يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

بمجابهة القوى العظمى.. أحداث سبتمبر دفعت أمريكا لمنافسة الصين اقتصاديًّا

السبت 11/سبتمبر/2021 - 05:46 م
المرجع
مصطفى كامل
طباعة

على الرغم من مرور عقدين على أحداث 11 سبتمبر، تغيرت الاستراتيجية الأمريكية نحو دول العالم، حيث بدأت في البحث عن ملء الفراغ الذي تسبب فيه انهيار الاتحاد السوفييتي، ودخلت في حروب أتعبتها عسكريًّا واستنزفتها ماليًّا وسياسيًّا، بحيث هبت من جديد رياح الانعزالية في الداخل، وضعفت قبضة أمريكا في الخارج، وصعدت قوى جديدة لمجابهتها اقتصاديًّا، إذ سعت إلى منافسة القوى العظمى مرة أخرى، والتي جاءت عقب الصعود الاقتصادي الكبير للصين.


بمجابهة القوى العظمى..

أحداث سبتمبر


في مساء 11 سبتمبر 2001، وتحديدًا يوم الثلاثاء، ضربت طائرتان البرجين التوأمين لمركز التجارة العالمي في نيويورك، إذ اصطدمت الطائرة الأولى بالبرج الشمالي، أما الثانية فقد اصطدمت بالبرج الجنوبي، واندلعت النيران في المبنى، وحاصرت الناس في الطوابق العليا وغرقت المدينة بالدخان، وبعد مرور أقل من ساعتين انهار كلا البرجين المكونين من 110 طوابق متسببين بسحابة ضخمة من الغبار.


فيما دمرت الطائرة الثالثة الواجهة الغربية لمبنى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) العملاق الواقع خارج العاصمة واشنطن، وتحطمت الطائرة الرابعة في حقل في ولاية بنسلفانيا بعد أن قاوم الركاب الخاطفين وسيطروا عليهم. يُعتقد أن الخاطفين كانوا يعتزمون استخدام الطائرة في مهاجمة مبنى الكابيتول (مقر مجلسي النواب والشيوخ) في واشنطن العاصمة.

بمجابهة القوى العظمى..

ملء الفراغ


بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 الإرهابية، حاولت إدارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش ملء الفراغ الذي سببه انهيار الاتحاد السوفيتي، باستراتيجية سمتها «الحرب العالمية على الإرهاب»، أدت إلى حروب طويلة الأمد بقيادة الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، ومنذ 2017 عادت الولايات المتحدة إلى منافسة القوى العظمى، وهذه المرة كانت المنافسة قوية مع الصين التي ظهرت خلال العقد الأخير كقوة عظمى في الاقتصاد الدولي تناطح به دول العالم وعلى رأس تلك الدول الولايات المتحدة.


على الرغم من رفع الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش «الابن» شعار «المحافظة الرحوم» فور اعتلائه الرئاسة الأمريكية وأراد أن يكون رئيسًا داخليًّا، لكن أحداث سبتمبر فاجأته وبدلت مساره ومسار أمريكا والعالم، إذ كان المحافظون الجدد في الإدارة الأمريكية مؤدلجين يريدون تغيير العالم، فكانت الأحداث هي الفرصة التي انتظروها والتي أعادت الولايات المتحدة من إجازة من التاريخ على حد تعبيرهم، حيث كانت الترجمة الفعلية لهذه الأمور هي البداية بغزو أفغانستان، تلتها بعد ذلك غزو العراق، وسط مطالبة الأكثر تشددًا بين المحافظين الجدد بإسقاط الأنظمة في ست دول عربية.


وبات المستفيد الأكبر من الحرب التي شنها «بوش» إيران، فالغزو الأمريكي أسقط نظامين معاديين لطهران في أفغانستان والعراق، إذ باتت الحرب لإيران ضربة حظ حققت للجمهورية الإسلامية ما جاء في قصيدة لشاعر فارسي قديم: «اضرب رأس الأفعى بيد عدوك»، فالعراق اليوم واقع تحت الهيمنة الإيرانية، وأفغانستان بعد مرور عقدين من الزمن على الغزو استعادتها حركة طالبان بالقوة والتفاوض مع أمريكا.

بمجابهة القوى العظمى..

متغيرات عالمية


خلال هذا المسار الأمريكي جرت متغيرات مهمة في العالم، أولها استعادة روسيا دور القوة العظمى الدولية، بعدما وضعها أوباما في إطار قوة إقليمية، إذ تحدّت أمريكا والحلف الأطلسي بالقتال في جورجيا ودعم انفصال أبخازيا وأوسيتيا، وضم شبه جزيرة القرم، ثم الدخول العسكري في حرب سوريا بما أحدث تحولاً في الوضع، وثانيها صعود الصين إلى مرتبة القوة العظمى الاقتصادية الثانية بعد أمريكا وبداية لعب دور عالمي واسع عبر مشروع حزام واحد، طريق واحد؛ وفي الآخير صعود قوى إقليمية بعضها ديمقراطي مثل الهند، وبعضها الآخر ثيوقراطي مثل الجمهورية الإسلامية في إيران التي تفاخر بأنها تحكم أربع عواصم عربية، وترى نفسها قائدة العالم ضد أمريكا، بحسب المرشد الأعلى علي خامنئي.


ويؤكد مراقبون، أن حروب بوش الابن، أتعبت أمريكا عسكريًّا واستنزفتها ماليًّا وسياسيًّا، بحيث هبت من جديد رياح الانعزالية في الداخل، وضعفت قبضة أمريكا في الخارج، وهذا كان من العوامل المهمة التي دفعت مراكز القوى الأمريكية إلى دعم المرشح الديمقراطي للرئاسة باراك أوباما المولود لأب كيني أسود وأم أمريكية بيضاء، ولم يتأخر أوباما منذ وصوله إلى البيت الأبيض في الترتيب الاستراتيجي لضمان الهبوط الناعم لأمريكا، حيث أوحى أن الاقتصاد همه الأول، قائلاً: «إن أمريكا ليست شرطي العالم»، منوهين إلى أن أوباما وضع مكافحة التطرف العنيف مكان الحرب الكونية على الإرهاب، وسحب القوات الأمريكية من العراق، بحيث ظهر تنظيم «داعش» وتوسع معلنًا ما سماه بـ«دولة الخلافة» في أجزاء واسعة من العراق وسوريا.


بينما كان وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة ليس سوى نتاج هذه الظروف والتحولات التي شهدتها الولايات المتحدة، حيث رفع شعار «أمريكا أولًا»، وفتح النار على مؤسسات النظام الليبرالي العالمي الذي صنعته أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، ودخل في مواجهة مع كل من روسيا والصين، ولم يوفر حلفاء أمريكا في أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية من الهجمات، وعمد إلى  الضغط الأقصى على إيران ضمن سياسة ما يسمى بـ«كبح النفوذ الإيراني» بعد الانسحاب من الاتفاق النووي.

جوزيف صموئيل ناي
جوزيف صموئيل ناي

منافسة القوى العظمى


وخلال تقرير لأستاذ العلوم السياسية «جوزيف صموئيل ناي» عميد سابق لمدرسة جون كينيدي الحكومية في جامعة هارفارد ومؤسس مركز الدراسات الليبرالية الجديدة في العلاقات الدولية، يؤكد أنه في الوقت الذي كان ولا يزال الإرهاب يمثل للولايات المتحدة ودول العالم مشكلة مستمرة، أوجب على الولايات المتحدة التعامل معه بشكل جدي، فإنه يشكل تهديدًا أقل من القوى العظمى المتنافسة، إذ حاولت إدارة الرئيس باراك أوباما التحول إلى آسيا - الجزء الأسرع نموًا في الاقتصاد العالمي - أبقى إرث الحرب العالمية على الإرهاب الولايات المتحدة غارقة في الشرق الأوسط، حيث يمكن لاستراتيجية المنافسة بين القوى العظمى أن تساعد أمريكا على إعادة التركيز؛ لكنَّ لديها مشكلتين، أحدهما أن تجمع معًا أنواعًا مختلفة جدًا من الحالات، حيث تشهد روسيا اليوم تدهورًا ديموجرافيًّا واقتصاديًّا، لكنها تحتفظ بموارد هائلة يمكنها توظيفها كمفسد في كل شيء بدءًا من الحد من الأسلحة النووية والصراع السيبراني إلى الشرق الأوسط. لذلك تحتاج الولايات المتحدة إلى استراتيجية روسية لا تلقي بتلك الدولة في أحضان الصين، والمشكلة الثانية هي أن مفهوم التنافس بين القوى العظمى يوفر تنبيهًا غير كافٍ لنوع جديد من التهديد الذي نواجهه.


ويؤكد أستاذ العلوم السياسية، أنه بالرغم من ذلك، فإن الاستراتيجية الحالية للولايات المتحدة تؤدي إلى ميزانية البنتاجون التي تزيد على 100 مرة من ميزانية المراكز الأمريكية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها، و25 ضعفًا لميزانية المعاهد الوطنية للصحة، حيث دعا وزير الخزانة الأمريكي السابق «لورانس سمرز» وغيره من الاقتصاديين مؤخرًا إلى إنشاء صندوق عالمي للتهديدات الصحية العالمية بقيمة 10 مليارات دولار، وهو ضئيل للغاية مقارنة بـ 10 تريليونات دولار التي تكبدتها الحكومات بالفعل في أزمة كورونا.

 

للمزيد: بعد 20 عامًا.. هل طوت واشنطن صفحة 11 سبتمبر بانسحابها من أفغانستان؟


"