يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

المد الشيعي في موريتانيا.. حقيقة أم سراب؟

الخميس 31/مايو/2018 - 03:07 م
المرجع
أحمد عادل وعبدالهادي ربيع
طباعة
بعد نجاح الثورة الإسلامية عام 1979، في الاستيلاء على مقاليد السلطة بإيران، حاولت طهران توسيع تجربتها ضمن عدد من الدول الإسلامية، فلم يقف بها الحد عند دول الأقليات الشيعية في لبنان والعراق وسوريا واليمن، بل شاءت التوسع إلى دول أخرى؛ لإنشاء خلايا تكون نواة لفكر التشيع، ومن ثم المضي في البحث عن حقوق الأقلية، انتهاءً بتكرار تجربة الثورة الخمينية، فكانت بداية رحلة المد الإيراني إلى دول المغرب العربي، خاصة موريتانيا. 

وتعتمد الاستراتيجية الإيرانية على بناء النفوذ السياسي والفكري في منطقة ما؛ لتحقيق النفوذ العسكري، ولكن هذه الفكرة لم تلقَ صدى النجاح عند الإيرانيين، فحولوا فكرتهم إلى تكوين ميليشيات أو عصابات متباعدة على الأرض، وبعد ذلك يتم دمج هذه الميليشيات، لتكوين جيش أو قواعد إيرانية في تلك المنطقة، مثلما حدث مع حزب الله في لبنان أو جماعة الحوثيين في اليمن. 

جاءت البداية، في فبراير 2015 بزيارة رجل الدين الشيعي اللبناني «محمد قانصو» إلى موريتانيا، ودفعت إيران في اتجاه نشر المذهب الشيعي في موريتانيا بجدية بعد هذه الزيارة، خاصة أن هذه الزيارة لاقت صدى كبيرًا لدى الموريتانيين، وكانت أبرز ردود الأفعال القوية لهذه الزيارة، عندما قال الإعلامي الموريتاني المعروف «سيدي أحمد ولد باب»: إنه متابع كبير للقضايا الشيعية حول العالم، مؤكدًا أن الحديث عن وجود التشيع في موريتانيا أمر مبالغ فيه.

وافتتح «قانصو» خلال زيارته مدرسة قرآنية باسم الشيخ الشيعي اللبناني عبدالمنعم الزين، يعتقد أنها موجهة لتكون لبنة للشيعة في العاصمة نواكشوط، إلا أن «سيدي أحمد ولد باب»، اتهم أطرافًا موريتانية، بانتهاج سياسة «فبركة» الوجود الشيعي بموريتانيا، حتى يتمكنوا من الحصول على مكاسب مادية من قبل «أحواز إيران»، والبعثات الدبلوماسية المقربة من دول التشيع، واعتبرها بمثابة فقاعة إعلامية.

فيما سعت أجهزة الدولة الموريتانية إلى مواجهة هذا المد الشيعي عن طريق دعم المساجد بشيوخ السنة لمواجهة الفكر الشيعي، إذ دعا عمر الفتح ولد سيدي عبدالقادر إمام أكبر مساجد العاصمة الموريتانية لضرورة التصدي لما يُسميه مخاطر التشيع بالبلاد، مناشدًا المؤسسات الثقافية، للقيام بدورها في تحصين المجتمع الموريتاني، عقديًّا وتوعيته ثقافيًّا من «أباطرة الشيعة» -حسب وصفه.

الدعم الإيراني لموريتانيا
وصل الرئيس الموريتاني محمد ولد عبدالعزيز، في أغسطس 2009 إلى السلطة، وحينها عاشت البلاد حالة من التقشف الاقتصادي، فدفع هذا إيران لاستغلال مثل هذه الأزمات لصالحها، عن طريق منح النظام الموريتاني في ديسمبر 2008، مبلغ 100 مليون دولار، لدعم وإنعاش الاقتصاد الموريتاني.

وبعد 9 أعوام، وفي 2017 أعلن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، خلال زيارة له للعاصمة الموريتانية «نواكشوط» رغبته في تفعيل اتفاقيات التعاون بين البلدين، سواء الاقتصادي أو الأمني.

وبلغت العلاقة بين موريتانيا وإيران أوجها في عهد الرئيس محمد ولد عبدالعزيز، بعد سنوات من التباعد، نتيجة ظروف الحرب العراقية _ الإيرانية.

يتحدث الدبلوماسي الموريتاني باباه ولد سيدي عبدالله عن العلاقات بين موريتانيا وإيران، قائلًا: «كان المجلس الأعلى للدولة الخارج بعملية قيصرية من رحِم انقلاب عسكري، ضد رئيس منتخب يسعى إلى سند خارجي من أي نوع، وإلى دعم مادي في أفق انتخابات رئاسية لا تفصله عنها إلا شهور قليلة، وهكذا وجدت إيران في موريتانيا ضالتها لتعويض خسارتها الدبلوماسية في منطقة المغرب العربي».

في يناير 2010 وصل الرئيس الموريتاني محمد ولد عبدالعزيز للعاصمة الإيرانية طهران، في زيارة رسمية التقى خلالها كبار المسؤولين في البلاد، ليكون أول رئيس موريتاني يزور إيران منذ ثورتها الإسلامية 1979.

مواجهة موريتانيا لفكرة التشيع
وتنبهت الحكومة الموريتانية سريعًا إلى خطورة المد الشيعي على البلاد، فأغلقت مركزين تابعين للشيعة في العاصمة «نواكشوط»، إذ صادرت وزارة الشؤون الإسلامية المجمعين، وأبلغت إمام المسجد الموجود في المجمع بعزل الإمام وتعيين إمام آخر على أن يكون سُنيًّا.

وأقيم المجمع في مقاطعة «دار النعيم» بنواكشوط، وذلك مع بدايات إعلان بعض الموريتانيين تشيعهم، وتنظيم أنشطة داخل البلاد، وتنظيم رحلات إلى إيران.

وإثر هذا حذرت موريتانيا السفير الإيراني في نواكشوط، من تلك الأنشطة المشبوهة التي تقوم بها سفارته في البلاد، والتي من أهدافها تغيير مذهب وعقيدة المجتمع الموريتاني.

موقف موريتاني رسمي تجاه إيران
ويرى أسامة الهتيمي، الباحث في الشأن الإيراني، أن خطوة الحكومة الموريتانية بإغلاق تلك المراكز، تأتي اتساقًا مع مواقفها السابقة، التي كانت بمثابة إرهاصات، عن تشكيل موقف موريتاني رسمي جديد تجاه إيران، ونشاطاتها في الدول العربية بشكل عام.

وتابع «الهتيمي» في تصريح خاص لــ«المرجع» أن الدولة الموريتانية رفضت في مايو 2017 الترخيص بعقد اجتماع تأسيسي لكيان «المجلس الأعلى لشيعة موريتانيا»، بالتزامن مع مطالبة وزير الخارجية الموريتاني للسفير الإيراني في نواكشوط، بنقل رسالة إلى طهران يطلب فيها عدم تدخل طهران في الشؤون الموريتانية الداخلية.

وأوضح أن موريتانيا تتخذ هذا الطريق في التعامل مع كل المؤسسات الشيعية، فقد رفضت أيضًا في مارس 2016، الترخيص لنشاط مساند لحزب الله اللبناني، الذي اعتبرته منظمة إرهابية.

كما أشار الباحث في الشأن الإيراني، إلى مطالبات مفتي موريتانيا، الشيخ أحمدو ولد حبيب الرحمن، سلطات البلاد بقطع العلاقات مع وإيران، والتعامل بحزم مع ما سمّاه «محاولات إيران لتغيير مذهب وعقيدة الموريتانيين».

ويُعلق «الهتيمي» قائلًا: «التقارب الملحوظ بين موريتانيا ودول الخليج، خاصة المملكة العربية السعودية، المنافس الشرس لإيران، على حساب التقارب السابق بين موريتانيا وإيران عام 2008، هو السبب الرئيسي في مثل هذه الخطوات التي تتخذها الدولة الموريتانية»، موضحًا أن بداية الانتشار الشيعي في موريتانيا، حدث منذ تقارب عام 2008، الذي أعقبه بدء علاقات دبلوماسية وتجارية وثقافية مع إيران، كما سمح هذا التقارب للكيانات الإيرانية بالاتصال بالنخبة الدينية والسياسية والثقافية الموريتانية.

واختتم الباحث في الشأن الإيراني، أن تقديرات أعداد الشيعة في موريتانيا مازالت عملية تخضع لاعتبارات عديدة، إلا أنها تتراوح ما بين 30 و50 ألف متشيع، فيما يرى البعض أن أعدادهم لا تتجاوز العشرات، مدللين على ذلك بأنه لا توجد «حسينية» واحدة للشيعة في موريتانيا.

الكلمات المفتاحية

"