

وفي مناسبة أخرى قال: «إن انقلاب 15 يوليو كان محاولة لاحتلال الجزء الأخير الذي تبقى من أراضينا بعدما سقطت الأجزاء الباقية بين العامين 1912 و1923م».

وفي غاليبولي حثَّ أردوغان الأتراك على الاحتفاء بانتصارهم الأخير قبل هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الثانية، وتقسيمها على يد المنتصرين، وقال: «استطاع أجدادنا وهم يحملون العلم التركي بيد والراية الإسلامية الخضراء باليد الأخرى، دخول الأناضول عند مانزكيرت، ومضوا نحو وسط أوروبا بمجد وشرف».

وقال أردوغان، في كلمة خلال مراسم افتتاح مطار ومشاريع أخرى في ولاية كوتاهية: «إننا نعيش في هذا العالم ذي السبع مليارات نسمة، ونعرف ما هي وظيفتنا، نذهب إلى كلِّ بقعة وصل أجدادنا إليها على ظهر الخيول، ونهتم بتلك المناطق»، بمعنى أنه يهتم بالقارات التي فتحها أجداده العثمانيون وحكموها لقرون طويلة، وعلى رأسهم السلطان سليمان القانوني.

إذن يواجه أردوغان محاولة القوى الدولية الكبرى المفترضة رسم خريطة جديدة للمنطقة بإرث العثمانيين الذي يمنح الدولة التركية بحسب تصوره حقًّا في الهيمنة الإقليمية، وتمثيل العالم الإسلامي في مواجهة المخططات الغربية، وهو يؤمِّن حضوره ونفوذه بالشرق الأوسط –ضمن أهداف أخرى- لخدمة استعادة المد التاريخي العثماني في أوروبا، بأدوات وآليات مختلفة.

العثمانيون الجُدد

المرجعية الفكرية لخلافة أردوغان

وقع اختيار أردوغان على أيديولوجية جماعة الإخوان المسلمين، حيث يلبي منهجها الفكري إسناد مشروعه من جهة طبيعته الأممية، ولكونه رافضًا -عبر إنتاج أهم رموزه وهو سيد قطب- للتسويات السلمية والحضارية بين الشرق والغرب، حيث يطرح نفسه كمناهض وندٍّ للحضارة الغربية، ومعادٍ لقيم التعددية والديمقراطية.

وتتأسس خلافة أردوغان على قاعدتين فكريتين رئيسيتين؛ الأولى مرتبطة بنزعة حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان الأممية، وهو الذي أسس جماعته في العام 1928م كرد فعل على انهيار السلطنة العثمانية، رافعًا شعار «أستاذية العالم» الذي يستوعب هدف استعادة الخلافة كتعبير عن الرؤية العالمية في فكر الإخوان.

ويضع ضمن أهداف جماعته ضم الأندلس وصقلية والبلقان وجنوب إيطاليا وجزائر بحر الروم بوصفها كانت مستعمرات إسلامية يجب عودتها إلى أحضان الإسلام، كما أنه يُضفي القداسة على «الحكومة الإسلامية»، واضعًا إيَّاها ضمن أركان الإسلام، وهو لا يستبعد خيار اللجوء للقوة والعنف، إنما فقط يؤجله لوقته عندما لا يجدي غيره.

والقاعدة الثانية هي فكر سيد قطب من جهة تكفيره للمجتمعات المعاصرة بما فيها المجتمعات الإسلامية بزعم ارتدادها إلى جاهلية ما قبل الإسلام، وتحريمه العمل السياسي في ظلِّ الحكومات القائمة أو المشاركة معها في الحكم، ووجوب الجهاد ضدها، وهو ما يتيح لأردوغان إضفاء المشروعية الدينية على إسقاط النظم العربية، وإبدالها بخلافة إسلامية تحت زعامته.

 

ولكي تتصدر تركيا مشاريع تغيير كبرى، وتصبح مستحقة لزعامة الإسلام السياسي والجهادي في مواجهة مؤامرات غربية مفترضة، كان من اللازم تأسيس خلافة دينية متشعبة عبر أدوات يتحكم فيها أردوغان، منطلقة من مركز الخلافة الذي يتوجب تحويله لنموذج دولة دينية ملهم، لذا يتأسس هذا المشروع الصاعد على عدة محاور:

العثمانيون الجُدد

أولًا: أدلجة تركيا

حرص أردوغان على إعادة تشكيل الشعب التركي «هوياتيًّا» بإعادة غرس الميراث العثماني ضمن الذاكرة الجمعية، وبترسيخ مبادئ «هوياتية» جديدة عبر القيام بثورة داخلية، مؤداها بناء دولة سلطوية دينية قادرة على القيام بمهام وأدوار إمبراطورية توسعية.

وهو ما كفل له تحقيق الهيمنة السياسية، وتقويض حضور وأنشطة المعارضين بزعم كونه واحدًا من السلاطين العثمانيين الذين لم يكن مصطلح «المعارضة» واردًا ضمن أدبيات إدارتهم للدولة، الأمر الذي أتاح له وصم المعارضة بالعمالة للغرب، وخيانة مصالح الشعب التركي، لتكون المحصلة تراجعًا كبيرًا لقيم الحريات العامة، سواء حرية إبداء الرأي أو الحرية السياسية وقيم الديمقراطية والتعددية.

وأَدَّى غلق تركيا على مشروع أيديولوجي أحادي إلى شيوع الرعب الذي عاشه من أضمر رأيًا مخالفًا في دولة داعش الآفلة؛ ففي كلا النموذجين يُتهم كلُّ من يُعلن رأيًا معارضًا بالتآمر، ويُزج به في السجن.

وهذا عائد إلى أن جوهر ممارسات الرئيس التركي في الحكم خلال الأعوام الأخيرة يصطبغ بالصبغة الداعشية، وإن لم يَظْهَر بهيئة الإسلاميين التقليدي كاللحية والجلباب؛ فهو يتصرف كرئيس لتيار معين من الشعب وليس كلّ الشعب، وهو يُحكم هيمنته الكاملة على السلطة بفلسفة مشابهة لما يستخدمه أمراء الجماعات عبر التخويف من عقاب الله في حال وقف أحد المواطنين موقفًا مغايرًا لتوجه السلطة، وما استجد في الساحة السياسية التركية، وما يتوقع لها بعد الانتخابات الأخيرة هو استلهام أسوأ ما لدى نموذج داعش فيما يتعلق بفردانية السلطة، والتمييز ضد الأقليات، والقضاء على دولة المواطنة.

استدعى تخليق هذا النموذج وترسيخه إجراءات بالنظام التعليمي، منها إنشاء جامعات تديرها وتُشرف عليها جماعة الإخوان ورموزها المقيمون في تركيا بتمويل قطري، لتدريس مناهج الجماعة التربوية والفكرية والعقدية، وتخريج شباب معتنق ومخلص لمشروع الخلافة الإسلامية.

كذلك تطلب إعادة التعليم الديني الإلزامي في المدارس الأساسية التركية، وإدخال تغييرات على منهاج مادة «التربية والدين والأخلاق» بحذف موضوعات تتحدث عن الأخلاق والفضائل العامة، لمصلحة التركيز على الشريعة الإسلامية، مع إدخال مفهوم الجهاد في سبيل الله، والاستشهاد في منهج الصف السابع، وفق التغييرات التي أقرها وزير التعليم التركي في مطلع العام 2017م.

تصبُّ هذه الممارسات مجتمعة في مسار صناعة واقع تركي جديد داعم لمشروع الخلافة، والمتوقع له أن يخوض صراعات «هوياتية» وطائفية ودينية وقومية، ولن يَسهل تحقيق إنجازات في هذا السياق بدون إضفاء شرعية على السياسة الخارجية الجديدة لأردوغان الموجهة للعداء للغرب بشكل أساسي، وبدون فرض السيطرة على الداخل لمواجهة التحديات بتوحد يستعصي على الاختراق، وإن تم ذلك عبر قمع المعارضة.

العثمانيون الجُدد

ثانيًا: توظيف الإسلاميين العرب


فشل الحالة الحزبية الإسلامية في البلاد العربية جعلها رهينة الوضع التركي والإقليمي، وطوع أمر أردوغان في اتجاهين؛ الأول وراثة النظام العربي التقليدي القائم على أركان رئيسية تضم مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية، والثاني دعم مشروع الخلافة استنادًا لكونها الجماعة الأكثر انتشارًا في دول الغرب.

أسهم عاملان رئيسيان في إفشال التجربة الحزبية للإسلاميين العرب في بلدانهم؛ الأول عدم اتساق التجربة مع الحالة المحلية العربية الساعية للحفاظ على مؤسسات الدولة وحماية حدودها وتماسكها، بينما تتسق مع مشروع الخلافة الذي يتزعمه أردوغان، والذي وَجَدَت فيه تلك الجماعات الفرصة لتثأر من عَزْلِهَا عن السلطة.

والثاني حرص أردوغان على الاستفادة من تلك الكيانات، في سياق خطته للعصف بمنافسيه السياسيين المحليين، وهو ما وضح عندما أسهم أعضاؤها في تشكيل لجان خاصة أسهمت في التصدي للانقلاب الفاشل في يوليو 2016م، ونشطوا في الدعاية لأردوغان وحزبه خلال الانتخابات الأخيرة، علاوة على توظيفهم في مشروع التمدد لاجتزاء مناطق استراتيجية في العمق العربي.

ومن هنا يستغل أردوغان إحباطات جماعة الإخوان وحلفائها داخل تيار الإسلام السياسي، على خلفية انهيار ما كانت متعلقة به عبر تبني الغرب والولايات المتحدة الأمريكية لمشروع تصعيد الإسلام السياسي للحكم تحت عنوان «الإسلام المعتدل» أو «الإسلام الديمقراطي»، لدفعها كأداة ابتزاز وضغط في سياق صراعاته مع دول أوروبا، ومناوراته مع الولايات المتحدة الأمريكية.

ويضع الإسلاميون في المقابل أملهم الأخير على أردوغان ونظامه للخروج من أزمتهم الكبرى بعد عزلهم عن السلطة، وحظر البعض من جماعاتهم وأحزابهم والتضييق على أنشطتهم عربيًّا، ولذلك رفع قادتهم ومراجعهم العلمية أردوغان لمستوى زعيم المسلمين في العالم، بما يشبه المبايعة للخليفة الجديد.

العثمانيون الجُدد

ثالثًا: الجهاديون.. أداة ردع خلافة أردوغان

تحرص حكومة أردوغان على عدم فقدان ورقة التنظيمات التكفيرية والجهادية المسلحة «داعش والقاعدة»، وترى أن المرحلة الحالية هي الأنسب من سابقتها في ظلِّ تراجع حظوظ التنظيمات السنية المنافسة لتحقيق الزعامة الإسلامية، بعد فشل تلك التنظيمات في صناعة نموذج الخلافة الخاص بها.

لذا رَوَّج قادة وإعلاميو جماعة الإخوان لتركيا الأردوغانية كونها الأمل المتبقي لإنقاذ سمعة التيار الإسلامي في عمومه، وزعامة ما يُطلقون عليه «الجهاد المقدس» بالدول العربية، خاصة بعد الانتكاسات التي مُنِيَ بها داعش، بما تمتلكه تركيا من مقومات الدولة التي تؤهلها للقيام بهذا الدور.

ويُصَدِّر قادة الإخوان اسم أردوغان حاليًّا كزعيم إسلامي تاريخي استطاع القضاء على العلمانية المتجذرة بتركيا، وتَمَكَّن من إخضاع الجيش التركي العتيد لسلطته، علاوة على تحديه للغرب والولايات المتحدة الأمريكية، وبذلك حافظ على مشروع خلافته الوليدة، بما يؤهله لحشد جميع الفصائل والتيارات الإسلامية والجهادية وراءه.

ويستغل أردوغان وجماعة الإخوان تراجع وخسائر التنظيمات الجهادية، ومن ثم حاجتها لناظم إقليمي وكيان دولة قوية يجمع شتاتها ويوجهها لتعويض ما تعرضت له من هزائم، وهو ما يلقى قبولًا في الأوساط الجهادية دون منافسة في هذه المرحلة المتأخرة لاستكمال مشروع الخلافة.

ويراهن أردوغان بقوة على هذه التنظيمات إما بالداخل العربي أو في العمق الأوروبي، فرعايتها وإعادة تدويرها وضخها في الجهتين من شأنه تمكين أردوغان من إدارة مناوراته وصراعاته، ليظهر وكأنه يصنع من انتكاسات وهزائم مختلف طيف الإسلام السياسي والجهادي نصرًا ومجدًا لنفسه.

وكشفت صحيفة الجارديان البريطانية في أبريل 2017م أن أعدادًا كبيرة من مقاتلي تنظيم «داعش» يفرون من مناطق القتال في كل من سوريا والعراق عبر تركيا، واستطاع المئات منهم مغادرة الرقة صوب تركيا فأوروبا.

أما الأنباء المتداولة بشأن إلقاء السلطات التركية القبض على منتمين لداعش من العائدين من القتال بسوريا والعراق؛ فلم تهدف الأجهزة بتركيا من وراء إجراءات مشابهة في السابق لتفكيك تلك الشبكات أو إنهاء نشاطها، إنما يُخفي التظاهر التركي بملاحقة تنظيم داعش إعادة ترتيب البيت الجهادي بما تقتضيه ظروف كل مرحلة؛ حيث اعتادت الأجهزة الأمنية التركية إطلاق سراح الجهاديين الموقوفين بعد فترة احتجاز قصيرة.

العثمانيون الجُدد

خلاصة وتوصيات

 تركيا –بجانب قطر- مسؤولة عن عدم استقرار الأوضاع الأمنية بأوروبا عبر استدعاء تيار الإسلام السياسي لمشروع خارج حدود بلاده، ونقل رموزه وأعضائه وكياناته لحيز مسارات ثأرية تاريخية متصادمة مع دول العالم، بعد أن حاولت الدول العربية استيعابه ومنحه فرصة العمل الحزبي في سياق تجارب محلية وطنية في الداخل العربي ما بعد حراك الربيع العربي.

باتت تركيا تحت زعامة أردوغان عقب التغييرات البنيوية في هيكلة النظام السياسي وفلسفة حكمه وبتحكمها في مسارات الإسلاميين والجهاديين تصدر لأوروبا كوارث ومآسي العالم الإسلامي من لاجئين وإرهابيين، وقد هددها أردوغان بذلك عدة مرات.

وتلفت مخرجات علاقة الغرب بتركيا الأردوغانية من جهة وبجماعة الإخوان من جهة على مدى العقدين الماضيين لثغرات في استراتيجيات الحرب ضد الإرهاب، ما أدى لإطالة أجل تنظيماته بالرغم من ثقل وزن القوى العالمية التي تحاربه استخباريًّا وتقنيًا وعسكريًّا وبشريًّا.

ولذا لا يمكن إعفاء بعض الدوائر الغربية السياسية والفكرية من المسؤولية؛ فهذه المحصلة وهذا التحالف الأيديولوجي المخيف أسهم في تشكله فهم غربي مغلوط لطبيعة تيار الإسلام السياسي، خاصة جماعة الإخوان ولحقيقة مناهجها وأهدافها.


لذا ينبغي مراعاة الآتي:


أولًا: إعادة النظر في التعاطي مع عموم تيار الإسلام السياسي والجهادي ومموليه ورعاته، فلم يعد الخطر مهددًا فقط الشرق الأوسط بل وصل التهديد رأسًا لقلب أوروبا، ولم يعد التفريق بين معتدلين ومتطرفين مقنعًا ومجديًا، فلم يثبت تيار الإخوان عمليًّا بأنه يستحق وصف «الإسلام الليبرالي» لكونه هو أصل الإرهاب والتطرف ومنبعه.


ثانيًا: دراسة تأثير عزل جماعة الإخوان على نفوذ رعاتها؛ فقد أعاقت الدول العربية المشروع التركي، وكان عزل الإخوان وكيل أنقرة بالداخل العربي أقوى إجراء عربي لحرمان أردوغان من أهم أوراقه، فصارت بعد حصار الجماعة وإقصائها في موقع أكثر قوة حيال مخططات أردوغان الاستعمارية العثمانية، في حين يجد أردوغان مساحة لمناوراته داخل أوروبا بالنظر لما تنعم به أداته الرئيسية وهي جماعة الإخوان هناك من حرية.


ثالثًا: ينبغي دعم جهود الدول العربية من قبل دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية؛ فتوحد الدول العربية الرئيسية على نبذ جماعة الإخوان وحظر أنشطتها وإخراجها من المشهد السياسي العربي هو العامل الرئيسي الذي عزَّزَ من قوة موقف العرب، وبلا شك سيزيدون قوة حال تحقق توحد أوروبي- عربي- أمريكي، وهو ما سيؤدي لتقليص نفوذ أردوغان الذي يعتمد على إظهار نفسه قويًّا في الشرق لابتزاز الغرب وتهديده.


رابعًا: ينبغي إظهار الاحترام لمصالح الدول العربية ولمنظمتهم الإقليمية «الجامعة العربية»، فهي الشريك المناسب لإرساء الاستقرار والأمن في العالم، بما تمتلكه من نية وعزم للوفاء بالتعهدات المطلوبة من جهة القوى الغربية، استنادًا لما تمتلكه من رصيد روحي مؤثر على امتداد العالم الإسلامي، كما أنها عنصر وازن فيما يخصُّ أمن مصادر الطاقة والنفط والوقوف أمام تمدد إيران، كما تحرص على المواءمة مع متغيرات العولمة وحاجة الغرب إلى تحديث الشرق الأوسط، وردم الهوة بين العالمين الإسلامي والغربي.


خامسًا: لا يتحقق القضاء على الإرهاب بدون العمل على تفكيك التحالف الأيديولوجي الإيراني التركي القطري، وتحالف الإسلاميين العرب والعثمانيين الجُدد الذي يستهدف الأمن القومي العربي، ويهدد أمن واستقرار أوروبا.

العثمانيون الجُدد

[1] قراءة في تقرير أمريكا والإسلام السياسي: تحول من العسكرة إلى الاندماج والتحالف- عمرو عبدالعاطي- شبكة الجزيرة يناير 2011م.

[2] دانيال بايبس- مؤسسة راند وإصلاح الإسلام- نيويورك صن- 6 أبريل 2004م.

[3] بناء شبكات إسلامية معتدلة.. تقرير مؤسسة راند 2007م للمخرج أنجل بارسا وشيريل بينارد وغيرهما- مركز التعددية الإسلامية- 5 أبريل 2007م.

[4] جيمس زغبي- الدور التركي والمتغيرات الإقليمية- الحياة اللندنية- 12 مايو 2011م.

[5] مصطفى اللباد- فهم تركيا.. منظور مصري، تحليل نظرات داخلية، مجلد 11- مركز الشرق للدراسات الإقليمية والاستراتيجية- 2009م- صفحة 55-60.

[6] أوروبا.. قصور بفهم الإرهاب ومعالجاته الجذرية- العرب اللندنية- 11 سبتمبر 2017م.

[7] تيد غالين كاربنتر- أمريكا وتركيا شرخ يصعب ترميمه- ذا أميريكان كونسيرفاتيف- نقلًا عن إمارات 24- 30 يناير 2018م.

[8] أنقرة: علاقتنا مع روسيا وثيقة ولن يتسنى لواشنطن وباريس هزها- آر تي عربي- 6 أبريل 2018م.

[9] حازم صاغية- تركيا التي لا تطمئن- الحياة اللندنية- 1 مارس 2018م.

[10] منشق عن الجيش الحر.. علاقة تركيا بداعش والنصرة أعمق مما يعرف- الزمان- 23 ديسمبر 2017م.

[11] الملك الأردني يكشف عن دور تركيا في الهجمات الإرهابية في أوروبا- سبوتنيك عربي- 26 مارس 2016م.

[12] رفعت سيد أحمد- من التلل والأرمن إلى عفرين.. أردوغان حين يعيد مذابح أجداده- الميادين- 1 فبراير 2018م.

[13] خالد مشعل يشيد بالاحتلال التركي لعفرين- إرم نيوز- 1 أبريل 2018م.

[14] مركز أبحاث الهجرة التابع لجامعة بيلجي بإسطنبول بالتعاون مع ورشة عمل انفاكتو البحثية- نقلًا عن أومت أوزكرملو بعنوان: كيف يكون جديرًا بالانتماء لتركيا- أحوال تركية- 16 فبراير 2018م.

[15] أحلام الخلافة وهيستريا الأسلمة وهوس الوصاية في سياسة أردوغان- همام طه- العرب اللندنية- 2 ديسمبر 2017م.

[16] تصريح أدلى به أردوغان قبل ساعات من انعقاد قمة سوتشي التي جمعته بالرئيسين الروسي والإيراني خلال افتتاح اجتماع اللجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري بمنظمة التعاون الإسلامي بإسطنبول- 4 أبريل 2018م.

[17] من كلمة ألقاها أردوغان أمام حشد من أنصاره، محتفيًا بانتصار حزبه عقب حصوله على أغلبية المقاعد البرلمانية في عام 2011م.

[18] الرئيس التركي يستدعي معركة قديمة- ذا ايكونوميست- 9 سبتمبر 2017م.

[19] محمد نور الدين- حروب أردوغان من لوزان إلى إيجه مرورًا بجرابلس- السفير اللبنانية- 1 أكتوبر 2016م.

[20] ميسون جحا- أردوغان ينبش معركة عمرها ألف سنة لتعبئة القوميين الأتراك- إمارت24- 11 سبتمبر 2017م.

[21] أردوغان يهاجم مسلسل حريم السلطان- سي إن إن بالعربية- 26 ديسمبر 2012م.

[22] حوار غونتر ماير- دويتشه فيله عربية- 20 يوليو 2017م.

[23] سيد قطب- معركة الإسلام والرأسمالية ط13- دار الشروق 1993م- صفحة 93- 112.

[24] حسن البنا- رسالة بين الأمس واليوم.

[25] سيد قطب- معالم في الطريق- صفحات 91،92،93.

[26] غوكهان باجيك- أردوغان يقود أسلمة المجتمع واستبداد الدولة- أحوال تركية- 26 يونيو 2018م.

[27] يوسف الشريف- عندما تتحول تركيا إلى إيران ثانية في المنطقة- الحياة اللندنية- 13 يناير 2015م.

[28] بأموال تركية قطرية.. تنظيم الإخوان ينشئ جامعة في إسطنبول لاستقطاب الشباب العربي- اليوم السابع- 14 نوفمبر 2017م.

[29] سونر جاغايتاي- إلى أين يريد أردوغان أخذ تركيا- معهد واشنطن- 15 يونيو 2016م.

[30] منح حزب العدالة والتنمية الحاكم بتركيا العضوية الشرفية لقيادات بالجماعة الإسلامية المصرية من أعضاء الهيئة العليا لحزب البناء والتنمية الذراع السياسية للجماعة، المنظور حله قضائيًا لتحالفه مع الإخوان، وفي مقدمتهم ممدوح علي يوسف قائد الجناح العسكري السابق للجماعة وسمير العركي.

[31] أحمد داود أوغلو، محمد ثاجي وطارق عبدالله- العمق الاستراتيجي.. موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية- ترجمة محمد ثاجي وطارق عبدالجليل- 2010م- صفحة 253- 240.

[32] كلمة يوسف القرضاوي في مهرجان "شكرًا تركيا"- 23 أبريل 2016م.

[33] محمد أنيس سالم- الدول العربية في مواجهة خطر داعش- مجلة السياسة الدولية- العدد199- يناير 2015م.

[34] كلمة إبراهيم منير وخالد مشعل خلال احتفالية الذكرى التسعون على تأسيس جماعة الإخوان- 1 أبريل 2018م.

[35] أردوغان يلتقي تيلرسون بعد تحذيره واشنطن من صفعة عثمانية- موقع عربي 21- 15 فبراير 2018م.

[36] تركيا بوابة عبور المقاتلين الأجانب من أوروبا إلى سوريا وبالعكس- المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات- 5 يناير 2018م.

[37] بوراك بكديل- تركيا، العالم العربي ليس فقط بداخلك- ميدل إيست فورم- 14 يناير 2018م.

[38] أودري كورث كورنين- لماذا فشلت الاستراتيجيات الدولية في القضاء على داعش- فورين أفيرز- مارس-أبريل 2015م.

[39] دلال محمود السيد- مقومات مفقودة.. معضلات الدولة القائد في النظم الإقليمية والدولية- مجلة السياسة الدولية- ملحق اتجاهات نظرية- أبريل 2014م- صفحة 16.

"