يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«هاتف الخلافة».. شهادة «الرجال» على أحداث «الفنية العسكرية»

السبت 14/يوليو/2018 - 08:16 م
هاتف الخلافة
هاتف الخلافة
نورا بنداري
طباعة
وجد نفسه في موقف غريب يُحسد عليه، فمطلوب منه أن يُقدم على ارتكاب فعل شنيع من أجل هدف مزعوم، ودارت في مخيلته العديد من الأقاويل التي تمحورت حول أسباب إقدامه على تنفيذ هذا الأمر، حاول التنفيذ لكن لم تطاوعه نفسه، فقرر الفرار والإبلاغ عما كان ينوي الإقدام عليه، وعن التفاصيل الكاملة للمذبحة التي ستحدث، لكن لم يصدقه أحد بل تم الاستهزاء بما يقوله وتم الزج به فى السجن، حتى تواترت أنباء العملية، فتمّ ترحيله إلى مقر أمن الدولة لمعرفة أبعاد القضية.

أحمد الرجال، الطبيب المصري، المولود عام 1953 في محافظة البحيرة، وأحد الأعضاء المشاركين في الحادث الإرهابي المعروف بحادث «الفنية العسكرية»، الذي وقع قبل 44 عامًا، وتحديدًا في 18 أبريل 1974، حينما حاول أعضاء تنظيم أطلق على نفسه اسم «الفنية العسكرية» بقيادة «صالح سرية»، اقتحام مبنى كلية الفنية العسكرية في مصر، للاستيلاء على الأسلحة والذخائر، لاستخدامها في تنفيذ محاولة انقلاب على حكم الرئيس الراحل محمد أنور السادات، معتقدين أنهم يسلكون الطريق نحو تحقيق حلمهم بإقامة «دولة الخلافة» المزعومة.

وبعد سنوات طويلة مرت على تلك المذبحة، التي راح ضحيتها 13 قتيلًا؛ خرج «الرجال» عن صمته وأدلى بشهادته بعد أن تجاوز الـ60 من عمره، ليصف بدقة لحظة إقدامه على ارتكاب المذبحة، في كتابه «هاتف الخلافة: شهادة جديدة على أحداث الفنية العسكرية»، الذي قام بتحريره والتقديم له الدكتور «كمال حبيب» الأكاديمي المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، والذي كان شاهدًا على هذه الفترة من موقعه السابق كعضو في ما يسمى بـ«تنظيم الجهاد».
«هاتف الخلافة»..
«هاتف الخلافة» الدعوة لتلبية النداء:
استخدم «الرجال» تعبير «هاتف الخلافة» ليكون عنوانًا لما عايشه فى تنظيم يعيش على حلم استعادة «الخلافة»، حينما كان طالبًا في كلية الطب بجامعة الإسكندرية لم يتجاوز بعد العشرين من عمره، لذا قدم «حبيب»، بعض المؤشرات التي تساعد على إمكان استخدام مصطلح «الهاتف»؛ لفهم دوافع الشباب الذي يقدم حياته بلا ثمن فى سبيل أوهام خادعة، منها؛ أن «الهاتف: في الحقيقة هو فعل نفسى ذو طبيعة حشدية تنادي في الإنسان عوامل الإقدام والشجاعة والنخوة لاستعادة ما فقد، ومن ثم تثير قلقه وتدفعه للتحرك بلا خطة ولا سؤال عن المستقبل ولا بحث عن الكيفيات ولكنها صيحة غامضة مجهولة تحيط بالنفس والروح وتدفعها إلى أقدارها حتى لو كان فى ذلك حتفها أو موتها».

ويضيف محرر الكتاب: «اندفع هؤلاء الشباب خلف (هاتف) يهتف بأنفسهم وبعواطفهم الجياشة وبنفوسهم البريئة وكأنه الظل الملازم لصورة الإنسان حين يتحرك، بيد أننا أمام ظل روحي يخاطب الروح ويداعب الأفكار ويهتف بها أن قوموا لاستعادة الخلافة»، ويوضح «حبيب»، في مقدمة الكتاب: «أن المؤلف عاش بهواتفه التى زينها له أصدقاؤه»، مشيرًا إلى أن «هواتف الإسلاميين» هي التى تزين لهم الطريق فى مبتدئه، ثم حين يسيرون خطوات إلى الأمام فإنها تبقى الطاغية والمسيطرة.

حلم إقامة الخلافة:
«الرجال» كان لديه تصور بأن حلم الخلافة سيعود عبر هذا التنظيم، دون أن يدري أن هذه التنظيمات ليست سوى مصيدة للدخول في مواجهة غير محسوبة مع الدولة تكون نتيجتها ارتكاب أفعال شنيعة الأثر، لذا قال في كتابه: «أحسست أن فجر الخلافة الإسلامية بات وشيكًا، مما جعلنى أكثف من التدريبات البدنية مهملًا دروسى الطبية، متهيأ نفسيًّا وبدنيًّا لليوم الذى يطل علينا فيه ذاك الفجر الذى طالما انتظرناه»، ويضيف «الرجال»، في موضع آخر من الكتاب: «تتعاقب الأيام، وكل يوم تمر ساعاته، كان شاغلي هو كيفية الاستيلاء على السلطة لإقامة شرع الله وإعلان قيام دولة الخلافة الإسلامية».
«هاتف الخلافة»..
جوانب التأثير النفسي: 
تدور الفكرة الرئيسية لكتاب «هاتف الخلافة: شهادة جديدة على أحداث الفنية العسكرية» حول جوانب أساسية للتأثير النفسي، منها ما يخص كيفية انضمام «الرجال» إلى تنظيم «الفنية العسكرية»، حيث يوضح أنه بعد أن خطب خطبة عصماء في مسجد المستشفى الجامعي، حول ضرورة الاحتكام لـ«شرع الله»، ثم شرح معنى «الجهاد»، عرض عليه ثلاثة من أعضاء التنظيم؛ أن ينضم إلى تنظيم قائم يهدف إلى قيام دولة إسلامية بالقوة، وطلبوا منه البيعة، فبايع بشرط عدم ارتكاب عملٍ فيه معصية لله ورسوله. ويقول «الرجال» إنه أحس عندما اطلع على رسومات كروكية لمجلس الشعب من الداخل، وبعض القاعات التي ربما يخطب فيها «السادات»، أن حلم الاستيلاء على السلطة وإقامة دولة الخلافة بات وشيكًا.

بعد ذلك؛ يأتي دور عنصر الصدمة، حيث وجد «الرجال» نفسه مطالبًا بتنفيذ المرحلة الأولى من المخطط، والتي تقوم على ذبح حارس إحدى بوابات الكلية، لاقتحام الكلية وسرقة الأسلحة لاستخدامها في تنفيذ انقلاب عسكري يترتب عليه «إعلان الخلافة»، وعن شعوره لحظة الذبح، قال «الرجال»: «دارت الدنيا بي وبدأت أتساءل، كيف أذبح بيدي التي لم تذبح من قبل دجاجة، هذا الحارس الخارج لتوه من أول حرب ينتصر فيها الجيش المصري على الصهاينة»، مشيرًا إلى أنه حتى هذه اللحظة لم يكن يعرف بعد من هو أمير التنظيم.

وعندما وجد «الرجال» نفسه أمام الذبح قرر التراجع، وقام بإبلاغ السلطات قبل الواقعة بساعات، لكنها تلكأت في رد الفعل حتى وقعت المذبحة وسقط قتلى وفشل المخطط وانتهت القضية بإعدام ثلاثة متهمين على رأسهم زعيم التنظيم «صالح سرية»، وسجن آخرين.

بيد أن القيادي الراحل «طلال الأنصاري» (أحد أهم أعضاء تنظيم الفنية العسكرية)، سبق «الرجال»، وكان أول من خرج عن صمته، ولكن الفرق أن «الأنصاري» تحدث في كتابه عن التنظيم تاريخيًا، بينما «الرجال» تحدث عن نفسه، ومشاعره، وهاتفه الذي أرقه، لذا قرر أن يطلق صيحته راجيًا أن تكون إنذارًا يحُول بين وقوع الشباب في الدوامة العنيفة، ويخص الذين يندفعون نحو تنظيم «داعش» وأخواتها عسى أن يفيقوا من أوهامهم، وهواتفهم التي ليست هواتف جن، وإنما هواتف «شياطين الإنس».
"