يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«كورسيكا».. بوابة المتطرفين إلى أوروبا

الأربعاء 11/يوليو/2018 - 10:34 ص
المرجع
نهلة عبدالمنعم
طباعة
على جزيرة هادئة تُداعِب خيالك صور شواطئها الخلابة، تتشبع رمالها البيضاء بالكثير من الدم والصراعات والضحايا، فجزيرة «كورسيكا» الفرنسية، الواقعة على الأطراف الأوروبية للبحر المتوسط، لم تسلم بجمالها الخلاب من عنف وسطوة التشدد واضطراب النعرات.

لم يترك الإرهاب الجزيرة الخلابة على حالها، بل اتخذ منها حصنًا لإيواء عناصره، فبينما ينعم زوارها بصفاء مياهها، تمكن ضباط الشرطة في إدارة مكافحة الإرهاب، الإثنين 9 يوليو، من القبض على رجل في العقد الثالث من عمره، في بلدة «جيسونشيا» بالسهل الشرقي لـ«كورسيكا» يشتبه في صلته بأحد المتورطين في الحادث المتطرف الذي استهدف كنيسة «سانت اتيان» بضاحية «دو روفاري» شمال فرنسا في 26 يوليو 2016، وأسفر عن مصرع كاهن الكنيسة.

«كورسيكا».. بوابة
فيما أظهرت التحقيقات الأوليَّة أن المقبوض عليه مغربي الأصل ولد في 1987، وقُبِضَ عليه بعد وضعه تحت المراقبة، بناء على تحريات من مكتب المدعي العام لمكافحة الإرهاب، تفيد بتسلله إلى فرنسا، عن طريق الجزيرة الواقعة في البحر الأبيض، بالقرب من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والشمال العربي، إضافة إلى صلته بإرهابيين آخرين، نفذوا عملية «سانت اتيان» واللذين قُتلا حينها وهما، «عبد الملك بيتيجين» و«عادل كرميش»، وكان «كرميش» البالغ من العمر 19 عامًا، قيد المراقبة الأمنيَّة حينها، لمحاولته السفر إلى سوريا مرتين، للانضمام إلى تنظيم «داعش» الإرهابي، والأغرب أنه حين نفذ الجريمة كان يرتدي أسورة مراقبة إلكترونية.

كما ذكرت التقارير الأمنيَّة أيضًا، أن السلطات استطاعت القبض على آخر على علاقة وثيقة بـ«بيتيجين» وكان قد دفع له مبلغًا من المال، قبل ارتكابه الحادث، وتحديدًا في 14 من يوليو، وبعيدًا عن احتضانها للإرهابيين، أو كونها محطة عبور لهم من وإلى أوروبا، فقد شهدت «كورسيكا» نفسها في أبريل 2017، انفجارًا هائلًا في مكتب بنك «سوسيتيه جنرال» بمدينة «كورت».
المتطرفون - تعبيرية
المتطرفون - تعبيرية
أرض المتطرفين الخصبة 
لما كان الهدف الأولي من تتبع العمليات الإرهابية ومرتكبيها، هو البحث الجدي عن يوم مشرق يتوقف فيه التطرف والتشدد عن حصد أرواح الأبرياء، لزم التنويه إلى العوامل التي قد تؤدي بجزيرة كهذه لتكون محطة عبور للإرهاب.

فبالنظر إلى أيديولوجية سكانها وتاريخهم السياسي، تتجلى النعرة الطائفية والحركات الانفصاليَّة المتمثلة في «جبهة التحرير الوطنية لكورسيكا» المعروفة بـ«The National Liberation Front of Corsica» واختصارًا بـ«FLNC»، وهي جماعة متطرفة ظهرت في عام 1976 تدعو للانفصال عن فرنسا، وتكوين دولة مستقلة تكون اللغة الكورسيكية هي لغتها الرسمية.

ولم تنشأ هذه المجموعة كحركة تنادي بحق سياسي إنما كعصابة جريمة منظمة نفذت العديد من التفجيرات بالمباني العامة والعسكرية في الجزيرة وخارجها كمدن مرسيليا، ونيس، وافينيون، وهذا يقودنا للعلاقة الوثيقة التي تربط العصابات الإجرامية بالجماعات الإرهابية، وهو ما يفسر تشكيل الجزيرة لنقطة عبور مهمة للإرهابيين، عن طريق عمليات التهريب التي تؤكد الحوادث الدامية لجماعة التحرير وجودها من خلال السلاح والمتفجرات. 

وقد تبدو العلاقة على سريتها واضحة بجلاء، وذلك من مبدأ الإنكار والاستنكار الدائم الذي تعلنه الحركة الانفصالية، للأفعال الداعشية؛ حيث سبق وكونت الجماعة جناحًا مسلحًا في 2016 بررت وجوده بمهاجمة عناصر «داعش» إذا ما وجدت بالجزيرة، وهو تبرير غير منطقى لأن الدولة الفرنسية لديها ما يكفيها من الإمكانات الأمنيَّة، وذلك إلى جانب المزيد من التصرفات العنصرية للحركة مثل حرق المصاحف ومهاجمة مناطق الصلاة للمسلمين، ادعاءً بالانتقام من عمليات «داعش» بفرنسا ولكنها في حقيقة الأمر إرهاب.
مجلس الشيوخ الأمريكي
مجلس الشيوخ الأمريكي
وصحيح أن الحركة أعلنت تخليها عن الكفاح المسلح في 2016، لكن يبدو أنه أمر تحايلي لا غير، فاستنادًا إلى الحوادث التاريخية والشواهد، يمنح الوجود الانفصالي ونعراته، تربة خصبة لاجتذاب العناصر الإرهابية، ولنا في «كتالونيا» مثالٌ صادمٌ، فنداؤها بالانفصال أفرز العديد من المتطرفين.

وفي ورقة بحثية قدمتها لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، أكدت أن حركات التمرد وعصابات المخدرات، يرسمان اتجاه ونشاط الإرهاب الدولي، وذلك عن طريق احتياجهم لبعضهم البعض، واستخدامهم للآليات نفسها في شراء الأسلحة وتهريبها، واستئجار المركبات والمخابئ وغيرها، وطبقًا للدراسة يرتبط الإرهاب الراديكالي بشكل وثيق بالحركات المسلحة القومية، والتسهيلات التي تقدمها للمتطرفين من خلال طرق التهريب والتمويل.
"