يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«التطرف» أمام مرآة الحداثة المكسورة

الإثنين 29/يوليه/2019 - 02:09 م
المرجع
محمد العارف
طباعة

ارتبطت الممارسات المتطرفة في الآونة الأخيرة بأدوات الحداثة، بل سعت لتحقيق انتصارات وهمية من خلال استغلال التسارع الزمني، الذي جعل من الحرب فرجة والمجاعة فرجة والإرهاب فرجة، تأخذ أثرها اللحظي وتحقق من خلال لا شيء هدفها، المتمثل بالنسبة للجماعة – داعش مثلًا- في الخلافة المزعومة، وبالنسبة للفرد في إيجاد شماعة واهية ليعلق وجوده المحطم في زمن الآلة .


ويأخذ مفهوم الحداثة مكانه اليوم في حقل المفاهيم الغامضة، خاصة في ارتباطه بالتطرف والجماعات الراديكالية المسلحة، في صورها التي تفرض على المجتمعات الدولية حالة من ترقب الإنهيار العالمي.


وإذا كان مفهوم الحداثة يعاني من غموض كبير في بنية الفكر الغربي الذي أنجبه، فإن هذا الغموض يشتد في دائرة ثقافتنا العربية ويأخذ مداه ليطرح نفسه إشكالية فكرية مهمة تتطلب بذل مزيد من الجهود العلمية لتحديد مضامينه وتركيباته وحدوده، ويرى كل من كارل ماركس، وإميل دوركهايم، وماكس فيبر أن الحداثة تجسد صورة نسق اجتماعي متكامل، وملامح نسق صناعي منظم وآمن، وكلاهما يقوم على أساس العقلانية في مختلف المستويات والاتجاهات.

«التطرف» أمام مرآة
الحداثة والإرهاب

الانتحار الجهاديّ - الدينيّ ظاهرة معاصرة نسبيًّا، بل كلّ ظاهرة انتحارية حديثة في التاريخ الإنسانيّ، مرتبطة بالحداثة؛ لأنّ التقنيّة والتطوّر التكنولوجيّ أتاحا للإنسان إمكانيّة الانتحار في المعركة.


وقد ظهر العديد من الجهاديين في أزياء تشير إلى الماضي منتحرين أمام الكاميرا، رابطين إيمانًا غيبيًّا باداة مادية وصلت في حدتها إلى تسليع الإنسان ذاته، ما يحدث تنافرًا بين الأداة وما يريد مستخدمها إيصاله.


ويقوم التطرف الإسلاموي على مفهوم التمسك بالماضي واستيلاده بحيث يستفيد متبنوه من إعادة تأويله بشكل آني، يتكئ على مبدأ السمع والطاعة التي يشكلها في ذات المتطرف ما يسمى بمفهوم الاستقامة، الذي تحدث عنه الدواعش في العدد 192 من جريدة النبأ التابعة للتنظيم.


وفي علاقته بالحداثة يظهر التطرف واقفًا أمام مرآة مكسورة في محاولة للاقتناع بجمال وجهه الذي لن يظهر إلا كما تشاء السرعة التقنية للعصر.

وقد رافق التطرّف الإنسان منذ وجوده؛ لأنّه حالة ذهنيّة -سيكولوجيّة بالدرجة الأولى-، ومن هنا يصعب على أيّ باحث التأصيل للتطرّف، أو الإمساك به زمنيًّا ومكانيًّا، بينما يمكننا فعل ذلك إزاء أنماطه.


ويتجاوز التطرّف ذاتيّة الإنسان إلى وجوده؛ فيتّخذ لغته ورموزه، ومن ثَمّ فكره وفعله، وهذا ما يعنينا من علاقته بالحداثة، بوصفها مفاهيم ومنجزات، وكتلة زمنيّة وحضاريّة.


ونشاط تنظيم «داعش» منذ نشأته إلى الآن يعد تمازجًا صريحًا مع التقنيات التي أنتجتها الحداثة، مع ملاحظة أن الخطاب الإسلاموي في الأساس خطاب أممي، ينظر للفرد باعتباره جزءًا من الجماعة، وذلك ما يتعارض كلية مع مفهوم الحداثة وانتصاراتها للذات والعقل والحرية على حساب السلطة.


لكن أبناء البغدادي اتخذوا أدوات الحداثة في محاولة بائسة لنفيها، وهو ما يُظهر عدم إدراك لطبيعة الأداة التكنولوجية التي فرضت سطوتها على ممارسات الفرد ولغته.


الترويع والتبشير


اقترنت الممارسات الإرهابية بتوثيقها عبر مقاطع بصرية مسجلة، تبث عبر مواقع التواصل، فيحدث التلقي باعتباره مشاهدة على مستوى، وتهديدًا على مستوى آخر، ما يحدث في نفس المشاهد للفيديو رعبًا أو شغفًا.


ويستخدم التنظيم أدوات الحداثة في ضرب عصفورين بحجر واحد؛ حيث يستقطب تابعين له ، ويرعب من ليس في صفه، لكن دون تفاعل حقيقي مع الحداثة؛ إذ أن الخطاب الإسلاموي، خطاب أممي وراديكالي بالضرورة، بينما الحداثة هي مساحة للفردانية والحرية.


في التسجيل المصور الأخير الذي ظهر فيه البغدادي، أعيدت صياغة الإستراتيجية التي ينفذها  أتباعه، بل اتخذت شكلًا متوائمًا مع التسارع الذي تفرضه الحداثة؛ فالتكتلات وفرض البنية الأيديولوجية يتلازم والبطء، لكن الحداثة تفرض السرعة كنمط للفعل ورد الفعل، لذا كانت الممارسات الإرهابية الفردية باب زعيم «داعش» بعد هزيمته في آخر جيوبه بالباغوز السورية لاستعادة التأثير فيما سمي بعمليات «الذئاب المنفردة».


أطر الخطاب


وتعكس هذه العمليات تأثر الإسلامويين بما فرضته الحداثة من أطر للخطاب والتواصل، وإن كانت عقيدة التنظيم مخالفة تمامًا للأدوات التي يستخدمها في نشرها.


في هذا السياق يقول الكاتب محمد أركون في كتابه «الحداثة والإسلام بين المفهومين»: «الحداثة موقف للروح أمام مشكلة المعرفة، إنها موقف للروح أمام كل المناهج التي يستخدمها العقل للتوصل إلى معرفة ملموسة للواقع، أما التحديث فهو مجرد إدخال للتقنية والمخترعات الحديثة (بالمعنى الزمني للكلمة) إلى الساحة العربية أو الإسلامية، نقصد إدخال المخترعات الأوروبية الاستهلاكية وإجراء تحديث شكلي أو خارجي، لا يرافقه أي تغير جذري في موقف العربي المسلم للكون والحياة».


فالجهاديّة الإسلاميّة جزء من تشكيل أزمة الحداثة، على الرغم من خطابها المُعادي لمفاهيمها؛ فالبنية التنظيميّة للتنظيمات المتطرّفة الجهاديّة بنية حديثة، من حيث الهيكلة الداخليّة وتوزيع المهامّ، ما يشبه إلى حدّ بعيد بنية الحزب في الدولة الحديثة، إضافة إلى ذلك، نلحظ أنّ تنظيم «داعش»، أكثر التنظيمات توظيفًا للأدوات الحديثة، وعقلنة للعنف، في إيصال أيديولوجيّته ورسائله إلى الجمهور، سواء كان ذلك في تقنيّة التصوير واستخدام الكاميرا، أو في براعة الإخراج في الإعلام، أو من فيديوهات ونشرات مكتوبة ومرئيّة في لغات متعدّدة، وليس في العربيّة فقط.


كما استطاعت مقولات اللاّهوت-السّياسي، التي ولدت في القرن العشرين، أن تخلق بعد سنوات قليلة مناخًا جيدًا قابلًا أن تتكاثر فيه الحركات الجهاديّة والأصوليّة الرّاديكاليّة، التي وظّفت نصوص الجهاد المتناثرة في (القرآن، السّنّة، أقوال السّلف، آراء حسن البنّا والمودودي وسيد قطب) في بناء الإسلام الرّاديكالي الدّموي، وخرجت الجماعة الإسلاميّة المعروفة، وجماعات الهجرة والتّكفير وغيرها من الجماعات الأخرى لتعلن الحرب على كلّ من يخالف أطروحاتها في الدّين والسّياسة، وقد كانت لا ترى في الآخر سوى الكفر والشّرك والعدو الباغي. 


إنّ هذا النّوع ليس عنيفًا في ذاته، وإنّما عنفه تولّد من اختلاط المعرفة (النّصوص الجهاديّة) بالسّياق السّياسي المضطرب، فهو عقل لا يقوى على الخروج من تكوينات الرّواسب المعرفيّة الاجتراريّة التي يؤمن بها، فهو يفكّر من خلال العقل (المعرفة التي اكتسبها) الذي يقتاته يوميّا، وبالتّالي فقد كان من الصّعوبة أن يفهم الإسلامات التأريخيّة، أو تأريخيّة المفاهيم، أو نسبيّة التّصوّرات والأفكار، أو يدرك ما هو خارج نطاق تفكيره ومعرفته، وكلّ ما يقوم به هو تنصيص التّأريخ لتصبح قوالب دينيّة مقدّسة.


إنّ من أكبر الإشكاليّات الفلسفيّة التي يعانيها العقل الدّيني هو أنّه لا يدرك تحقيب التّأريخ، فهو يضع التّأريخ كلّه في سلّة واحدة، أو ربّما يقسّمه إلى فترتين فقط، الأولى وهي عصر الرّسالة، العصر الذّهبي، عصر التّأريخ البعيد، والثّانية عصر الانحراف، الذي لم يستطع أحد أن يحدّد بدايته التّأريخيّة لإشكاليّات تتعلّق بماهيّة الانحراف ذاته من النّاحية المعرفيّة والدينيّة.


كما أنّ العقل الدّينيّ بشكل عام لا يفهم تنسيب المعرفة، فهو يضع المعرفة في إطار المطلق، الذي لا يخضع إلاّ للنصّ فقط، ومن هنا ندرك عدم قدرة العقل الدّيني على استيعاب حقول المعرفة الأخرى.


إنّ المعرفة التي يقتات منها العقل الرّاديكالي أو الإسلامي بشكل عام لها دور كبير في تشكل الأطروحات الجهاديّة الدّمويّة في المجتمعات الإسلاميّة، فهو غالبًا ما يربط بين الجنّة وشرع الله الخالص – حسب رؤيته لهذا الدّين- بالفشل الذي تعاني منه الأنظمة السّياسيّة في بناء المجتمعات الأخلاقيّة التي يجب أن تسودها العدالة الاجتماعيّة، ويرى أنّ تلك الأنظمة تقوم بتكريس خطابات غربيّة تتربّص بالمسلمين الشر، كما أنّها تقوم بتكريس ثقافات دخيلة على تأريخ الذّات وثقافته.


ومن هنا تصبح مثل هذه الشّعارات تعبويّة وشعبويّة في آن واحد، تستطيع تجييش الضّمير الاجتماعي عاطفيّا في سبيل آرائها السّياسيّة.


«التطرف» أمام مرآة

تجنيد المتطرفين


تحاول «صوفي فيوليه» مؤلفة كتاب «الإسلاموية المتطرفة والغرب»، انطلاقًا من مقتربها التفسيري المركز على الفرد المتطرف، وبالعودة إلى استجوابات متطرفين مسجونين، أن تقدم خصائص غير نمطية ومتميزة عن هؤلاء، فأغلب الإسلامويين المتطرفين في الغرب، ولدوا وتربوا في البيئة الغربية، وتلقوا تربية حديثة، إذا فهم متعددو الثقافة، ويتحدثون لغات عدة، ومندمجون في الغرب إلى حد كبير، ومتكيفون مع بيئته، إذ إنهم أقاموا في بلدان غربية عدة.


وينحدر أغلب المتطرفين من الطبقة المتوسطة التي يمكن اعتبارها الفاعلة الرئيسية في الجهاد العالمي، فالمتطرفون الإسلامويون ليسوا ضحايا الغرب.


وتلقى أغلبهم دراسات عليا، مع غلبة التخصصات العلمية، فهم ليسوا جهلة، كما أنهم ليسوا مراهقين، بل شباب تجاوزوا سن المراهقة، والعديد منهم متزوجون.


ولا يقتصر أمر الانضمام إلى الجماعات الإرهابية على الرجال، بل يشمل كذلك النساء، ينحدر أغلبهن بالولادة من دين آخر، واللواتي تم استبعادهن سابقًا من إمكانية الالتحاق بالجماعات الإرهابية.


وبالرغم من إعلان المتطرفين الإسلامويين أن تضحيتهم هي في سبيل الإسلام، فإن مشروعاتهم في العمق لا تختلف عن الشباب في المجتمعات الغربية، والمتمثلة في العمل والزواج والأولاد، والبحث عن الرفاهية والسعادة والتحرر وتحقيق المشروعات الشخصية. إنهم ليسوا عدميين.


ومن خلال هذه الأفكار تكسر المؤلفة الصورة النمطية المقدمة حول المتطرفين الإسلامويين الانتحاريين في الغرب. كما تقدم جملة من الأفكار الرائجة، كـ"أطروحة عدم النضوج" التي تقول بأن الحالة العاطفية والنفسية المندفعة للمراهقة تدفعهم للالتحاق بالجماعات المتطرفة، و"أطروحة اليأس" التي تعتبر الناشطين الإرهابيين يائسين ومحبطين.


و"الجهاد" ليس نتيجة للآمال الخائبة، كما أنه ليس نتيجة أمراض عقلية، باعتبار الإسلامويين المتطرفين غير مصابين بمرض عقلي أو نفسي، على عكس ما تقدمه بعض الأطروحات التي تقول بوجود استعداد نفسي مشترك لدى الإرهابيين، فالاختلال الوظيفي الموجود هو اختلال نفسي اجتماعي أكثر مما هو نفسي مرضي.

 

دوافع التطرف


ما يوحد الإسلامويين المتطرفين هو تأثير صعوبات الحياة عليهم، بشكل يجعل الحركات الإرهابية المتطرفة ملاذًا كبيرًا لإفراغ ضيقهم وتذمرهم من الغرب عمومًا. وأغلبهم يتأثر بـ"الحالة النموذجية الأولى" التي تكون بداية الاتجاه إلى التطرف وإحياء صعوبات الحياة الكامنة التي يواجهها هؤلاء.


ونتبين في غالبية الحالات وجود حادثة أثرت فيهم شخصيًّا وبصورة عميقة هذه الحالة - التي يسميها «خسرو خافار» في كتابه «عندما تتكلم القاعدة: شهادات من وراء القضبان»، «الحادثة النموذجية الأولى» - التي تكون الشرارة في الاتجاه إلى التطرف، والواقع أن الصعوبات المصادفة في الحياة اليومية والتظلمات الموجهة إلى المجتمع الذي يعيشون فيه موجودة من قبل، ولكن بصورة كامنة، فتأتي الحادثة المؤثرة وتسبب إعادة التساؤل ويقظة قلق، وعذابات كانت كامنة ومكبوتة قبلها.


وتجمل المؤلفة هذه الصعوبات في ثلاثة أنواع رئيسية؛ أولها صعوبات متعلقة بالهوية، وتتمثل أساسًا في العنصرية والاحتقار والنبذ والاستغلال والظلم الذي يشعر به المسلمون في الدول الغربية، وكذا الخوف من فقدان الهوية الإسلامية؛ وثانيها صعوبات متعلقة بالعواطف المتصلة بوجود الناشطين ككائنات بشرية، والمتجلية في شعور المتطرفين بالمهانة، وبأنهم ضحايا الغرب، يجعل منهم أفرادًا متخلفين.


لذلك يعد الانضمام إلى الإسلاموية المتطرفة سبيلًا إلى تحقيق ذلك؛ وثالثها عناصر متصلة بالشعور بالذنب، وتتمثل في التوبة عن الخطايا والمعاصي التي تتم من خلال «الجهاد».


وقد أتاح تطور وسائل التكنولوجيا الحديثة تحرر الأفراد من القواعد الجمعية المفروضة من طرف المؤسسات الدينية والعائلية، وأصبحوا في مواجهة مباشرة مع العروض الدينية المتنوعة والمختلفة، ما يجعل الهداية أمرًا شخصيًّا طوعيًّا، كما يجعل أمر التعامل مع النص الديني حبيس الفهم الخاص، لذلك يلاحظ لدى الناشطين المتطرفين تبني الكثير من المظاهر والسلوكيات التي يجهلون أسبابها.


ولا يمكن اعتبار الجهاديّة الانتحاريّة ظاهرة سلفيّة مطلقًا؛ فالسلفيّة المتّهمة بكلّ الشرور تُدين الانتحار؛ لأنّه استباق لإرادة الله؛ وذلك لأنّ السلفيّة تهتمّ - في المقام الأوّل - بتقنين سلوك الفرد؛ فهي تنظّم كلّ شيء، بما في ذلك استخدام العنف، والسلفيّ لا يبحث عن الموت، فمن ولعه بالخلاص يحتاج إلى الحياة؛ لكي يستعدّ لملاقاة ربّه، بعد حياة عاشها وفقًا للقواعد وللشعائر.


في أوروبّا تزداد وتيرة التطرّف الجهاديّ الانتحاريّ، وهو تطرّف ليس جماعيًّا كما أشرنا. بعد دراسات مكثّفة ومتنوّعة للأفراد المقدمين على فعل الانتحار الجهاديّ؛ تبيّن للباحثين مجموعة من المعطيات المشتركة، تربط بين معظم الجهاديّين هناك؛ فمعظم الأفراد المتطرّفين وُلدوا في أوروبّا، وليسوا مهاجرين من الشرق الأوسط، ثمّ إنّ قسمًا كبيرًا من هؤلاء لم يولد في بيئة اجتماعيّة إسلاميّة سلفيّة أو متزمّتة، ولم يواظبوا على حياة دينيّة ملتزمة، قبل إقدامهم على فعل الانتحار الجهاديّ، بل منهم مَن عاش حياة التسكّع الجنسيّ، وشرب الخمر، وتعاطى السموم.


من خلال ما سبق فإن التطرف ليس مناقضًا للحداثة، بل هو نتيجة لها، إذ أن الفرد أصبح بلا متكأ في زمن الرأسمالية وصار الاضطراب الروحي مسيطرًا على الكتلة العريضة من أبناء العالم، لقد وضعت الحداثة الإنسان أمام ذاته بوصفه مسؤولًا عن العالم، فيما صعدت التنظيمات المتطرفة لتأخذه إلى مكان وهمي يريح فيه اضطرابه ويؤسس فيه لدموية تبرر وجوده، أو يخلق خلاله قيمته التي لم يستطع أن يؤسسها في مجتمعه، بل جعلته أسيرًا لا للمادة التي تسعى لتسليعه وتسليع مشاعره وفقط، بل لعقيدة غيبية يعاد تأويلها حسب الحاجة، وتخدم أغراضًا سياسية لا تنتمي لدور الدين الروحي من الأساس.


وكما يرى الفيلسوف الفرنسي المعروف «جان فرانسوا ليوتار»، سقوط النظريات والإيديولوجيات الكبرى وعجز هذه النظريات عن قراءة الواقع أو تفسيره لأن هذه الأنساق الفكرية تعاني من الجمود والانغلاق وهي ليست قادرة أبدًا، كما يذهب أصحابها وروادها، على تفسير العالم أو المجتمع ومن هذه النظريات الماركسية والوضعية والوجودية والبرجماتية وغيرها من النظريات الشمولية المعروفة، فإن التطرف لا يخدم إلا التشظي الذي سيصيب العالم والذات الإنسانية إذا لم يكن هناك ملجأ من سؤال الوجود الذي لا إجابة له. 

"