يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

مهندسة سياسات الهجرة.. «ميركل» بين تحدي البقاء والمواجهات الحادة

الأحد 15/يوليو/2018 - 11:07 ص
أنجيلا ميركل
أنجيلا ميركل
آية عبدالعزيز
طباعة
استطاعت المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل»، النأي بنفسها من الحراك الداخلي، الذي كاد أن يعصف بمنصبها السياسي بعد الأزمة التي تعرضت لها بشأن الهجرة واللاجئين، من خلال التوافق مع التحالف الحاكم بشأن الإجراءات المتبعة في التعامل مع الملف؛ حيث توصلت إلى الركائز الأساسية في التعاطي مع الأزمة، تمثلت في رفض فكرة إنشاء مراكز عبور جديدة، مع بقاء المهاجرين الذين قدموا طلبات لجوء في دول أوروبية أخرى في مراكز تابعة للشرطة «البافارية» أو نقل الذين دخلوا إلى الحدود الجنوبية إلى فضاء ترانزيت بمطار «ميونيخ»، كما لا يسمح لهم بحرية التنقل دخل الأراضي الألمانية. 

فيما تم تحديد مدة الاحتجاز بما يتوافق مع القانون الألماني، أي لا تتعدى 48 ساعة، وبعد ذلك سيتم إطلاق سراحهم من قبل السلطات، وفي حالة صعوبة إعادتهم يمكن لهم الدخول إلى «برلين» مع الاستعداد لترحيلهم في أي وقت إذا حدثت مستجدات في ملفهم، هذا بالتزامن مع إبرام السلطات الألمانية اتفاقيات ثنائية مع دول العبور والاستقبال مثل «إيطاليا والنمسا واليونان» من أجل إعادتهم (*1). 
مهندسة سياسات الهجرة..
تحديات الداخل 
تواجه «برلين» عددًا من التحديات الداخلية والتهديدات الأمنية، تكمن في أزمة المهاجرين التي تنامت في الفترة الأخيرة إبان دعوات القوى الشعبوية برفض إدماجهم في داخل المجتمع، فتوافد على برلين منذ بداية عام 2018 وحتى الآن بشكل غير قانوني نحو 18 ألفًا و24 مهاجرًا، منهم 2039 شخصًا وصلوا عبر سويسرا، و4935 شخصًا دخلوا عبر النمسا، و1905 أشخاص دخلوا عبر التشيك، إضافة إلى آخرين وصلوا عبر كل من بولندا وهولندا وبلجيكا والدنمارك وفرنسا، علاوة على 3747 شخصًا دخلوا عبر المطارات الألمانية، وذلك استنادًا إلى أرقام الشرطة الاتحادية (*2). 

وعليه اندلع صراع سياسي داخلي بين قوى الائتلاف الحاكم، بين الاتحاد الديمقراطي المسيحي بزعامة «ميركل»، والاتحاد الاجتماعي المسيحي بزعامة «هورست زيهوفر»، نتيجة رفض «زيهوفر» استقبال ألمانيا للمهاجرين بهذا الشكل.

وطالب «زيهوفر» بوقف التنسيق مع الدول الأوروبية في استقبالهم، كما عرض خطته القاضية بالتصدي للموجات المتدفقة من الهجرة غير النظامية على الأراضي الألمانية، علاوة على الذين تم رفض طلبات لجوئهم، مع رفض طلبات الوافدين الذين تقدموا بالفعل بطلب اللجوء في بلد آخر من بلدان الاتحاد الأوروبي، كما طالب «ميركل» بتنفيذ الاتفاق دون التنسيق مع دول الاتحاد الأوروبي (*3)، ورفضت «ميركل» هذا القرار باعتباره أحادي الجانب، متبنية سياسة أوروبية معتدلة تشمل جميع دول الاتحاد الأوروبي.

وفي هذا الصدد أعلن «زيهوفر» عن نيته بتقديم استقالته، إلا أنه تراجع بناءً على التفاهمات مع «ميركل»، التي حاولت احتواء الموقف الذي بات يهدد منصبها السياسي؛ حيث توصلت إلى اتفاق يقضي بموجبه إقامة مراكز إعادة المهاجرين إلى دول أوروبية قدموا منها.
ميركل
ميركل
إجراءات التهدئة
سعت المستشارة الألمانية، إلى انتهاج سياسات أكثر توازنًا على الصعيد الداخلي والأوروبي لتهدئة الأوضاع، رغم حدة الضغوط التي تواجهها، تجلت على النحو التالي: 
1- على الصعيد الأوروبي؛ تمكنت «ميركل» من إبرام عدد من اتفاقيات مع 14 دولة من دول الاتحاد الأوروبي؛ لإرجاع بعض طالبي اللجوء الذين يصلون إلى الأراضي الألمانية، لإنهاء الانقسام الداخلي، كما تبنت سياسات مناهضة للمهاجرين عبر ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية، أو الدول الأوروبية التي جاءوا منها وسجلوا أنفسهم فيها، إلا إنهم تنقلوا داخل أوروبا للقدوم إلى الأراضي الألمانية من خلال إبرام اتفاقيات ثنائية تتعلق باستعادة المهاجرين.

وتقدمت «ميركل»، بطلبات إعادة لكل من إيطاليا واليونان وإسبانيا، باعتبارهم من أهم دول استقبال المهاجرين، وقبلت هذه الدول الطلبات، إلا إنها لم تتسلم الأرقام الفعلية حتى لا تُثقل على كاهلها عبء التداعيات المحتملة لعودتهم، حيث وافقت إسبانيا على 1255 طلبًا من طلبات الإعادة المقدمة، إلا إنها لم تتسلم إلا 172 مهاجرًا، كما وافقت إيطاليا على استعادة 8421 حالة، إلا أنها تسلمت 1384 شخصًا فقط (*4).

2- على الصعيد الداخلي؛ عبرت المستشارة عن رغبتها في إنشاء مراكز عبور على الحدود مع النمسا؛ حيث ستتم معالجة ملتمسي اللجوء المسجلين بالفعل في بلد آخر في الاتحاد الأوروبي قبل إعادتهم إلى ذلك البلد حيثما أمكن، وعندما لا يكون ذلك ممكنًا اتفق الطرفان على إعادة ملتمسي اللجوء عبر الحدود إلى النمسا، وفي المقابل أعربت الحكومة النمساوية في بيان لها أنها مستعدة لاتخاذ التدابير اللازمة لحماية حدودها الجنوبية إذا تم تنفيذ المقترحات.

كما اقترحت تقديم بعض المساعدات المالية لبعض المهاجرين مقابل عودتهم إلى بلدانهم، تجلت في وقت سابق في إطلاق برنامج «ستار ثيل بلاس» في فبراير2017، الذي بموجبه سيدرس تقديم منحة مالية قدرها من 800 حتى 1200 يورو للكبار، وحوالي نصف المبلغ للأطفال للعودة الطوعية إلى بلادهم، كما ستحصل العائلات التي ستغادر دفعة واحدة على 500 يورو إضافي، كما تم تخصيص 40 مليون يورو من الأموال الفيدرالية في عام 2017 لتنفيذ البرنامج (*5). 

يذكر أن هذا البرنامج استطاع تحقيق نتائج ملموسة تمثلت في مغادرة نحو 12 ألف مهاجر، وفقًا لما أعلنته وزارة الداخلية الألمانية (*6). 
مهندسة سياسات الهجرة..
موقف أفريقيا
أعربت العديد من الدول الأفريقية عن رفضها المقترحات الأوروبية التي تجسدت ملامحها في القمة الأوروبية في أواخر يونيو 2018، وجاءت في مقدمة هذه الدول المغرب وتونس والجزائر وليبيا، كمنصات إنزال آمنة للمهاجرين؛ حيث عبر «ناصر بوريطة»، وزير الخارجية المغربي، عن رفض بلاده إقامة مراكز استقبال فيها بعيدًا عن الاتحاد الأوروبي، كما أشار «عبدالقادر مساهل»، وزير خارجية الجزائر، إلى أنه من المستبعد أن تفتح الجزائر مراكز لإيواء واستقبال المهاجرين على أراضيها.

ومن جانبها دعت تونس العواصم الأوروبية، لتنظيم عمليات الهجرة بدلًا من رفضهم وترحيلهم لبلدانهم، وفيما يتعلق بليبيا فتوافق موقفها الرافض مع باقي الدول، موضحة على لسان «أحمد معيتيق» رئيس المجلس الرئاسي الليبي، أنها تتفق مع أوروبا حول ما يتعلق بمسألة الهجرة، ولكنها لا يمكن أن تقيم مخيمات على أراضيها، وتوافقت المواقف الرافضة من قبل دول شمال أفريقيا حول ملف الهجرة، رغم أنهم يتلقون دعمًا من دول الاتحاد، خاصة فيما يتعلق بهذا الملف، نتيجة زيادة عدد التهديدات المتلاحقة التي تعصف بأمن واستقرار المنطقة (*7).
مهندسة سياسات الهجرة..
مرحلة الانكشاف السياسي
كشفت حالة الزخم السياسي الداخلي في «برلين»، عن عمق انقسامات السياسات التي أوجدتها حالة عدم التوافق في إدارة الملفات الشائكة؛ حيث يأتي في مقدمتها ملف الهجرة الذي كشف عن واقع الساسة الأوروبيين في التعاطي مع الأزمات. 

وفي هذا السياق، لا بد من توضيح نقطة مهمة، رغم من أن المهاجرين واللاجئين تزايدوا بشكل كبير، فإن بعض العواصم الأوروبية استطاعت دمجهم في داخل القطاع الصناعي واستفادت منهم، لكن زيادة تدفقات الهجرة غير النظامية، المصحوبة في بعض الأحيان ببعض الإرهابيين، دفعت الشعوب الأوروبية والحكومات إلى رفضهم، خوفًا من التداعيات الأمنية في المستقبل (*8).

ختامًا؛ تعاني العواصم الأوروبية من حالة عدم الاستقرار الداخلي، وتحاول المستشارة الألمانية احتواءها عبر إبرام عدد من الاتفاقيات الداخلية، والتنسيق مع دول الاتحاد الأوروبي لتفادي الانقسامات التي من شأنها الإضرار بالأمن والاستقرار الأوروبي.

ولذا من المتوقع أن تستمر حالة الانقسام؛ لأن الدول الأوروبية المطلة على الساحل الأوروبي ودول شمال أفريقيا، لن تقبل  بفكرة المنصات الآمنة رغم التعاون والتنسيق بينها؛ لما لها من تداعيات على المستويات كافة، إضافة إلى استمرار دعوات اليمين المتطرف الرافضة إدماجهم داخل المجتمع الأوروبي. 
المراجع: 
1. «أهم ما جاء في حزمة التحالف الحاكم حول طالبي اللجوء!» DW
2. «ربع المهاجرين بشكل غير قانوني وصلوا إلى ألمانيا عبر النمسا» DW 
3. «وزير داخلية ألمانيا يتراجع عن نيته الاستقالة بعد التفاهم مع ميركل بشأن المهاجرين»، روسيا اليوم
4. «تقرير: ألمانيا مسؤولة عن فشل إعادة طالبي لجوء إلى دول الاستقبال الأولى» DW
5. «حوالي 12 ألف مهاجر غادروا ألمانيا خلال عام مقابل مبالغ مالية» Arabic. Sputnik news 
6. «Tom Embury-Dennis، "German chancellor Angela Merkel secures asylum seeker return deals with 14 EU countries «172018، Independent. 
7. «اقتراح مراكز لجوء في دول شمال أفريقيا.. شراكة أم استعمار جديد؟» DW
8. «Nadine Schmidt and Judith Vonberg،" Germany's Merkel makes deal with interior minister on migration dispute «272018، CNN
"