يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

قتال العدو القريب.. مستقبل علاقة طالبان والجماعات الجهادية العالمية

السبت 31/يوليه/2021 - 01:55 م
المرجع
محمد يسري
طباعة

لم يكن من السهل تقبل فكرة تعهدات حركة طالبان بضبط الحركات والجماعات الجهادية في أفغانستان، أو في منطقة وسط آسيا والقوقاز، المشتعلة بالصراعات بين الشرق والغرب، خاصة بين الولايات المتحدة الأمريكية وكل من روسيا وإيران والصين، فالظاهر من اتفاق الدوحة في 2020م، بين أمريكا وقيادات الحركة هو تعهد طالبان بالسيطرة على الحركات والجماعات النشطة في المنطقة وترشيد نشاطها إلى حركات أقل شراسة، أو كيانات سياسية يمكن السيطرة عليها، إلا أن هذا الهدف يخفي خلفه توجهًا آخر، وهو تحول تركيز الجماعات النشطة، من قتال «العدو البعيد» المتمثل في القوات الأجنبية، الأمريكية والأطلسية، إلى قتال القوات الحكومية المحلية، ليس في أفغانستان وحدها ولكن في دول المنطقة المشتعلة وهو ما يعني خلق مشكلات مستقبلية في المنطقة الأسيوية.

قتال العدو القريب..

علاقة الحركة بالجماعات الأخرى


ظلت حركة طالبان على مدى السنوات الماضية توفر ملاذات آمنة للجماعات الجهادية الراديكالية ليس في المنطقة وحدها، بل امتد تأثيرها على الحركات الأوسع انتشارًا في العالم كتنظيم القاعدة، وتنظيم داعش؛ وبدا ذلك التأثير واضحًا منذ صعودها وهيمنتها على الأراضي الأفغانية.


فمن علامة القوة التي ظهرت على الحركة  أيضًا، تمكنها من الهيمنة على واحدة من أكبر التنظيمات الجهادية، وعلى رأسها تنظيم القاعدة الأم الذي تعتبر طالبان- إلى حد كبير- الوريث الشرعي له في أفغانستان، وبالفعل فقد بايع أيمن الظواهري أمير القاعدة، الملا أختر منصور، الذي تولى قيادة الحركة الأفغانية بعد وفاة الملا عمر، في تسجيل مرئي نشرته شبكة سحاب لسان حال التنظيم في أغسطس 2015م، قال فيه: «بوصفي أميرًا لجماعة قاعدة الجهاد، أتقدم إليكم ببيعتنا لكم، مجددًا نهج الشيخ أسامة (بن لادن) وإخوانه الشهداء الأبرار في بيعتهم لأمير المؤمنين الملا محمد عمر».


وفي الثامن من مايو 2019 أعلن تنظيم القاعدة في أفغانستان أنه يعمل تحت راية الحركة منذ فترة طويلة. ونشرت مؤسسة السحاب الإعلامية أحد الأذرع الإعلامية لتنظيم القاعدة في ذلك الوقت فيديو بعنوان «تحت ظلال الإمارة الإسلامية». وأكد فيه أن مقاتلي التنظيم، يعملون طوال الوقت جنبًا إلى جنب مع حركة طالبان، موضحًا أنهم ينفذون عملياتهم المشتركة وهدفهم إحياء الإمارة الإسلامية في أفغانستان مرة أخرى.

قتال العدو القريب..

تنظيم داعش


ففي يونيه 2015 وجه الملا أختر محمد منصور نائب زعيم الحركة خطابًا لإبي بكر البغدادي زعيم تنظيم داعش السابق، نشرته مجلة «الصمود» التابعة للحركة، حثته فيه على الكف عمّا وصفته بـ«شق صفوف المجاهدين» في أفغانستان، وأوضح في خطابه أن حركة طالبان كانت «قد قضت حتى الآن على جميع مؤامرات الاختلاف والتفرّق بوحدة صفها، فإن تُبذل الآن المساعي لإيجاد صف جهادي آخر، أو لإيجاد قيادة أخرى رغم وجود صف الحركة المرصوص وقيادتها المحنكة، فإنه سيكون جُهدًا متعّمدًا لتهيئة الأرضية لزرع فتن الاختلاف والتفرق».


واشترط الخطاب، على البغدادي أن تكون جميع : «الفعّاليات الجهادية في أفغانستان تحت قيادتها فقط».


وقال في البند الأول؛ من تسعة بنود حددت شروط طالبان للعمل ضمن التنظيمات الجهادية في أفغانستان، وشدد الخطاب على أن «قيادة الإمارة الإسلامية (طالبان) قد عُينت بانتخاب شرعي وبمبايعة 1500 عالم شرعي شورى أهل الحل والعقد، وقام بتأييد هذه الإمارة الشرعية عدد من علماء وفقهاء العالم الإسلامي وقادة المجاهدين، منهم "الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي، والشيخ أبوعبدالله أسامة بن لادن وكان قد بايعها، وإنّ الإمارة الإسلامية ما زالت ثابتة على موقفها الإسلامي لم تتغير ولم تتبدل، وإن أهل السنة والجماعة من جميع العالم يؤيدونها ويتعاطفون معها وينافحون عنها، فنظرًا لهذا الوضع لا ضرورة شرعًا ولا عقلًا لإيجاد صفٍ موازٍ جديد في أفغانستان».


وأضاف في البند الثاني: «الإمارة الإسلامية ترى جميع مصالحها الشرعية والدنيوية في وحدة الصف، وتعتبر الفعاليات تحت مسمّيات ورايات أخرى فيه ضرر للإسلام والمسلمين ومصالح الجهاد».

قتال العدو القريب..

نتائج متوقعة


إن هيمنة حركة طالبان بهذه الصورة على فصيلين من أكبر الجماعات الجهادية العالمية كالقاعدة وتنظيم داعش، من شأنه أن يكون لها مخرجان رئيسيان، وهما:


الأول: تحول الجهادية العالمية؛ خاصة في هذه المنطقة من العالم من قتال العدو البعيد المتمثل في القوات الأجنبية إلى الاكتفاء بقتال "العدو القريب" المتمثل في الحكومات المحلية فلم تعد أولوياتها تقوم على النكاية والانتقام من الحكومات الخارجية، كما يحدث الآن بين حركة طالبان التي تمكنت من السيطرة على مناطق واسعة من الأراضي الأفغانية في قتالها مع القوات المحلية والتي اشتدت ضراوتها منذ بدء تطبيق أهم بنود مخرجات اتفاق الدوحة بين الولايات المتحدة وقيادات الحركة في مايو 2021م، بانسحاب القوات الأجنبية من البلاد.


الثاني: كما يمكن أن يسفر أيضًا عن انشقاق الرافضين لهذا التوجه من الحركة والانضمام إلى جماعات جهادية أخرى منافسة أو ظهور جماعات جديدة في المستقبل، باعتبار أن هذا التحول بمثابة "تنازل عن المبادئ"؛ بل إن هذه الخلافات قد تؤدي إلى اندلاع مواجهات دموية داخل الحركة نفسها.

الموقف الإقليمي


التزمت حركة طالبان، وفقًا لاتفاق الدوحة بعدم السماح باستخدام الأراضي الأفغانية ضد الولايات المتحدة وحلفائها، حسب المتحدث باسم الحركة سهيل شاهين: «نحن ملتزمون عدم السماح لأي شخص باستخدام الأراضي الأفغانية ضد الولايات المتحدة أو حلفائها», وهو ما يخلق مشكلات حتمية لمنافسي هذا التحالف، مثل روسيا والصين والهند وإيران، فعدم السماح باستخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات ضد أمريكا أو حلفائها، لا يعني عدم دعم هذه العمليات خارج الأراضي الأفغانية عن طريق توفير ملاذات آمنة لهذه الحركات على أراضيها في مجالات التدريب والتخطيط، ثم إعادة تصديرها إلى الخارج مرة أخرى.

"