يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

بعيدًا عن المواجهات الأمنية.. التعليم وزيادة الوعي المجتمعي يحاربان الإرهاب

الخميس 14/أكتوبر/2021 - 07:53 م
المرجع
محمد عبدالغفار
طباعة

شهد العالم خلال الفترة الماضية العديد من الهجمات الإرهابية، إما بصورة منظمة كما يفعل تنظيم داعش الإرهابي في العراق وسوريا أو في الدول الأفريقية مثلًا، وإما بصورة منفردة كما يفعل الذئاب المنفردة في أوروبا، وهو ما يطرح تساؤلًا حول الدوافع التي تحرك هؤلاء الأفراد سواء عملوا بصورة فردية أو جماعية، خصوصًا أن بعضهم درس في جامعات ودول متقدمة، وتلقى تعليمًا عاليًا في كليات ذات جودة مرتفعة، فكيف يمكن لتنظيم إرهابي أن ينجح في غسيل عقولهم.


ورغم أن المواجهات العسكرية المسلحة تُعد من الأمور الأساسية التي يجب القيام بها لمواجهة التنظيمات الإرهابية، وهو ما يدفع الدول التي تتعرض إلى هجمات إرهابية إلى تشديد قبضتها، وزيادة كفاءة قواتها الأمنية والاستخباراتية، ووفقًا للبيانات الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية، فقد أنفقت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية ما بين عامي 2001 إلى العام 2017 نحو 1.78 تريليون دولار أمريكي؛ بهدف محاربة الإرهاب، ذهب السواد الأعظم منها إلى العمليات والتدابير الأمنية فقط، دون التركيز على أي عنصر آخر.


إلا أن هذه المواجهة ليست كافية، حيث يجب التركيز بصورة كبيرة وأساسية على التعليم والثقافة والفكر، والأنظمة التعليمية القائمة في الدول سواء كانت في الغرب أو الشرق، بهدف التأكد من أن هذه المواد تشكل حصنًا كبيرًا لدى الشباب يمنعهم من الانزلاق في براثن هذه الجماعات الإرهابية، فعلي الرغم من ارتفاع إنفاق الاتحاد الأوروبي من 5.7 مليون يورو لمواجهة الإرهاب في عام 2002 إلى عام 93.5 مليون يورو في عام 2009 إلا أن هذا لم يمنع ظهور الذئاب المنفردة من بين شبابها.


مواجهة الإرهاب

يمكن النظر إلى التعليم باعتباره بيئة حاضنة لزراعة احترام التنوع البشري، والتأكيد على مبادئ المواطنة وحب الآخر والتعاون لدى الأطفال منذ مراحل التعليم الأساسي حتى المراحل الجامعية والدراسات ما بعد الجامعية، وهو ما يشكل حاجزًا وقائيًّا لدى الشباب لمنع وإبطال عمليات غسيل العقول التي تقوم بها الجماعات الإرهابية خلال محاولاتهم التسلل إلى مجتمعات الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية.


كما يمكن عقد اتفاقيات متبادلة ما بين الجهات المسؤولة عن التعليم في الدول المختلفة ومنظمة اليونسكو، وهو وكالة تابعة للأمم المتحدة، مختصة بالتربية والتعليم، وتهتم اليونسكو بتعزيز أنظمة التعليم الوطنية مع دمجها مع التحديات العالمية المعاصرة، وتعتبر التعليم من حقوق الإنسان الأساسية التي ترسي القواعد اللازمة لبناء السلام بين الشعوب، ووضع خطط قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، وهو ما يجعل استجابات الطلاب لها سريعة المفعول.


دور «اليونسكو» والتعليم

وضعت اليونسكو خطة عالمية للتعليم، أو ما يعرف باسم أجندة التعليم 2030، والتي ركز الهدف الرابع بها على أن التعليم أداة أساسية تساهم في منع التطرف، من خلال مساعدة الدول المختلفة على تنفيذ برامج تعليمية تساهم في بناء مناعة قوية للشباب تجاه الرسائل الإرهابية، وتعزز من قيم الهوية والانتماء لديهم.


بالإضافة إلى تعزيز الائتلافات العالمية عبر شبكة الإنترنت لمنع التنظيمات الإرهابية من استخدامه في جذب الشباب لأفكارهم، وهدفت اليونسكو من وراء ذلك إلى بناء علاقات قوية مع الجهات الفاعلة على الإنترنت مثل الشباب والباحثين والمواقع الإعلامية وصانعي السياسات، ويمكن القيام بذلك، وفقًا لليونسكو، من خلال تطوير خطابات بديلة للمحتوى المتطرف على الإنترنت، ومحاربة خطاب الكراهية على الإنترنت، وتعزيز حماية حرية التعبير والخصوصية والحريات الأساسية الأخرى التي يحتاج إليها الإنسان وتعتبر جزءًا من حقوقه الأساسية.


كما ركزت أجندة التعليم في اليونسكو على تكريس التنوع الثقافي، وذلك من خلال إشراك الشباب في عمليات حماية التراث، والترويج للتنوع الثقافي داخل الدول وتقبل الآخر بصورة سلمية، وذلك عن طريق حملات وبرامج تعليمية تعزز من هذه القيم وتساهم في انتشارها بين صفوف الشباب.


    العمل المجتمعي

قد يتوهم البعض أن العمل العسكري هو السبيل الوحيد لمواجهة الإرهاب، إلا أن التعليم يمكن أن يلعب دورًا حاسمًا وحيويًا في هذا الأمر، وذلك من خلال إصلاح بيئة المدرسة، باعتبارها بوتقة التعليم الأساسية، وذلك عن طريق توسيع نطاق النشاطات، وتحسين مناخ الدراسة ونشاط طلابها، وهو ما يتطلب عملًا مجتمعيًّا وتعاونيًّا، لأن بيئة المدرسة يمكن أن تؤثر سلبًا أو إيجابًا على الطالب، ففي حالة شعور الطالب أن هناك تقبلًا للآخر وتسامحًا ما بين أفراد المدرسة سوف ينعكس ذلك على فكره.


كما أن تطوير المناهج الدراسية التي يتم تدريسها للطلاب في داخل المدارس يمكن أن تساهم في بناء جدار معرفي صلب ينجح في حماية الطلاب من الانزلاق مستقبلًا في براثن الجماعات الإرهابية، وذلك من خلال مهام شاملة للمناهج تشمل الأدب والتاريخ والتربية المدنية، مع ضرورة التركيز على أفكار مثل التطرف، والمسارات الراديكالية المؤدية إلى العنف، وكيفية التعامل مع المسائل الخلافية داخل المدارس.


لذا يمكن القول أن المؤسسات التعليمية والدراسية في مختلف دول العالم نجحت في إيصال المواد العلمية المختلفة إلى أبنائها سواء على مستوى العلوم الأدبية أو الطبيعية، إلا أنها فشلت في بناء مستوى وعي يتناسب مع التحديات العالمية الراهنة، وهو ما جعل هؤلاء الأفراد صيدًا سهلًا وثمينًا للجماعات الإرهابية بمختلف أنواعها وأشكالها.

"