يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

هل تجبر التحديات الاقتصادية في أوروبا أوكرانيا على قبول اتفاق سلام سيء مع روسيا؟

السبت 02/يوليو/2022 - 08:25 م
المرجع
محمود البتاكوشي
طباعة
حالة من الفزع يعيشها العالم بوجه عام؛ وأوروبا بصفة خاصة، من حدوث أزمة اقتصادية كبرى في ظل الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، إذ تعتبر الدولتان مصدرين رئيسيين للعديد من السلع الأساسية، ويلقي الغرب باللائمة على موسكو معتبرًا أنها تمنع الصادرات الأوكرانية. 

العقوبات الأمريكية والأوروبية ضد روسيا، أشعلت أسعار السلع الغذائية والأسمدة في كل العالم، وبات الحفاظ على أسعار معتدلة للسلع الغذائية عبئًا ثقيلًا على الموازنات العامة للدول التي تدعم السلع الأساسية الموجهة للفقراء والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى. 

كما أدت العقوبات الأمريكية والأوروبية المتعلقة بحظر استيراد النفط الروسي كليًّا والحظر الجزئي على استيراد الغاز الروسي إلى ارتفاعات قياسية في أسعار الغاز، وإلى توجه سعر النفط إلى مستويات بالغة الارتفاع تقترب من أعلى مستوى بلغه من قبل، مما غذى تضخمًا عالميًّا تعاني منه بصورة أكثر حدة الدول المستوردة للنفط والغاز والدول الفقيرة.

يذكر أن أوروبا بادرت باستخدام النفط والغاز سياسيًّا لمعاقبة روسيا بحرمانها من إيرادات صادراتها الضخمة من النفط والغاز رغم أن الأخيرة لم تستخدم تلك الصادرات بصورة سياسية مطلقًا وأبقتها شأنًا تجاريًّا منذ زمن الاتحاد السوفييتي، لكن السحر الغربي انقلب على الساحر وتعرضت اقتصادات أوروبا والولايات المتحدة وشعوبها لمعاناة بسبب العقوبات ضد روسيا بأكثر من معاناة روسيا نفسها. 

ولأن الطاقة المولدة من النفط والغاز تعتبر مكونًا أساسيًّا في كل السلع فإن ارتفاع أسعارها بعد العقوبات الأمريكية والأوروبية في مجال النفط والغاز ضد روسيا أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم في أوروبا والولايات المتحدة والعالم عمومًا وهو ما يضيف المزيد من عوامل المعاناة للفقراء في مختلف بلدان العالم وبخاصة تلك المستوردة للنفط والغاز. 

وفاقم من هذا الأمر في أوروبا بالذات رفضها سداد قيمة وارداتها من الغاز الروسي بالروبل، مما أدى إلى قطع إمدادات الغاز الروسي عن العديد من دولها، بينما تراجعت دول وشركات أخرى ورضخت للمطلب الروسي العادل بسداد ثمن وارداتها بالروبل.

 ورغم أن كل بدائل الغاز الروسي لا تستطيع تلبية الطلب الأوروبي منه، لكن كل تلك البدائل تتمثل في الغاز المسال الذي لن يقل سعره عن 4 أمثال سعر الغاز الروسي الذي كان يتدفق في صورته الغازية عبر الأنابيب، ولن يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن أوروبا ستتحمل وتُحمل مواطنيها تكاليف كبيرة أخرى تتعلق بإنشاء محطات لتحويل الغاز من صورته السائلة إلى الصورة الغازية.

 وكل تلك الارتفاعات في أسعار الطاقة في أوروبا ترفع من تكاليف الإنتاج، وتضر بقدرة الاقتصادات الأوروبية على المنافسة في الأسواق الدولية لصالح كل الدول التي تحصل على الغاز في صورته الغازية بأسعار تقل عن ربع أسعار الغاز المسال، الذي تسعى أوروبا لاستيراده كبديل للغاز الروسي.

لقد جَرَّت العقوبات المفروضة ضد روسيا من أوروبا الاقتصاد العالمي إلى التضخم، حسب صندوق النقد الدولي الذي يشير إلى تراجع نمو الناتج العالمي من 6.1% عام 2021 إلى 3.6% عام 2022، وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي للتضخم إلى أنه سيرتفع في الدول النامية من 5,9% عام 2021 إلى 8,7% عام 2022، وفي الدول المتقدمة من 2,9% عام 2021 إلى 4,4% عام 2022 هي تقديرات تجاوزها الواقع.

 والتضخم في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية يتراوح بين 7,5% و 8,5% حاليًا، ويمكن أن يرتفع عن هذا المستوى لو استمرت الحرب في أوكرانيا لفترة أطول كما تريد الولايات المتحدة وأوروبا لاستنزاف روسيا.

وبناء على ما سبق من الممكن أن تدفع الأزمة الاقتصادية إلى قيام القارة العجوز بالضغط على أوكرانيا لقبول التسوية مع روسيا ووقف اطلاق النار مقابل التنازل والتخلي عن بعض أراضيها مقابل سلام افتراضي كما يقول كير جايلز، الخبير الروسي في مركز أبحاث تشاتام هاوس، وهذا الطرح يجد رواجًا كبيرًا في باريس وبرلين وروما ومفادها: لا حاجة لإطالة أمد الحرب، حان الوقت لوضع حد للآلام الاقتصادية العالمية، دعونا نضغط من أجل التوصل إلى وقف إطلاق النار.

ويتسق ذلك مع ما صرح به مؤخرًا بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني قائلًا إنه يخشى أن تواجه أوكرانيا ضغوطًا للموافقة على اتفاق سلام سيئ مع روسيا، بسبب التداعيات الاقتصادية للحرب في أوروبا.

وأضاف لمحطات إذاعية في العاصمة الرواندية كيجالي حيث يحضر قمة الكومنولث: تقول دول كثيرة إن هذه الحرب الأوروبية غير ضرورية، وبالتالي فإن الضغط سيزداد لتشجيع أو لإجبار الأوكرانيين على اتفاق سلام سيء.

يذكر أنه كان من الممكن أن تنتهي الحرب سريعًا بخسائر بشرية ومادية أقل، لكن الدعم التسليحي الغربي الهائل لأوكرانيا يطيل أمد الصراع ويؤدي لتدمير أوكرانيا واستنزاف روسيا دون أن يكون له تأثير على نتيجته المحسومة على الأرجح بتحقيق الأهداف الروسية.

"