يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

لعبة المصالح.. مكاسب وأهداف تركيا من محاولات الوساطة بين روسيا وأكرانيا

الثلاثاء 01/مارس/2022 - 02:18 م
المرجع
محمود البتاكوشي
طباعة
تسعى تركيا جاهدة للوساطة بين روسيا وأوكرانيا، لوقف الحرب بينهما والعمل على تقريب وجهات النظر، إذ ترتبط بعلاقات سياسية واقتصادية وثيقة مع كلا البلدين، كما أنها تجدها فرصة ذهبية لتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي الناتو، عبر التأكيد على محورية دورها بالنسبة للأمن الأوروبي وأهمية موقعها في استراتيجية الولايات المتحدة وحلف الناتو لاحتواء روسيا، خاصة بعد التقارب الشديد الذي حدث بينهم على مدار السنوات العشر الماضية، لدرجة أن علاقة أنقرة بالناتو توترت وطالبت دول الحلف بطردها، بسبب تناقض سياساتها.
لعبة المصالح.. مكاسب
لعبة المصالح

النظام التركي يحاول استغلال موقعه الاستراتيجي إذ تتحكم في حركة المرور من وإلى البحر الأسود، الذي تشترك في حدوده مع روسيا، عبر مضيقي الدردنيل والبوسفور، حيث تسمح تركيا للسفن التابعة للناتو بالمرور إلى البحر الأسود، وتتحكم في مضيق البوسفور الذي يعد نقطة المرور الرئيسية لروسيا نحو البحر المتوسط، وكانت تركيا تعتبر خط الدفاع الأول لأوروبا أمام الأطماع الروسية.

لهذه الأسباب ترى أنقرة أن دعمها لأوكرانيا يؤدي بلا شك لتحسين علاقاتها بالولايات المتحدة وحل خلافاتها معها، والتي يأتي على رأسها استبعاد تركيا من برنامج مقاتلات إف 35 لاقتنائها منظومة إس 400 الدفاعية الروسية، حتى تتمكن من إتمام صفقة لشراء 40 مقاتلة أمريكية جديدة من طراز إف 16، مقابل 1.4 مليار دولار، لمواجهة الخطر المتزايد في البحر الأسود من جانب روسيا.

كما تحاول تركيا تعزيز علاقتها مع كييف لتكون مخلب قط على الحدود مع روسيا، إذ تتمتع بعلاقات استراتيجية وثيقة مع أوكرانيا على جميع الأصعدة حيث اتفق البلدان في عام 2011 على تأسيس المجلس الاستراتيجي رفيع المستوى، وتمت ترقية العلاقات بي البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، كما بلغ حجم التجارة بين البلدين 7.4 مليار دولار عام 2021، وتخطط الدولتان لرفع حجم التبادل التجاري بينهما إلى 10 مليارات دولار.

كما تعد أوكرانيا من أبرز مستوردي الطائرات المُسيّرة التركية وتشترك أيضًا في إنتاجها، فبجانب تصنيع طائرات بيرقدار على الأراضي الأوكرانية، تنتج أوكرانيا محركات بعض الطائرات المُسيّرة التركية مثل آقنجي، عبر  شركة مشتركة اسمها Black Sea Shield متخصصة في الصناعات الجوية، من أجل تصميم وتطوير أجيال جديدة من الطائرات المُسيّرة بعيدة المدى، بالإضافة لتصنيع صواريخ وأنظمة رادار وتوجيه.

وتقوم شركات أوكرانية بتزويد تركيا بمحركات لمروحيتها القتالية ATAK-2، فضلًا عن وضع هيكل أول فرقاطة أوكرانية حديثة يتم بناؤها في تركيا.
لعبة المصالح.. مكاسب
موقف صعب

وفي الوقت نفسه تحاول تركيا إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا في أقرب وقت حتى لا تجبرها الظروف على الانحياز إلى أحد الطرفين، والذي سيكون بالتبعية لأوكرانيا وحلفائها الغربيين باعتبارها عضوًا في حلف الناتو، مما يؤدي إلى انهيار علاقاتها المتنامية مع روسيا على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، لذا لم تعلن أنقرة علنًا الطرف الذي تدعمه في النزاع الحالي بين موسكو وكييف، لكن يمكن للجانب الروسي والدول الغربية دفعها لاحقًا، من خلال تكتيكاتٍ دبلوماسية، لاتخاذ موقفٍ أكثر صرامة ووضوحًا، خاصة أنها كانت تبيع السلاح لأوكرانيا، وبالتالي هذه العملية الروسية باتت تشكل تعقيدًا بالنسبة للعلاقات الخارجية التركية.

الأزمة الكبيرة التي قد تواجه تركيا تكمن في تحديد موقفها من العقوبات الغربية على موسكو، فهي تشترك معها بمصالح اقتصادية أبرزها في مجالات الطاقة، وهو ما يصعّب من خياراتها في الوقوف إما إلى جانب موسكو أو كييف والغرب، خاصة أن الجانب الروسي يعد أكبر مزوّدٍ للطاقة بالنسبة لتركيا التي تعتمد أيضًا في قطاع السياحة إلى حدٍّ كبير على السيّاح الروس والأوكرانيين، علاوة على وجود ملفات خارجية مشتركة بين موسكو وأنقرة بينها الأزمة السورية والليبية ومسائل الطاقة المتوسطية.

يذكر أن تركيا تمتاز بصلاتٍ وثيقة مع روسيا وأوكرانيا في آنٍ واحد، فإلى جانب علاقاتها الدبلوماسية مع كلا البلدين، لدى أنقرة مصالح اقتصادية مشتركة مع موسكو وكييف أبرزها في مجالات الطاقة والمواد الغذائية أيضًا، ففي العام الماضي استوردت أنقرة 80% من حاجتها من القمح من روسيا وأوكرانيا.

كما أن تركيا تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي لسد احتياجاتها من الطاقة، ويزورها عدد كبير من السياح الروس سنويًّا، وتعتبر روسيا سوقًا مهمًا للمنتجات الزراعية التركية، كما قامت أنقرة بشراء نظام الدفاع الروسي إس 400، فضلًا عن التأثيرات السلبية على علاقاتها بروسيا في مناطق الصراع في الشرق الأوسط قد لا تستطيع تحمل تكلفته.
"